banner

التحريم و التجريم في العلاقة بين الديني والمدني

يحتد النقاش هاته الأيام ونحن في مخاض كتابة أول دستور – نرجوه وفيا للوعود الديمقراطية لمن أوصلهم الشعب الى كراسي القرار السياسي- عن مصدر التشريع للقوانين التي ستنظم كامل الحياة. ويبدو الحسم صعبا بين الشريعة كمصادر تشريع أولية و أولوية وبين قانون مدني وضعي كالذي يحكم كل الديمقراطيات في العالم.

هذا المقال يندرج في محاولة توضيح للمعاني الكامنة في هذه الفرضية و تلك.

لقد تطورت الانسانية منذ رقيها من عالم الحيوانية الى عالم الانسانية مرورا بأزمنة النبوة الى انقطاع الوحي، رابط السماء بالأرض، وواصلت التطور بعده بنسق سريع. لكن العديد لم يستوعبوا الى اليوم معنى هذا الانقطاع وما ينبغي أن ينجر عنه. ولا استوعبو آليات التطور وكيف التعامل معها في ديناميكية تاريخية فيها الثابت و المتحول. انقطع الوحي لأننا كانسانية لم نعد في حاجة لتواصله. لقد وصل البلاغ والبيان – وهكذا يسمي القرآن نفسه – وما على اولي اللألباب الا تدبر أمورهم.

انتهت ظاهرة النبوة لأن الانسانية أتمت سيرورة تطورها بيولوجيا وذهنيا واجتماعيا مما يغنيها عن الاستعانة بمن في السماء لتقرير أمورها الأرضية. لقد أتم الله علينا نعمته و رضي لنا الاسلام دينا. لكنه ترك هذا الدين للذين يعقلون، أي أصحاب العقول المفكرة التي يمكنها مواصلة المشوار مما بلغته من نضج لتحكيم العقل في الوحي تدبرا و فهما لمقاصده وتحكيم العقل خارج اطار النص لأنه أهل بأن يقوم بمهمته في تنظيم الحياة في كل مجالاتها.

لننظم الأوراق بدل خلطها:

لمحاولة التحليل و الفصل بين المفاهيم سنعتمد على ثلاثة مستويات:

على مستوى أول : ينبغي أن نفرق بين الوحي الصريح و المدون (النص القرآني) وبين تراث التفكير الديني وهو تفكير بشري معتمد على نص مقدس لكن هذا الأخير لا يضفي قداسته على كل ما يحاوره ويحاكيه على مستوى لغته ومعناه (sacralisation par association). ينسى الكثير أن تجميع الأحاديث النبوية وهي النصوص المؤسسة للشريعة كـفهم نبوي للقرآن وقع بعد قرنين من نهاية الوحي. وقد وقع في ظروف سياسية هي تأسيس الدولة الأموية بعد الفتنة الكبرى مباشرة مع ماكانت تحتاجه هذة الدولة الجديدة من شرعية دينية وظفت لها الرجال والامكانيات.

على مستوى ثان: عندما نعود الى زمن الوحي (أي قبل الشريعة) يجب أن نفهم التفريق بين الحرام الذي استوجب عقوبة جزائية دنيوية والحرام الذي هو بين الانسان و خالقه (الوعيد بعقوبة سماوية) لادخل لانسان في النيابة فيها عن الالاه لتصريفها.

على مستوى ثالث: وجب التمييز بين التجريم المدني لأفعال ممنوعة قانونا وماينتج عنها من عقوبات تستهدف سلوكا مضرا وبين التحريم الديني الذي يمكن ان يتقابل مع التجريم القانوني (القتل، السرقة) كما يمكن أن يفترق عنه و يختلف اختلافا كبيرا (الكذب، الرياء، الحرية الدينية: الحاد/ايمان)

1- القرآن و الشريعة:

صريح القرآن لا يمكن أن يفهم خارج اطاره التاريخي. فالوحي نزل في مجتمع قائم الذات بقوانينه وممارساته وسعى لتغييرها وقد كان نجاحه نسبيا في ذلك. لم يتمكن الاسلام البدائي مثلا من التخلص من الرق والاستعباد و لامن تحريم صريح مشفوع بحدود للمارسات مثل وأد البنات أو الممارسة الجنسية داخل الملكية (الاماء وما ملكت اليمين) لكنه نفر منها في الحالة الأولى ونظمها وقننها في الحالة الثانية. وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.

ماهي الشريعة؟

الشريعة في مفهومها المتفق عليه تاريخيا محصول اجتهادات أئمة المسلمين الذين اختلفوا بفهمهم الى مذاهب و نحل لأنهم اعتمدوا التأويل والربط و البناء على نصوص مقدسة وأخرى اعتبروها مقدسة رغم الطعن في مصداقيتها مثل الأحاديث الضعيفة أو المنسوبة خطا لاقوال الرسول وسلوكاته أو تلك انتحلت من لا شيء.
لكن هناك من يريد التعسف على التاريخ ليقنعنا بأن الشريعة هي قوانين الاهية منزلة في الوحي وكأن القرآن مجلة قانونية، في حين أنه لو رجعنا لنص القرآن ذاته وتعريفه لماهيتة لما وجدنا لهذا المعنى من مؤشر واحد. فالقرآن بلاغ و بيان و هداية وليس كتابا مختصا بالعلوم ولا القوانين ولا التاريخ لأنها علوم قائمة بذاتها وهي علوم انسانية قابلة للخطأ والصواب ولتطوير نفسها عبر سيرورة تاريخية.

الشريعة اذن عمل بشري، اي اجتهاد فكري انساني مرتبط بزمانه ومكانه والظروف السياسية المحيطة به. ولأنه لا يمكن ايقاف الزمن و التاريخ ولا عجلة التطور العلمي والاجتماعي فيبقى لعلماء كل زمان فهمهم وتحليلهم المرتبط بأدواتهم المعرفية وبالاشكاليات التي سعوا الى حلها عبر اجتهادهم.

المعروف والمنكر مفاهيم نسبية:

يقول القرآن مخاطبا المسلمين : « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر »

فماهو المعروف و ماهو المنكر؟

لغويا نتفق أن المعروف هو ما تعارف الناس عليه من خير في زمن معين والمنكر ما أنكره الناس من شر في زمن معين. الخير و الشر هما قطب رحى كل منظومة أخلاقية.
ليست هناك قائمة محددة مسبقا يمكن أن نسميها قاعدة بيانات الخير والشر في كل الأزمنة و الأماكن. ذلك لم يحصل بتاتا في أي ثقافة و أي دين بما فيهم الاسلام. ان اقرار النسبية الزمكانية لهذين المفهومين المجردين هو مفتاح الحل من أجل فهم الدين بطريقة تجعله فعلا صالح لكل الأزمنة والأمكنة بدون تعسف على التاريخ و التطور الآنساني في محاولة عبثية لتطابق الواقع مع الفقه وهو أمر مستحيل ذهنيا.

المعروف و المنكر يتطور عبر الزمان وعبر المكان فيمكن لمنكر الأمس أن يصبح معروف اليوم .. كما يمكن لمعروف اليوم أن يصبح منكر الغد.

المثال الأول: كان زواج البنت في سن الطفولة أمرا معروفا و متعارفا عليه في زمن الرسالة (قصة النبي محمد مع زوجته عائشة) لكن اليوم كل المواثيق الدولية تمنع وتجرم كل و أي علاقة جنسية مع قاصر دون الثمانية عشرة سنة. فماذا حصل منذ اربعة عشر قرنا الى اليوم؟ (مع أن هذه الممارسة مازالت قائمة الذات في دول متخلفة مثل اليمن والهند وافغانستان). تغير معروف الأزمنة القديمة الى أكبر منكرات العهود الحديثة. انه تطور المنظومة القيمية والأخلاقية البشرية فماهو اخلاقي في زمن قد يصبح قمة اللاأخلاقية في زمن آخر

المثال الثاني: تزويج الآباء لبناتهم و أبنائهم دون موافقتهم مهما كان سنهم والتقرير لمستقبل حياتهم الزوجية دون حتى استشارتهم. كان هذا الامر معروفا وطبيعيا ومقبولا حتى ان من يعترض عليه من الأبناء يعد عاقا وهو من أكبر الآثام. كان ذلك في زمن تمارس فيه الأبوة بنفس مستوى الربوبية. بمقاس وأخلاق اليوم هذا العمل – المعروف سابقا – هو أكبر المنكرات لأن فيه هتكا لارادة الفرد وهو مرادف للاستعباد اي تقرير مصير الآخرين عوضا عنهم. مثال ثان اذن لمعروف تحول منكرا بفعل التاريخ و قانون تطور سلم القيم و الأخلاق الانسانية.

المثال الثالث: منع الاسلام التبني في زمن نزول الوحي (كما أباح تعدد الزوجات) في استراتيجية واضحة لتنظيم العلاقات الجنسية و الأسرية وكان هاجسه عدم اختلاط الأنساب الذي كان منتشرا في الجاهلية. لكن على سلم القيم الكونية اليوم التبني هو من أرقى المعاملات الانسانية. فبمنح هوية مدنية تمنع عنهم غبن التمييز ضدهم (أبناء الزنا مقابل أبناء الحلال) لذنب لاناقة لهم فيه ولا جمل نكون قد منحناهم كرامة انسانية لن يجدوها في مجتمعات تهوي التمييز الجندري والاثني والديني.
فماذا حصل بين ذاك الزمان و هذا؟ نفهم أن مقاصد الاسلام الأولى كانت تغيير هيكلة المجتمع من فوضى جنسية عارمة الى مجتمع منتظم حول مفهوم العائلة التي لا تختلط فيها الانساب. اليوم مع تقدم المجتمع في هيكلته و تقنياته (فحص الحامض النووي لتثبيت النسب مثلا) اختلاط الأنساب لم يعد مشكلة عويصة الحل. ثم ان نفسية الطفل ان خضعت للتمييز من حيث النسب فانه سيكون بمثابة تحطيم ممنهج للطفولة على صعيد الصحة النفسية و العقلية. ليس هناك أي مجتمع متمدن اليوم يقبل أن يكون فيه مواطنون من درجة أولى و مواطنون من درجة ثانية و ثالثة. المساواة هي القيمة التي خلصت اليها البشرية كأعظم مكسب للمدنية الحديثة. واذا كانت مسألة الارث هي عكاز أهل الشريعة فان صريح القرآن لم يحرم الوصية. ثم ان قاعدة عدم تجاوز الثلث في الوصية هي اجتهاد فقهي لا اصل له في النص القرآني. فهاهو منكر الأمس يصبح معروف اليوم. يكفي ان نعيش داخل التاريخ لاخارجه. والشرط الوحيد لولوج التاريخ هو المساهمة في صنعه.

2- حرام العقوبة الأرضية وحرام العقوبة السماوية

من داخل النص القرآني نفسه هناك محرمات اذا اقترفها المؤمن وجب معاقبته جزائيا عليها ومحرمات أخرى – وهي الأكثر تعدادا- تبقى بين العبد و ربه و لا علاقة للمجتمع او الحكم بها.
فالقتل حرام و يعاقب عليه بالقصاص والسرقة حرام وجرم يعاقب عليه وكذلك الزنا اذا تم اثباته بشروط صارمة.
لكن في نفس الوقت ليست هناك اية عقوبة للمحرمات الصريحة التالية: شرب الخمر، الربا، النميمة، الكذب، الاستمناء (الذي يجعله فقهاء الشريعة من الكبائر في نفس مرتبة الشرك و الزنا بدون دليل بين)
كيف نفهم ذلك؟ هناك محرمات أولى يمكن أن ننعتها بالجنائية حسب المنطق القانوني المعاصر لأن لها اضرار بالمجتمع و بالآخر… وثانية ليست لها اضرار الا على الفرد ولاتتعداه للمجتمع وثالثة لها انعكاسات سلبية على المجمتع لكن اثباتها صعب أو يكاد ان يكون مستحيلا. فقط الصنف الأول صدرت فيه عقوبات هي الحدود وهي الأحكام التي كانت تناسب ذلك الزمان ولم تكن بدعة بالنسبة لما كان يجري به العمل (الجلد، الرجم، الخ) لكنها بمقياس قيمنا الكونية اليوم لم تعد مقبولة البتة. اما الصنف الثاني فهو متروك للفرد لينتهي عنه كمحرم في علاقته بخالقه.

هناك فسحة للانسان العاقل المقرر أن يضع قوانينا بدون الحاجة للرجوع للفقه وللشريعة. فالقوانين الحديثة لا تعاقب على الكذب مثلا الا في حالة السعي لتضليل العدالة بالادلاء بتصريح كاذب.

3- القانون المدني والتحريم الديني

الدولة المدنية تحتكم الى قوانين وضعية. والقوانين الوضعية تحتكم للمصلحة العامة وتتناسق مع التطور القيمي للشعوب التي تفوض ممثلين لها في الهيئات التشريعية لوضع القوانين التي تحكم الحياة العامة. بطبيعة الحال غلاة الدين من سلفيين وغيرهم يعتبرون أن القانون الوضعي هو تحدي للقانون الديني السماوي الذي يعرف مصلحة الأشخاص أكثر منهم والذي يشرع للدنيا بنظرة سماوية ان صح التعبير.
لكن في دولة مسلمة كتونس ينص البند الأول من دستورها على ذلك، وقد استبطن فيها المواطنون دينهم قيما وسلوكات عملية ما الخطر في منح نواب الشعب كامل الثقة في وضع قوانين تستجيب للواقع في كامل التناسق مع فهمهم ووعيهم بدينهم و بمعروف و منكر زمانهم؟ لماذا الاعتقاد المرضي بأن من يريد تحييد الدين من العمل السياسي هو ضد الدين في حد ذاته؟ لماذا لا يقرؤون ماذا حصل للمسلمين بعد موت الرسول من فتنة تقاتل فيها حتى الصحابة المبشرون بالجنة فقتلوا و قتلوا؟ من أجل ماذا؟ السياسة و أولوية الحكم وتقسيم الفيىء

التجريم لا يعني التحريم: لا حاجة لنا لمرتكز ديني دائما لاصدار قوانين تنظم الحياة العامة. فهل تحتاج قانون الجباية الذي يجرم التهرب من دفع الضرائب أو قانون المرور الذي يجرم عدم احترام اشارات المرور و تجاوز السرعة الى فتوى فقهية. الى اجتهاد و قياس حتى نجد له أصلا من الدين؟؟
فهل يمكن تصور هذا المشهد السريالي لسائق متهور لايحترم قوانين السير وعندما يوقفه الشرطي من أجل مخالفة يبرر تصرفه بعدم وجود نص آية أو حديث يحرم ذلك…

التحريم لا يعني التجريم: بين المسلم و ربه ميثاق اسمه الايمان. وليس من دور الدولة ان تضع كاميرات في قفل كل باب لتطمئن بأن مواطنيها لا يمارسون معصية تدخلهم جهنم. هذا شان شخصي مهما كبرت محرماته والحرية الفردية قيمة مقدسة. هذا هو معروف الزمن الحديث.

ان الدعوة اليوم لرفض ما يسمى الشريعة كمصدر اساسي للقوانين في دولة مدنية يمكن تلخيصها في الآتي:
– الشريعة عمل انساني نسبي و ليس عملا مقدسا
– أهل عصرنا أولى لتحديد المنكر و المعروف الخاص بعصرنا
– الشريعة مصدر خلاف واختلاف أكثر منها مصدر توافق عبر تاريخ الاسلام المديد
– الشريعة مصدر تأويلات يعطل صياغة القوانين و يحجم نسق تطور المجتمع
– ليس هناك شريعة موحدة بل مدارس شرعية تكذب بعضها بعضا وتكفر بعضها بعضا
– لاخوف على شعب مسلم لأن بوصلته كامنة فيه وبالتالي ما الفائدة من تعريف الماء بالماء
– لم تكن الشريعة أبدا مطلبا شعبيا في أي فترة من فترات تاريخنا المعاصر ولا مطلبا من مطالب الثورة التونسية ومن يدعي ذلك فليأتنا بشعار ثوري واحد مطالب بالشريعة ابان الثورة.

FacebookTwitterGoogle+

1 Comment

  1. by Adam Salhi on octobre 3, 2015  9:40

    نصّ جيّد...شكرا

Laisser un commentaire