banner

التحدّي الأخلاقي في العمل السياسي

هل من الواقعيّ اليوم رفع شعار « السياسة أخلاق أو لا تكون » والدفاع عنه بمناسبة ثورة تريد القطع مع الماضي؟ أليس من السذاجة تصوّر أنّـه بالامكان التحوّل من النقيض الى النقيض فيما يخص مكانة الأخلاق من الفعل السياسي بمناسبة ثورة لم تكتمل بعد؟ ما علاقة الأخلاق أصلا بالسياسة وهي منذ سقيفة بني ساعدة صراع تباح فيه كل الوسائل لبلوغ الهدف: الهيمنة والسلطة؟

ألمْ تكن الثورة التونسية بالأساس ثورة أخلاقية لأنها لفظت المنظومة اللا أخلاقيّة التي غرّبت التونسي عن طبيعته ومبادئه الرّاسخة. ألم تكن ثورة ضد السرقة والنهب اقتصاديّا، التعالي والاحتقار اجتماعيّا، الكذب المسترسل والاستهزاء بالحد الأدنى من الذكاء والفطنة اعلاميّا؟ ألم تكن ضد كل هذا.. وكل هذا هو زيغ على الثوابت الأخلاقيّة الدّنيا.
اطروحتنا وفرضيّتنا أنــّه لا يمكن للثورة التونسية النجاح أبدا ان لم تكن ثورة في الممارسة أي في تغليب قواعد الأخلاق او لنقل الآيطيقا التي تحكم الفعل السياسي.

الرشوة السياسية

هناك بديهيّات يدركها الحس الجمعي و يعبّر عنها بدون مواربة في فضاءات التعبير الحر. فتوزيع اللمجات ودفع الأموال لحضور الاجتماعات وتوزيع العطور كهدايا وتزويج ضعاف الحال وتمويل موائد الافطار وغيرها من الممارسات التي نشهدها و سوف نشهدها لا يمكن الا أن تدخل في خانة الرّشوة السياسيّة. لأنّ فعل الخير أمام عدسات الكاميرا و الاشهار له هو رياء والرّياء يذهب الحسنات حسب المنطق الدّيني ذاته. بذلك يصبح الفعل الخيريّ في ظاهره لاأخلاقيّا في محتواه لأنّ غايته ليس الخير ذاته وانّما الصورة التي تترتب عنه وتوظيفها أو استثمارها في جلب الأصوات والتعاطف مع هذا الحزب أو ذاك.

الغاية و الوسـيلة

هناك ما يعاقب عليه القانون وهناك ما تأباه الأخلاق وان لم يعاقب عليه القانون. فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون مقبولا أخلاقيّا. وليس كل ما هو أخلاقيّ ظاهرا بأخلاقيّ باطنا. فان كان هدف أي فعل سياسي حزبي هو الوصول الى السلطة أو المكوث فيها بحسب ما تقتضيه القوانين المنظمة فان التواءات الوصول لذلك الهدف قد تكون وعرة التقبـّل على العقل الأخلاقي. فان كانت السياسة لعبة وان كان الفوز يقتضي الخدعة فهل بقي مكان لمن يعتقد أنــه ينبغي أن تكون الأخلاق من ضمن قواعد اللعبة. في الدكتاتوريات التي بُـلينا بها جيلا بعد جيل منذ الفتنة الكبرى الى آخر المتمترسين وراء شرعيّة الدولة الوطنيّة الزائفة كانت السلطة تؤخذ غـيلة ًوتسلــّم حيلة ًَ وكان الماسك بها يُعطي لنفسه كل التبريرات القانونية والواقعيّة والقدسيّة. غاية الوصول الى الحكم والمكوث فيه كانت تبرّر كل وسائل القمع والحيلة. فالحق كان دائما بجانب السيف وصاحب الحل و العقد يجنـّد كلّ من يخضع لمنطق السيف ليسيغ له كل تبريرات فعله فتصبح الأخلاق بدورها في صف السيف. كان هذا ممكنا و يظل ممكنا في الدكتاتوريات. لكننا ونحن نلج باب التعدّد الحقيقي والديمقراطيّة في عصر غاب فيه المؤرّخون و برز فيه الموثقون والمدوّنون لم يعد بالامكان ن يبرر السياسيّ وسائله بغايته الا استبلاها للناس وهو في حد ذاته فعل لا أخلاقيّ.

الخيانة السياسية

الخيانة السياسيّة هنا هي خيانة المبادىء والقيم التي يروّجها الفاعل السياسي كاطار لعمله ثمّ يتخلــّى عنها وعن أتباعه ان تمسّكوا بها من أجل مصلحة، من أجل منصب أو من أجل فرصة ينتهزها. لا نتكلم هنا عن الخيانات الموصوفة التي يعاقب عليها القانون انــّما عن الخيانات المعنويّة التي نراها تتكرّر على ساحتنا السياسية وتضعف بذلك الثقة المترهــّلة أصلا لرجل الشارع بالسياسي. بالأمس كانت « لاعاش في تونس من خانها » – بيت القصيد في النشيد الوطنيّ- تردّد في قصر قرطاج بحضرة المخلوع فنفهم أنّ المنشدين/ المناشدين يقصدون بها من ينعتهم زعيم العصابة بالمستقويين بالغرب من باعو ضمائرهم و شوّهو صورة تونس بالخارج الخ الخ الخ .. أي معارضيه و مناوئيه … واليوم صار لها معنى و مذاق آخر فبمجرّد أن ينشد شباب الثورة صدرهذا البيت تحيلنا ذاكرتنا الى نفس اؤولائك المنشدين/ المناشدين في قصر قرطاج. فمن هو الخائن الحقيقي؟

الثـابت والمتحول

في السياسة كما في مجالات أخرى هناك الثابت و المتحوّل. فان لم تكن القيم الأخلاقيّة والمبادىء الأوّليّة هي الثابتة فما سيكون اذا ؟؟ وبحديثنا هنا عن القيم و المبادىء لا نقصد ما هو مُعلن وانّما ما هو ممارس على أرض الواقع. ليس بالامكان قيس وتكميم المبادىء و القيم لكن بمجرّد تحليل السلوكات يمكن استدراج القيم الحقيقيّة التي تحرّك الفعل. الانسان هو ما يفعل وليس ما يقول. ومايفعله الفاعل السياسي على الساحة العامّة ليس سرّا ومن السهل استنتاج الصدق والكذب، الاستقامة و الخداع، التضحية والرّياءْ. كثير من الفاعلين السياسيين تنقصهم ثقافة الاتصال فهم لا يدركون أن مصداقيّتهم ليست فيما يقولونه حرفيّا وان جعلو له أبواقا تصمّ الآذان وصورا تملؤِ كلّ المساحات الاشهاريّة. مصداقيّة القول هي نتيجة تماسك وتناسق الفعل عبر تراكمه، ليس الاّ

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire