banner

العقيدة والمواطنة في وجوب التنصيص على الحرية الدينية كمبدا أساسي مكفول دستوريا

من البديهي أن يكون دستور الثورة كافلا لجميع الحقوق المدنية. الحقوق التي استشهد من أجلها أشجع شبابنا كاتبين بدمائهم صفحة ناصعة في تاريخ البلاد .. بل و في تاريخ الانسانية. فأول الحريات التي ينبغي أن يكفلها الدستور المدني الجديد للبلاد التونسية هي حرية المعتقد أو حرية الضمير.
ولقد ارتأينا توضيح أبعاد هاته الحرية في دولة مدنية ديمقراطية في خضم الصراع الخطابي المحتدم بين الاتجاهات الدينية والاتجاهات المدنية خصوصا وأن بعض الممارسات والتصريحات تنبؤ بجهل كبير لمفهوم الحرية.

سنحاول من خلال هذه الورقة التعرض الى المبادىء الأساسية التي تقوم عليها هاته الحرية:

1- حرية الاعتقاد :

قبل الانتقال الى المستوى المدني من التحليل ينبغي أن نذكر، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، بأن حرية الايمان والكفر مكفولة دينيا من خلال النص القرآني :  » فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر » النص صريح وواضح ولا يحتاج الى تأويل. فأول مستوى للحرية الدينية هي حرية الاعتقاد والايمان كما حرية الكفر والالحاد وهو أمر بديهي. « وهديناه النجدين » كما يؤكد النص القرآني. اما على الصعيد المدني فمفهوم المواطنة مقترن أساسا بتساوي حقوق وواجبات الأفراد تجاه المجتمع بقطع النظر عن العقيدة التي لا يعلم صدقها الا الله. لذلك لا ينبغي أن يوجد أي قانون يميزبين المواطنين بمقتضى معتقداتهم المكفولة في النصوص الدينية العلوية (متن القرآن) كما في التشاريع الوضعية.
وبدسترة هذه الحرية نضمن تلافي اشكالات ترجعنا الى عهود قديمة كانت فيه الفتوى – وهي رأي شخصي -تصنع القوانين وترضخ الافراد لارادة التأويل حتى وان تعسفت على النص. فتكفينا مهازل حديثة مثل الحكم بتطليق المفكر الاسلامي نصر حامد أبوزيد من زوجته بدعوى خروجه عن الملة و كفره واضطراره للهجرة.

2- حرية الارتداد:

من البديهي أنه كما أن للفرد حرية الدخول في الدين فله حرية الخروج منه. انها من أبجديات الحرية فهي ليست طريقا ذو اتجاه واحد ولا يمكن أن تكون. والاسلام هو أكثر الديانات استقطابا على مستوى الديمغرافي عالميا. فلازال الناس يدخلون في دين الله أفواجا في كل القارات لأنه دين العقل والفطرة. لكن هناك أيضا من يخرجون منه نحو ديانات اخرى عبر التبشير او نحو الالحاد و اللآأدرية. فبأي منطق نهلل ونكبر للداخلين فيه ونصف الخارجين عنه باقذع الألقاب مع ان ميزان التبادل العام هو في صالح هذا الدين احصائيا .
ان أولى درجات الدكتاتورية الدينية هي فرض العقيدة والارغام على البقاء عليها لمن ولدو في رحابها كثقافة سوسيولوجية محيطة. ولا أدري لماذا يقر الاستاذ راشد الغنوشي بهذا الحق البديهي بصوت خافت ومحتشم في آخر تصريحاته. ان المفكر الشجاع لا يخشى الجهر بما آلت اليه بحوثة وماوصل اليه تفكيره كما لا يخشى في الحق لومة لائم خصوصا اذا كان اللائمون من المعتصمين بحبل الجهل والاتباع الأعمى لنصوص بشرية تعارض وتناقض صريح النص القرآني. لقد أثبت الأستاذ الطالبي في بحوثة من زمن بعيد أنه ليس في القرآن نص واحد يحرم الردة.
بطبيعة الحال فان المخيال العام متعلق بحرب الردة التي أعلنها ابو بكر بعد وفاة الرسول – يعني لم ينزل فيها اي وحي- وقد كانت تلك الحرب فعلا سياسيا مشروعا لحماية الكيان الاسلامي الهش آنذاك خصوصا وان القرآن لم يجمع بعد وكانت نصوصه مبعثرة بين الحفظة من الصحابة. لقد كانت حرب الردة دفاعا عن الدولة المدنية الاسلامية وهي في بداياتها وقد كانت لها مبررات جبائية اذ امتنع المرتدون عن خلاص جبايتهم بموت الرسول كما كثر أدعياء النبوة مما كان سيفسد على المسلمين أمر دينهم بفتنتهم عن صحيح النص القرآني.

3- حرية الاختلاف داخل نفس المنظومة العقدية:

الاسلام دين قويم وهو خير ما تنزل على البشرية كخلاصة التجربة الانسانية في علاقتها بالمطلق عبر ظاهرة الوحي. هذا هو الاسلام كما تعلمناه و أحببناه وغرنا عليه من المشككين فيه ومن المشوهين له وهم الأشد خطرا عليه. لكن مسلم اليوم المولود في عصر النانولوجي وتقنيات الاتصال الحديثة وتراكم المعرفة في جميع المجالات لم يعد ملزما باختلافات عقائدية واختيارات مذهبية وقعت قبل مجيئه للعالم بعشرات القرون.
فعقيدة الاسلام رحبة وتراكم الاجتهادات من مذاهب ونحل ومدارس فقهية يجب اعتباره من قبيل الثراء التراثي الذي يجب أن نتعامل معه من خلال نظرة موضوعية ونقدية مجردة كمبحث من المباحث العلمية لمن أراد الاختصاص فيها ولا تلزم نتائجها السلوك اليومي المستبطن بطبعه لقيم الاسلام دونما الرجوع الى شيخ أو فقيه.
امّا من يصفون أنفسهم بالقوم الناجين –لأنه هكذا تراىء لهم – فيكفرون و يزندقون و يفسقون ويهرطقون كل من اختلف عنهم من داخل نفس المنظومة …فهم من ضيق الأفق وفقر المعرفة مالايسمح لهم حتى بالدخول في حوار لأن الحوار يقتضي القبول بالآخر واحترامه. فتراهم قد انخرطوا في منظومة الفكر التكفيري الآحادي عن طريق اصدار الفتاوى السريعة (Fatwa express) والمخجلة من باب : ارضاع الكبير والاستفخاذ وعدم الابحار على النات بدون محرم الى غير ذلك من المضحكات المبكيات.
ان مشكلة التعصب والتطرف المذهبي التي تسمم كل مستويات العيش الجماعي على صعيد فكري و على صعيد سلوكي هي معظلة معظلات التحول الديمقراطي لأنها تشوش على مسيرة شعب دفع ضريبة الدم من أجل الحرية والكرامة وتستنزف طاقات النخب في جدل بيزنطي عقيم. ولا سبيل لمقاومة هذا الهدر للوقت والطاقة الا بالمضي قدما في تحقيق أهداف الثورة وعدم الزيغ عنها عبر المزايدات. فكما أن للبيت رب يحميه فللثورة شعب يحميها.

4- تجريم التكفير كضامن لهاته الحرية الأساسية:

ليس هناك فرد أو مجموعة أو هيأة مؤهلة دينا أو قانونا لتوزيع صكوك الكفر والايمان بين المواطنين. والقيام بذلك جريمة مدنية ينبغي أن يكون القانون صارما في العقاب عليها من أجل الحفاظ على السلم المدنية. ان الحرية و الدين أمران مقدسان وكذلك الحق في الحياة والكرامة. ان الذين يكفرون يمنة و يسرة وكأن لهم توكيلا حصريا من الله هم في معجم القانون المدني مجرمون لأنهم يعرضون من يختلف عنهم للتمييز على اساس ديني وهو ما تحرمه الشرائع الدنيوية وأعلاها الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
حريتك تقف عندما تبدأ حرية غيرك.. وغيرك خيره الله بين الايمان و الكفر بصريح الآية. الايمان والكفر شأن بين العبد وخالقه ولادخل لوسطاء في ذلك. ان الذين يعرضون أعراض الناس بل حياتهم للخطر باصدار الأحكام التكفيرية وكأنهم ضمنوا مكانهم في الجنة ولم يبق من همومهم ومشاغلهم سوى اختيار الشق االمقابل أي من سيكونون في جهنم…مذنبون على الصعيد الديني لأنهم يعوضون الله في حكمه ومجرمون مدنيا لأنهم يعرضون سمعة وحياة مواطنيهم للخطر.
فلا سبيل في دولة مدنية أن يكون رأي شخص مهما ادعى من المعرفة شرعة و قانونا. فالشعب في الديمقراطيات التي تحترم نفسها هو مصدر كل تشريع. نقطة .. الى السطر.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire