banner

الثورة الثــقـافـيّة

لقد تواردت بعد الثورة التونسية مقولة أن هذه الثورة لن تنجح ان لم تواكبها ثورة ثـقافيّة حقيقيّة ترسّخ المبادىء التي قامت من أجلها الثورة في الوعي الجماعي. ورغم ان لي احتراز على شكل التسمية التي تحيلنا الى التجارب الأليمة للماويّة في الصين و في كمبوديا اللتان أزهقتا الملايين من أرواح البشر تحت هذا المسمّى الآ أنه لا بد من توضيح الرؤية : انّ هذه المقولة صائبة.

انّ نفس السلوكات والأنماط الذهنيّة قادرة على اعادة انتاج الهيكلة الاستبداديّة بالرغم من محاولات تفكيك مؤسسات الدكتاتوريّة. « مافيش حاكم الاّ من خيال محكوم » كما يقول تميم البرغوثي في قصيدته عن الثورة المصرية. فما لم تتغيّر علاقة الحاكم بالمحكوم و ما لم تتغيّر علاقة المحكومين في ما بينهم و في علاقتهم بممارسة السلطة لن تـتغيّر الا ّ أشكال الاستبداد ومسمّياتها دون تغيير الجوهر.

وقد سبق وأن عرّفنا في كتابات سابقة أن مفهوم الثقافة الذي نحن بصدد تناوله يتمثل في تعريف هنري لآبوريت للثقافة على أساس أنّها: » مجموع الأفكار المسبقة على الذات وعلى الغير التي نستبطنها من خلال التدريب الذي تفرضه علينا الثقافة الاجتماعيّة التي ننضوي تحتها. وليس هناك من غاية لهذه الثقافة الاجتماعية الا الحفاظ على كيانها ».

ممارسة السلطة:

أوّل مجال ينبغي أن تقتحمه الثورة الثقافية هي ممارسة السلطة. ان العلاقة الهرمية بين الحاكم و المحكوم مبنيّة على خوف العقاب وطمع الجزاء وعلى الاحتقار و الاحتقار المُضاد. و هذه العلاقة لا يمكن أن تولّد احتراما ولا ابداعا. والابداع في التنظيم الاجتماعي هو ما يُبقي على حيويّة المجتمعات وتطوّرها. فالدكتاتورية تنعدم فيها سبل التنظيم لأن الحاكم بأمره لا يقبل أن يفلت أيّ تنظيم من سيطرته. لقد غيّرت الثورة جهة الخوف من المحكوم للحاكم. وتحاول القوى المضادّة للثورة العودة لمعادلة الخوف الأولى. في حين أن نظرة خاطفة للديمقراطيات الغربية تدلنا أن المواطن ليس له أن يخاف من الحاكم أبدا لأن كل حقوقه محفوظة في حين أن الحاكم يخاف من عقاب المواطنين له و يطمع في جزاءهم عن طريق صناديق الاقتراع فحسب.

الاقتصاد والأعمال:

ثقافة البزنس في تونس مرتبطة بباقي المجال السياسي والاجتماعي. نفس طبيعة العلاقة السلطويّة. الهدف الوحيد للرساميل هو التكاثر مهما كانت الأساليب .والعلاقة الاحتقاريّة قائمة على أساس تكديس الثروة. عندما تهب رياح الثورة الثقافية في هذا المجال سيصبح العامل وصاحب راس المال وجميع الكوادر العليا والوسطى يخضعون لنفس المنطق:المصلحة المشتركة لتنمية المؤسسة. بقدر ما يوفّر المُشـغـّـل الظروف المحترمة لعمالته بقدر مايتحسّن المردود. وبقدر ما يتحسن المردود بقدر ما يزدهر الرساميل. احترام المستهلك في اقتصاد صحـّي فيه المنافسة وتعادل الفرص هو فرضٌ على كل مؤسسة اتباعه والاّ لا مجال لها في السوق.

العلاقات الاجتماعيّة:

لقد خرّبت الدكتاتورية سلـّم القيم ليس فقط لأن العامّة على دين ملوكها كما يقول ابن خلدون بل لأن ازدهار الورم السرطاني المافيوزي كان من خلال التشجيع على ثقافة الاستهلاك و التداين. فلم يكن ممكنا لهذا الورم أن ينتشر الا من خلال مساهمة كل مواطن في الدورة الاستهلاكية التي تفضي حتما لملأ جيوب الناهبين. لقد بيّن ماركس العلاقة الجدلية بين االقيم العليا ونموذج الاقتصاد كما بين « اميل دوركايم » علاقة تطوّر الفردية بالتفكك العضوي للمجتمع كتفسير لظاهرة الاكتئاب والانتحار. لا يمكن الفصل اذن بين النمط الاقتصادي وطبيعة العلاقات الاجتماعـيّة. لكن الفجوة الحاصلة في المنظومة القيمية الجديدة هي أننا أخذنا الكثير من سلبيات المجتمع الاستهلاكي دون أن نرقى الى أن نكون مُجتمعا مُنتجا. والثورة الثقافية في هذا المجال هي تغليب قيمة المجتمع دون استنقاص قيمة الفرد والتحوّل من ثقافة اجتماعيّة عصبيّة الى فردانية واعية. ويتمثل هذا الوعي في استبطان المجتمع كقيمة عُـليا و كبيئة لا يمكن للفرد الا أن يسعى للحفاظ عليها كي يُحافظ على وجوده فيها.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire