banner

بورقيبة: ما لــــه وماعليه

من الصعب الحديث عن الزعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة بدون اثارة عواطف ومواقف متضاربة. ها قد مرّ يوم 3 أوت، ذكرى ميلاد الزعيم التي كانت على مدى عشرات السنين ثمثل أطول اجازة صيفية يفرح لها الكبار والصغار لما تمنحه من راحة صيفيّة. ونحن اليوم 13 أوت نحتفل بعيد المرأة التونسية. وقد يعلم القليل من الجيل الجديد مدى تعلق بورقيبة بوالدته وأن كل اصلاحاته في هذا المجال لها علاقة بتاريخه الشخصي بقدر مالها علاقة بتكوينه الفكري.أمّا أبناء جيلي، جيل ماقبل « اصلاح » التعليم فيتذكّرون أنه كانت من مقرّرات مادة القراءة وشرح النصوص بالتعليم الثانوي نصوص من تأليف بورقيبة ذاته ومنها نص يروي فيها حادثة وفاة والدته وكيف تم اعلامه بها عند اخراجه من قسم الدراسة بالمعهد الصادقي ليحضر جنازتها.
العواطف المتضاربة تتأتّى من كون هذا الرجل الاستثنائي قد جسّد بالنسبة لشعبه ولازال عقدة الأب التي لم يمكن تجاوزها « بقتله » رمزيا للمرور لمرحلة النضج والانعتاق من احساس الحاجة للمرشد والموجّه والرّاعي ..الخ. فكأنّ بورقيبة بمَوْتـَـيْهِ، السياسي سنة 87 والبيولوجي سنة 2000، قد خلّف شعبا من اليتامى الذين استحال عليهم بعده التماهي أو التعويض بأي شخصية أخرى رمزيّة أو ماديّة.
أمّا المواقف المتضاربة فتتأتّى من التباين الكبير في وجهات النظر بين مواليه ومعارضيه. فامّا حبّ حدّ التأليه أو بُغض حدّ التكفير الدّيني والايديولوجي. فهل بالامكان تقييم تجربة بورقيبة كفاعل سياسي أثـّر في حقبة هامّة من تاريخ تونس امتدّت ما يناهزالنصف قرن.

ما لـــــهُ؟

  1. لايُمكن لعاقـليْن (أو ثلاثة) أن يُنكرا فضل المواقف والسياسات البورقيبية على صعيد تحرير المرأة كسبيل لتحرير الانسان التونسي من حقب متتالية من الثقافة الميزوجينية المتغلغلة في المخيال الجماعي كما في السلوكات اليوميّة. فالطفرة القانونية التي أحدثـتها مجلة الأحوال الشخصيّة تـُحسب له لا كمجرد قوانين لم تدركها أي من الدول العربية منذ ذلك التاريخ وانما كتغيير اجتماعي وثقافي عميق كان لا بد منه للولوج في عالم الحداثة المهم في سلـّم قيم بورقيبة الشخصية. لقد كان سابقا لعصره بنظرته الحداثية الثاقبة في مسألة المساواة بين الجنسين.

  2. بالرغم من أن الزعيم جعل كل فلك الحكومة و الادارة يدور حول شخصه فلا يمكن انكار القيم الثابتة التي اعتمدها من حيث احترام المؤسسات ولعل أهم هاتة المؤسسات الى جانب تعميم التعليم وهيكلة منظومة صحيّة محترمة هي مساواة الفرص بين الجميع والاعتماد على نزاهة المؤسسات. وكانت ثمرة هذا الانجاز ظهور طبقة متعلـّمة منحدرة من جميع الأوساط الاقتصادية والافاق الاجتماعية. بورقيبة كان يفضل أن يحكم شعبا متعلـّما وذكيّا على عكس جيرانه في المغرب العربي.

  3. على صعيد شخصي لا يمكن نسيان ما كان يتمتـّع به الرجل من ذكاء وحنكة وحضور ذهني مرفوق بروح الدعابة والسخرية. ويُحكى للطرفة كيف أنّ أحد مذيعي نشرة أخبار الثامنة كان في غاية الارتباك اذ وافق أول ظهوره على الشاشة تغطية عودة الزعيم من احدى الرحلات العلاجية بسويسرا، وبما أن مثل هاته التغطيات تخضع لأسلوب اللغة الخشبية المتداولة استأنس مديروه اعطاءه البث في أول ظهور له. فكانت تغطيته كالآتي: »عند نزول السيد الرئيس من مدرج الطائرة استعرض ثلة من الجيوش الثلاثة أدت له التحية وكان في استقباله السادة الوزراء وأعضاء الديوان الرئاسي وقد قام السيد الرئيس بمصافحتهم قـِـرْدًا … قـِـرْدًا » هكذا نطقها المذيع الجديد من شدة ارتباكه بدلا عن  » فـَـرْدًا… فـَـرْدًا » ومرّت نشرة الثامنة على هذا الشكل دون أن يقع التفطن لزلة اللسان. فماكان من بورقيبة الا أن أخذ الهاتف وطلب مكالمة المذيع الذي يراه لأول مرة وقال له بالحرف الواحد تقريبا: « يا ولدي أنت قلت الحقيقة…لكن ليست كل الحقائق ينبغي أن تُقال »

.مــا عـلـيه؟

  1. الحداثة والديمقراطية: لقد نهل بورقيبة في عشرينيات القرن الماضي كل قيم الحداثة و العقلانية في العلوم كما في التنظيم و الممارسة السياسية. الأمر الوحيد الذي لم يستسغه و لم يستوعبه من مجمل هذه القيم الحضارية هي الديمقراطية. لم يكن بورقيبة ديمقراطيا أبدا لا في النظرية و لا في التطبيق. لكن كانت له نزاهة الاعتراف بذلك، ليس بصريح العبارة فلم نستمع أبدا الى خطاب يعلن فيه أنه ليس ديمقراطيا أو ضد هذه المنظومة القيميّة، لكن على صعيد السلوكات والسياسات كان الأمر واضحا وجليّا. نعم كان حداثـيّا لكنه لم يكن ديمقراطيا البتة.

  2. التناقض القاتل: بورقيبة الذي حارب القبليّة والعروشية رسـّخ في سلوكه ونظام حكمه الجهويّة. والكل يعرف كيف تحوّلت خلال حكمه قرية المنستير الى مدينة كان يفكــّر حتـّى في جعلها عاصمة سياسية. لكنه لم يجرأ. والكل يعرف كذلك أن من الشروط الأولى لتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب العليا في الادارة كان القرب الجغرافي للمترشحين من مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم. حتى أنه في آخر أيامه في الحكم، عندما قـُدّم له في العشية وزير وافق على تعيينه في نفس صباح اليوم كان أول سؤال سأله اياه: » منين انتي؟ أي من أي بلدة أنت؟ فأجاب الوزير: « من المكنين » أو « المسعدين » أو شيىء من هذا القبيل. فكان رد بورقيبة : »لم أعرف من هذه القرية رجالا…أعانوني زمن الاستعمار » وكان بذلك الوزير الأقصر عمرا في منصبه اذ لم يتجاوز الــ24 ساعة.

  3. تضخم الأنا المرضي: كان بورقيبة مثـقـفا وذكـيّا، هذا لا ينكره أحد. لكنه كان ينظر الى نفسه نظرة العبقري الذي لم يجُد الزمان بمثله. وكانت كلمة « متاعي » التونسيّة تتوارد في كل خطابته: الدولة متاعي… الشعب متاعي…الحكومة متاعي…القصر متاعي..الخ. كان كل شيىء وأي شيىء في تونس يدور حول أناه المتضخمة. فكان من الصعب اذن على هذا الأنا أن يترجـّل عن فلك السلطة والسلطان ويتخلّى طوعا عن الحكم لأنها بذلك تفقد معناها وتوازنها كمركز كل شيىء. حتـّى أنه للطرفة عندما سأله صحفي أجنبي: « لماذا لا تحذو حذو ليبول سيدار سانغور وتتخلى عن الرئاسة للجيل الجديد؟ » كان ردّه لاذعا وذي مسحة عنصرية: « تريدني أن أفعل مثل ذلك الزنجي الأحمق؟ » ينتهج الصحفي قصي صالح درويش في كتابه « يحدث في تونس » منهج التحليل النفسي الفرويدي ليبيّن لنا كيف أن بورقيبة كان يعاني من عقدة الخصاء. قد يكون هذا صحيحا نظرا لخاصيّات فيزيولوجية أطلع عليها بورقيبة نفسه القاصي والدّاني. الأكيد أن بورقيبة مارس سياسة الاخصاء والاقصاء خصوصا مع زملائه من زعامات الحركة الوطنية. فقد كانو كلهم عديمي الشجاعة والرؤية الثاقبة وقليلي الاسهام في تحرير الوطن. الأكيد أن تاريخ الحركة الوطنية في حاجة الى اعادة كتابة أكثر موضوعية لتنقيته من هذا الأنا المتعالي الذي احتل كل الفضاءات الفارغة.

ولعلّنا اليوم أمام هذه الشخصية الثرية بتناقضاتها قد ورثنا مالها وماعليه في آن.

مونتريال12 أوت 2009
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire