banner

البعد الكوني للثورة التونسية

علينا أن ننتبه و ننبه لكوننا أمام فرصة تاريخية نادرة ومؤسسة. الثورة التونسية ليست حدثا تاريخيا عابرا أو ثورة مخملية كما حصل في دول اروبا الشرقية. انها نقطة انطلاق لدورة حضارية جديدة وتضييع هاته الفرصة سيكون انتكاسة لا لتونس فحسب بل لسيرورة التغيير الكوني الذي هو بصدد التشكل.

فيما يتمثل البعد الكوني للثورة التونسية ؟

ان ما نعرفه من تاريخ الثورات لا يحيلنا حتما الى نقلات ايجابية في تاريخ الانسانية. وحدها الثورة الفرنسية حققت أهدافها بفرض مفهوم المواطنة والجمهورية بعد ردهة من الشد والمد انتكست فيها وارتدت. أما الثورة البلشفية فقد كانت انتكاسة كبيرة أنهت الديكتاتورية الاقطاعية القيصرية لتحل محلها دكتاتورية الشيوعية الأفضع في العالم بقياس عدد ضحاياها. والأمر ذاته بالنسبة للثورة الايرانية التي أنهت دكتاتورية اقطاعية متسلطة لتحل محلها دكتاتورية ثيوقراطية مازالت تقمع كل نفس تحرري باسم الديكتات الديني. أما الثورات المخملية فقد كانت انتقال أمم حديثة في تركيبتها وثقافتها من منظومة متعسفة (النظم الشيوعية) الى منظومة أكثر حرية (العالم الليبرالي). ان الثورات غالبا ما تفشل لأنها تغيروجه المهيمن دون المس بمعادلة الهيمنة.

ولقد وجدت الثورة التونسية صدى كونيا من بيكين الى نيورك ومن موسكو الى تل ابيب مبرهنة بذلك على حاجة جادة في تغيير موازين القوى في العالم بين الحاكمين والمحكومين. فقد أصبحت جل التحركات الاحتجاجية تنسج على منوالها في التنظيم (ثورات الربيع العربي) لكن خصوصا في الايمان والثـقة بقدرة الفعل الجماعي على التغيير. فكما خرج الصينيون يزرعون شجيرات الياسمين في شوارع بيكين منذرين بتوقهم للتغيير تنظمت في نيوروك حركة « لنحتل وول ستريت » وانتشرت منها الى كامل مدن أمريكا الشمالية في حركة عالمية سلمية ضد دكتاتورية المنظومة المالية. انها انتفاضة ضد « اليد الخفية » للسوق التي بشر بها آدم سميث بعد أن تبين أنها لا تعدو أن تكون الأيادي المرئية للمضاربين الماليين …لا أكثر ولا أقل. ويمكن اعتبار هذا الصدى الكوني الوجه المضيء للعولمة التي استعملت كفزاعة وليس كفرصة سانحة للتاثير في العالم.

أثبتت الثورة التونسية من جديد انه بامكان عمل فردي معزول كان ستسجل كحادث عابر (احراق البوعزيزي نفسه من شدة القهر) أن يتحول الى عمل جماعي قادر على تغيير نظام قائم مهما كانت قتامة جبروته و عسفه. وأن العمل الجماعي يمكن ترجمته الى عمل منظم ومهيكل (المجلس التأسيسي) قادر على تغييرمعطيات سياسية ما كان أحد يتصور وقوعها في أجمل أحلامه الثورية الرومنسية.
ان هذا التدليل على قدرة التغيير الكامنة في الوعي الجماعي وارتباطه بالارادة الجماعية المصممة هو درس كوني سينسج على منواله آخرون.

الفرصة التونسية في الاسهام في الحضارة الانسانية

ان الدمقراطية الغربية على تعداد حسناتها تشكو هنات عديدة تكاد تعصف بها. ومن هنا تتأتى الفرصة التونسية للاسهام في بناء نموذج ديمقراطي لا يستوعب كل حسنات الديمقراطية الغربية فقط بل يتجاوزها بالاسهام في تجديدها على مستوى كوني .وسيكون ذلك الاسهام فرصة للاندماج من جديد في التاريخ الكوني كمنتجي قيم بعد أن أصبحنا مستهلكي بضائع.

لكن كيف ؟ للآجابة على هذا السؤال ينبغي أن نفهم أولا ماهي العلل التي آلت اليها الديمقراطية الغربية الحديثة ثم كيف يمكن للديمقراطية التونسية الناشئة – ان كتب لها النجاح – الاسهام والتجاوز.

أمراض الديمقراطية الغربية:

الديموقراطية الغربية، التي يعتبرها البعض النموذج الوحيد القابل للاتباع، تعيش تناقضات مزدوجة: خارجية وداخلية .
التناقض الخارجي الأول هو أن الديمقراطيات الغربية قد أثبتت بصفة متواترة دعمها للأنظمة الديكتاتورية مادامت ترعي مصالحها. ومع ذلك، فهي تسارع بالتخلي عن أصدقائها من الحكام المستبدين بنذالة في الربع الساعة الأخير من سقوطهم. التناقض الآخر هو أن هذه الديمقراطيات تتصرف على الصعيد العالمي على أنها دكتاتورية، بالأسلحة زمن الحروب، وبأدوات التلاعب بالاقتصاد والتمويل في زمن السلم. مباشرة أو عن طريق المؤسسات السياسية والمالية العالمية.

أما التناقض الداخلي فيتمثل في تدخل أصحاب رؤوس الأموال في افساد الحياة السياسية بتمويل الأحزاب والأشخاص مقابل ضمانات خفية بعدم المس بالقوانين المنظمة للقطاعات الممولة (صناعة الاسلحة، صناعة النفط صناعة المواد الغذائية، وصناعة الترفيه … الخ ) أو بسن قوانين جديدة تخدم مصلحتها. ومن جهة أخرى فان القوى المهيمنة تسعى دائما لفرض هذه المعادلة الابتزازية مع المواطن الناخب: نضمن لك القدرة الشرائية و رفاهة العيش مقابل تخليك عن سلطتك كمواطن بانتخاب من ندعمهم عن طريق الاشهار . فتكون بذلك معادلة السلم الاجتماعي في البلدان الديمقراطية الغنية هي الاستهلاك مقابل التخلي عن المواطنة الفاعلة.

أما عن السياسيين والمرشحين الممولين من طرف أباطرة رأس المال فان العقد الخفي معهم هو الآتي :  » لآ علاقة لنا بكم أثناء تأدية مهامكم خارج ما اتفقنا عليه معكم عند تمويلكم ولن تتم مكافأتكم الا بعد انتهاء مهامكم ». وتتم مكافأة السياسيين بطريقتين: توفيرالأموال والدعم الاعلامي خلال الحملات الانتخابية. وبعد انتهاء المهام وذلك بالتشغيل برتب خيالية تحت مسميات: مستشار، خبير، وسيط ، محاضر الخ (كما هو الحال مع توني بلير وبيل كلينتون، وقريبا ساركوزي).

ان السرطان الذي ينخر جسم الديمقراطية الغربية هو هذا الاقتحام لرأس المال الخاص في النشاط السياسي. ان هدف رجال المال والأعمال هو الربح وتراكم الثروات المادية الخاصة في حين أن الهدف الأسمى لرجال السياسة هو خدمة الصالح العام. فاي نفوذ تمارسه سلطة المال من خلال شراء ضمائر أهل السياسة هو عمل لا أخلاقي يفضي الى موت السياسة.

هذا هو التشخيص السريع لما يحدث هنا في عالم ذو تقاليد ديمقراطية، وبعيدا عن الارض التي تشهد آلام مخاض الولادة الديمقراطية. فماذا نريد الآن؟ نسخ النموذج كما هوعلى هناته كما اعتاد ساستنا القيام به بسبب ضمور الخيال ومحدودية الثقافة؟ أم نبدع حلولا جديدة؟.

الديمقراطية التونسية : فرصة جديدة للبشرية

انها لفرصة عظمى أن يكون بامكانك اعادة البناء من الصفر. فلا أحد، حتى أفضل الاستراتيجيين والمستقبليين، توقع هذه التغيرات العميقة التي هي بصدد التشكل.لكن بعض السياسيين لا يرون أبعد من الانتخابات، وكعكة السلطة لتحقيق رغبتهم النرجسية في الوصول الى السلطة. ومن أجل ذلك أثبت بعضهم أنهم على استعداد لأي شيء. هذا السلوك هو الأكثر خطرا على مستقبل الديموقراطية في بلدنا. ان الحكمة تقتضي بأن تبدأ ديمقراطيتنا التأسيس من حيث وصلت اليه الديمقراطية الغربية: اي نبني على تراكماتها ونحسن آلياتها بدل نسخها بمعوقاتها.

وكم كانت خيبة الأمل كبيرة أحزاب طالما قدرنا نضالها لكنها انسلخت عن كل مبادئها بمجرد أن فاحت رائحة المال السياسي وتراءت لهم مقاعد السلطة حتى ظنت أنها قادرة على تشكيل أغلبية. فسال لعابها وصارت تبرر لمفهوم غريب عن المنطق النضالي: استثمار الخواص في العمل السياسي وهو ما يعتبر فضيحة بكل المقاييس. فاذا سمحنا للسلطة الاقتصادية بتمويل السياسية فيعني ذلك أن ديمقراطيتنا ستكون نسخة سيئة لديمقراطية هي بصدد الانحطاط. واذ نهنأ بعض اليساريين السابقين بتحولهم إلى منطق السوق نوصيهم بأن لا ينتقلوا من النقيض الى النقيض وأن يحرصو على ما تبقى من « نظافة السياسية » التي لا يمكن الا أن يوسخها المال السياسي. فان لم يسن الدستور وقانون الانتخاب ميكانزمات واضحة في تمويل الأحزاب السياسية وحملاتها الانتخابية ومنعا منعا باتا التمويل الخاص والمشبوه. فيمكن أن نبدا بحفر قبر ديمقراطية لم تولد بعد.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire