banner

أنا أفــكـّر اذن أنت موجود

بقلم: كريم السّــمعلي

ليس عنوان هذا المقال مجرّد لعب بنص الكوجيتو الديكارتي (cogito ergo sum) بل لدلالة نريد توضيحها. ان النص الأصلي » أنا أفكّر اذن أنا موجود » شكّل منعطفا في الفكر الانساني اذ جعل من الفرد و من وعيه بذاته المُفكرة محور الفكر الحديث. لكن ماهو الفكر؟ ومن هم المفكّرون؟ و هل يحق احتكار صبغة المفكّر ليصبح هناك المُفكـِّرون و المُفكـَّر لهم؟ هذا هو التساؤل الفعلي لهذا المقال.

ان احتكار الفكر واحتكار « الحقائق » المتأتية منه كان و لا يزال للأسف أحد مقوّمات الهيمنة في الهيكلة الاجتماعية الهرمية. فلا تبنى الهيكلة الاجتماعية في مختلف وجوهها المعقدة فقط على هيمنة صاحب رأس المال ووسائل الانتاج انما على أساس المنظومة الفكرية والايديولوجية التي تشرّع لتلك الهيكلة أي تعطيها بعدها الشرعي و المنطقي الذي اذا ما تغلغل في الأذهان صار الاطار الأوذل والأقوى لاستمرار تلك الهيمنة.

ان أساس الفكر هو اعمال العقل في الفهم و التحليل و اعمال الذهن في التخيّل و تصوّر المستقبل. فلا شيىء يمكن أن يوجد في الواقع قبل أن يوجد في الخيال. فالانسان ككائن عاقل و مُتخيّل هو القادر على انتاج فكر من شأنه أن يعيد صياغة الوعي و بالتالي اعادة صياغة هيكلة المجتمع و قيمه التي يقوم عليها.

فأول خصائص الانسان الواعي هو أنه يفكـّر بذاته و لذاته. وهذه الاستقلالية هي أحد دعائم الفكر التي لا يمكن أن يستقيم من دونها مهما كان. لكن الذات المُفكرة ليست ذاتا معزولة و منفردة لأنها، حتى في أوج وحدتها و نرجسيـّتها، ذاتٌ تكتنزُ ذوات الآخرين ولا توجد الاّ بهم و من خلالهم.

وموجز القول أن ركن  التأملات و الآراء في موقع الملتقى هدفه اقتسام لذة التفكيروالقول والمطارحة وفي ذلك محاولةٍ (1) لتحرير الفكر من قوالبه الجاهزة: من المفكر؟ من يُجيز له التفكير؟ ماقيمة أفكاره؟ (2) كسر احتكار الفكر من جهة معينة. فقيمة الفكرة تأتي من داخلها من بُنيتها و صلابتها المنطقية لا ممن قالها ومرتبته في قبيلة المفكرين المعترف بهم رسميا أو في مجالات اختصاصهم. فكم من المفكرين ذوي الأسماء قدّموا أفكارا ضعيفة و مغلوطة و مجترّة و كم من الناس العاديين ذوي الوعي الحاد قدّموا أفكارا محدثة و متطورة و صلبة حتى وان بقيت مغمورة.

لكن بما أن قانون الهيمنة يُترجم على الصعيد الاجتماعي بقانون التنافس و بما أن نتيجة التنافس هو تحديد هيكلة هرمية تعطي لهذا ولذاك شرعية ما بامتلاك « الحقيقة » بحسب مرتبته في تلك الهيكلة فان هذا الركن والتحاليل والأفكار المنشورة فيه هي تحدٍّ صارخ لهذه الممارسة المتغلغلة التي صارت لا تُرى بقدر ما تعوّدنا عليها و استبطنّاها: احتكار الفكر.

مونتريال  ديسمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire