banner

الانسان… ذلك الكائن المؤقت الذي يمقت التوقيت

الوجود والعدم، الحياة والموت، الخلق والتطور، البيغ بانغ ونهاية الكون، الوعي واللاوعي، التذكر والنسيان وغيرها من المتضادات كلها تدور في فلك الزمان ووعي الانسان بانه كائن مؤقت… ما أتى العالم الا ليبرحه بعد حين وكلما تذكر نسى ان وجوده فاصلة – شخصية على اكبر تقدير- في أسفار الكون اللامتناهية. لكن نفس هذا الكائن المؤقت في خصومة دائمة مع الوقت فهوامّا قاتل للوقت من الملل اذا كانت حياتة بلا معنى ولا اتجاه وامّا لاهث وراء الوقت يشتريه بأغلى ما عنده ولو أن الوقت يُشتهى ولا يُشترى. لم نسمع أحدا يقول: عشت مافيه الكفاية..علي الآن الرحيل الا اذا كان في أدنى حالات الاكتئاب ولم نر أحدا يبيع وقته لغيره الا من أجل رغيف الخبز. وهكذا تخسرُ الأعمار من أجل الفوز بأدنى مراتب الحياة. يلهث الناس طوال أعمارهم وراء الكسب والتكاثر والتراكم..بدون وعي بأن أغلى شيئ في الحياة هو الوقت…لأنه الفرصة الوحيدة السانحة للوجود.

الخلق والتطوّر…

قد تصبح مضحكة ذات يوم تلك الخصومة التي ما زلنا نرى آثارها في حوارات وجدالات المثقفين وأشباه العلماء وان لم يكونوا علماء. في الجبهة والأولى نجد الخلوقيين أو الخلقانيين (créationniste) الذي يؤمنون ايمان العجائز- وكأنهم حظروا لحظة الخلق الأول – بنظريّة الخلق « كن فيكون » على أساس أن مسافة الوقت بين أمر كُن وما سيكون هي نفس مسافة الوقت للنطق بالكلمتين. انهم يُخظعون الخالق لزمنهم، لوعيهم بالوقت المقسم على ساعاتهم اليدوية والحائطية، وكانه في حاجة لفيزيائهم ليبرر وجوده. لم يفهموا بعد أن الذي يصنع الوقت ينبغي ان يكون خارج قوانين لعبته والا احترق بالنار التي أسعرها. لم يدركوا بعد ان الوقت « مادة » مطاطية عبر زمن وجود الأزمان ذاتها التي لم تكن لتوجد لولا المادة. لا وقت بدون مادة وبدون طاقة. وفي الجبهة الثانية نجد التطوريين (évolutionniste) الذين يتخذون من المعرفة العلمية التجريبية المتاحة ذريعة لنكران أي وجود الاهي ماورائي.العلوم الصحيحة والتجريبية بأصنافها لها سيرورتها الخاصة. هذه السيرورة تلغي من ماهيتها الاجابة على السؤالين التاليين: من؟ ولماذا؟ وتكتفي فقط بالاجابة على سؤال واحد: كيف ؟ هذه هي المعرفة العلميّة ومجالها التعريفي. وما خرج عن هذا المجال ليس الا استعمال المعرفة العلمية لأغراض غير علمية وهو ما يفقد تناسق الحجة بالنسبة للطرفين. لكن على مستوى آخر لا شيىء يمنع من اعتبار انه هناك سوء تفاهم بين الطرفين حول الوقت ومفهومه. فأي مانع عقلاني يرفض أن يكون التطوّر هو سيرورة (Processus) الخلق ذاتها بما أن الخالق « ان وجد » لا يخضع لاي وقت أو توقيت. وبذلك الخروج من الجدل البيزنطي: خلقٌ أم تطوّر؟ وفي النهاية ليكفر ما شاء وليؤمن من شاء بدون الالتجاء الى ذرائع علمية أو « سحرية ».

الحياة والعدم…

ماذا فعلت بشبابك … ماذا فعلت بوقتك … وانت تعلم ايها الانسان انه مهما عمّرت فان دقات قلبك معدودة شئت أم لم تشأ. مشكلة الانسان أنه ينسى أن الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود هي النهاية الحتمية له. وما دون ذلك يخضع للاعتقاد فحسب.الاعتقاد هو عكس اليقين. لكن الانسان يصبغ النسيان على يقينه الوحيد ويصبغ اليقين على معتقداته. فعجبا. فلولا وعي الانسان بأنه كائن مؤقـّت وخوفه و رعبه من نهاية التوقيت المتاح له للحياة لما كانت أديان، ولا كانت حضارة ولا كان انسان. النسيان هو بلسم الانسان في ردهة الوجود. ولكي ينسى لا بد لالانسان أن ينشغل لان فراغ الوقت من أي شغل واهتمام هو أشد وأقسى أنواع العذاب النفسي. فتجد ابن آدم مشغولا بالقوت اذا كان في أدنى درجات السلم الاقتصادي ومشغولا بالتراكم والهيمنة والتكاثر والظهور ان كان في أعلاها. المهم أن يظل مشغولا… لينسى وليكون وقته المعدود عليه ممتعا. البحث عن السعادة والمتعة هي أسمى غايتة المؤقتة. لكن الحياة كل الحياة لا تعدو ان تكون اللحظة الراهنة التي نحياها. فالماضي متراكم في الذاكرة كتجارب سلبية و ايجابة ولا يمكن أن نحياه ثانية والآتي أماني وخيالات وطموحات يمكن أن تفضي الى أهدافها أو لا. لا تبقى لنا الا اللحظة الزئبقية التي بين أيدينا لنقرر فيها اي المتع يمكن تحصيلها والآلام يجب تخطـّيها.

الوجود والأثر…

هناك طائفة قليلة من البشر تعيش لحظتها الآنيـّة على أساس أنها آخر لحظة ويصبح وعيها هذا هوسا: أي أثر سأترك للآتين بعدي… هذه الطائفة هي من المبدعين خصوصا في المجالات الفكرية والفنية… المبدعون الحقيقيون لا صناع المواد الاستهلاكية التي تخضع لمنطق الموضة حتى وان كانت فنيــّـة وفكريـّـة. ولعل المبدعين الحقييقين لم يختاروا أن يكونوا كذلك لأنهم ولدوا كما هم مسكونين بهوس الابداع أي خلق الجديد وبنائه على أنقاض القديم. والوقت هو أكبرعدوّ للمبدع الحقيقي على جبهتين. الجبهة الأولى هي أنه يلزم الكثير منه لاتمام مهمة لا تنتهي أبدا. والجبهة الثانية هي أن غالب المبدعين الحقيقيين يسبقون زمانهم من ناحية التقبل والفهم فيعيشون غرباء في زمانهم وأوطانهم. فغالبا ما تراهم في صراع مرير مع الوقت لكي يقولوا كلمتهم قبل أن يمضوا. وكما أن لأي قاعدة استثناءات فان العديد منهم يرحلون سريعا وقد حرصوا ان يقولو كلمتهم قبل المضي الذي اختاروه أو غـُصبوا عليه. بيتهوفن، الشابي أو سيد درويش على سبيل المثال لا سبيل الحصر من المبدعين ذي الأثر الخالد ولكنهم رحلوا سريعا بعد أن تركوا أثرهم. لقد عاشوا توقيتهم بكثافة… فهل نأسف على رحيلهم وقد سنح لهم عمرهم القصيربأن يقولواكل ما عندهم مما يجعل أي اضافة منهم مجرد حشو وتكرار؟ لقد فعلها جاك برال في عز عطائه عندما أعلن أنه بعتزل لأ نه قال كل ما لديه وأن المواصلة منه تعني التكرار وهو يرفض أن يغش جمهوره. وقد يبدو هذا البحث المحموم عن ترك الأثر الذي يعطي معنى الوجود في غاية من الايثار والغيريّة (altruisme) لأنه سيفيد الآخرين أكثر مما سيفيد الراحلين. لكنه في حقيقته غاية في النرجسية والأنانية اذ أنه ما معنى أن يطمع الانسان في تواصل وجوده الرمزي عبر الأثر بعد أن يفارق الدنيا روحا و جسدا؟ ولنفهم هنا ان استعمال الأنانية مقابل الغيرية لا يخضع للحكم القيمي الشائع على أساس ان الغيريّة قيمة سامية والأنانية قيمة دانية وانما محاولة للاقتراب من حقيقة الأشياء. لا أحد من المبدعين يمكن أن يضمن خلوده عبر أثره لأنه وان اشتهر في حياته فلا يعني أنه محصّن من النسيان وان لم يكن لأثره معنى لمن حوله في حياته لا يضمن أن يصبح ذي معنى بعد آنْ…أي بعد رحيله عن هذا الزمكان.
الوقت اذن يبقى سيد الموقف أبدا وما دونه خيالات تأتي لتمضي …

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire