banner

ثـنائيات الخـطيئــة

ان الصراع الاستقطابي القائم على تقسيم النخبة الى اسلاميين مقابل علمانيين ومسلمين مقابل كفار وحداثيين مقابل رجعيين الخ يمكن أن ينزلق بالفئتين المتقابلتين لتصبحا فئتين متقاتـلتين. اذ أن الحروب، كل الحروب، تبدأ بتصعيد كلامي يتبعه تشنج خارج كل اطار عقلاني يفضي لتشابك بالأيدي أو بالسلاح. ان الهويات القاتلة، كما عرفها أمين معلوف، تنتهي، ان لم يقع احتواءها بالحوار واحترام الاختلاف والتعايش معه، الى حروب أهلية والى تصفيات جسدية تحت تأثير المخدر الهوياتي وهذا الذي ما نسعى لاجتنابه.

ان الاستقطاب الثنائي الحاصل بعد الثورة التونسية هو استنساخ رديء لما حصل أثناء بداية حكم المخلوع والتي وصلت ذروته في انتخابات 1989 المجهضة. وان مسؤولية هذا الاستقطاب ترجع للطرفين مع أسبقية لبقايا النظام البائد مدعومين من طرف بعض رموز اليسار المتطرف الذين يريدون الحصول على نفس نتائج 1989 أي استئصال الاسلاميين بالعنف وهو أمر لم يعد ممكنا. فلا سبيل الا للتعايش والحوار في كنف الاختلاف والاحتكام للصندوق لفض النزاعات.

وسنحاول من خلال هذا المقال رفع بعض اللبس عن بعض هذه الثنائيات المقيتة التي أصبحت رائجة في لهجة تصعيدية أقرب منها للسباب من أخذ موقف على الخريطة السياسية و الفكرية. وللأسف بعض الحمقى أو بسيطو الفهم، ان لم يكونوا عديميه، يؤججون الصراع و يشحنونه بالموجات السلبية وهم من كلا الطرفين حتى نكاد نصرف المثل الشعبي التونسي في المثنى فنقول « زوز مهابل وزغرطولهم في وذنيهم »

1- التخلص من البارانويا المتبادلة « الحداثة في خطر » مقابل « الاسلام في خطر » :

لقد بنت الدكتاتورية البورقيبة ثم البنعلية منظومة ارهابها الفكري وقمعها السياسي على ديكتات « الحداثة في خطر » وأن من يتهددها هو الفكر المحافظ (المحافظة التقليدية الزيتونية في بداية الاستقلال ثم الظاهرة الاسلامية بعد الثورة الايرانية بداية الثمانينات). وقد استغل منظرو العهد البائد هذا الديكتات كأصل تجاري لتثبيت منظومته القمعية وكان يستمد منها شرعيته داخليا وخارجيا وقد هرع اليه وهرول نحوه نخبة ممن فضلوا دعم دكتاتورية باسم الحداثة على السقوط في دكتاتورية تحت مسمى الدين. وهم ديمقراطيون نعتا وصفة أو هكذا روجوا ولا زالو لأنفسهم.

ان هذا التخويف على الحداثة من القوى المحافظة كون البارانويا التي دفعت ببورقيبة للاستنجاد ببن علي في آخر سنواته. وبن علي كرجل مخابرالت أساسا كان يغذي هذه البارانويا عند بورقيبة للاقتراب منه و نيل الثقة والحضوة كما يذكر د. عمر الشاذلي الطبيب الخاص والوزير المقرب من شخص بورقيبة.
واليوم وقد انقشعت سحابة التخويف المفتعل على الحداثة (وهذا لايعني أن القيم والمكتسبات الحداثية ليست في خطر) يبدو أن طبيعة السياسة في تونس تكره الفراغ فعوضت بارانويا الحداثة ببارانويا الاسلام. فهل الاسلام في خطر؟؟ هل دين معظم الشعب الذي تأصل فيه على مدى أربعة عشر قرنا أصبح اليوم بفعل فاعل حقيقي أو وهمي مهددا في وجوده؟ أم أن الدين الحقيقي للشعب كان مغيبا أو مغشوشا؟ يبدو أننا مررنا فعلا من التطرف العلماني الى التطرف الاسلامي في لعبة الأرجوحة التي تنتهي غالبا بالرجوع الى الوسط. لا مبالغة في التخوف من تطرف ديني اذ ان هناك من يدعي على طريقة سيد قطب في كتابه « معالم على الطريق » أن مجتمعنا الحالي تخلى عن الاسلام ويجب اعادة أسلمته. و الا فما معنى صرخة الشيخ الجاهل وجدي غنيم « الاسلام قادم »… قادم من أين والى أين ؟؟ الى أرض عقبة والامام سحنون.

ان هذه البارانويا المزدوجة هي مجرد أوهام تسكن عقولا بسيطة تريد أن تصدر صراعها النفسي الداخلي (extériorisation) الى داخل حلبة الصراع الاجتماعي والحراك السياسي لتعطي نفسها قيمة ما. انه صدام الجهالات (le choc des ignorances) كما يسميه الطاهر بن جلون. ويكمن الاشكال في ان المنادين للمواجهة و الصراع عددهم ضئيل لكنهم الأكثر صراخا وضوضاءا وان كان فعلا هامشيا فانه يبقى تدميريا. فالتاريخ لا تصنعه الأغلبية وانما الأقلية الفاعلة.

2- المسلمون ليسوا اسلاميين والعلمانيون ليسو كفارا أو ملحدين :

ان الخروج من الحلقة المفرغة و المفزعة لصدام الجهالات لا يمكن أن يتحقق الا بتحديد المفاهيم واعادة صياغتها والانفتاح على الحوار والتثقيف. نعم ان من مساوىء الديمقراطية هي أنها تجبرك للانصات للحمقى و البلهاء… ولكن تبقى محاسنها أكبر بكثير من مساوؤها. فكما أن حرية التعبير بعد عقود من الكبت مكنتنا من اكتشاف اخوار الجهل بأبجديات المفاهيم والسلوكات الحضارية فانها في نفس الوقت أطلعتنا على بشائر كثيرة من الابداع وكفاءات ما كنا نتصور وجودها أصلا.

2.1- المسلمون ليسوا اسلاميين : الاسلام دين وعقيدة وسلوك وعبادات يشترك فيها أغلب المواطنين التونسيين. والدين ليس حكرا على طبقة معينة تتكلم باسمه وتكفر من تشاء حسب أهوائها ورؤاها الايديولوجية. الاسلاميون فئة أو طائفة من المسلمين يعتمدون على قراءة خاصة للدين وهذه القراءة هي فكر انساني قابل للخطا وللصواب… ويمكن أن يكون أقرب للخطا منه للصواب اذا درسنا نتيجة كل من حكموا باسم الاسىلام والشريعة من الاسلاميين خلال العشريات الأخيرة (السعودية، السودان، ايران وأفغانستان). فلا يمكن بحال من الأحوال أن يستحوذ فكر انساني على مقدس ديني جماعي بمجرد الاقتران به (Sacralisation par association) .
الاسلاميون ليسوا أقرب الى الله من بقية المسلمين وعليهم التواضع بتدينهم: تواضعا معرفيا وسلوكيا لكي لا يحصل لهم ما حصل للمسلمين الأوائل في غزوة أحد حيث أعجبتهم كثرتهم. فالكم لا يعني القيمة.

2.2- العلمانيون ليسوا كفارا وملحدين: ان الذين اختاروا تحييد المقدس عن الصراع السياسي ليسوا ضد المقدس. فللمقدس مكانه في الحياة الخاصة والجماعية. أما السياسة فهي مجال تصارع و منافسة من أجل تغيير الواقع والتقدم به نحو طريقة عيش جماعية لا تنكفؤ قط عن التطور. ان اقحام المقدس في الصراع السياسي اليومي يفقده شيئين هامين: أولهما قداسته و تعاليه عن الواقع المتغير وثانيهما أن يبقى العامل الموحد للمجتمع بالرغم من الاختلافات في كل المجالات التي يسمح بها التنظيم الديمقراطي للمجتمع.

3- الحداثة والمحافظة عنصرا سيرورة التاريخ الاجتماعي:

يجب فقؤ بالونة الوهم المتمثل في أن الصراع بين الحداثة والمحافظة، بين اليمين واليسار لا بد ان يفضي الى انتصار طرف على آخر. ان هذا الانتصار ان حصل سيؤدي الى كارثة تئد الثورة ومبادئها وتبخس الشهداء و دماءهم حيث سترجع الدكتاتورية من الباب بعد أن طردت من الشباك. ان المجتمعات لا ترتقي الا بتلك الجدلية بين قوى المحافظة وقوى التقدم. لقد خضع التطور البيولوجي والاجتماعي للكائن البشري في سيرورة ارتقائه الى نفس القانون.
قوى المحافظة تسعى الى ترسيخ ماهو موروث و تثمينه وقوى الحداثة تسعى الى تجاوزه بهدم القديم وابداع الجديد. والتقدم المتوازن للمجتمع هو نتاج ذلك التدافع. ان وهم القوة (le fantasme de la toute puissance): الانتصار واذلال الخصم الفكري والعقائدي والهيمنة عليه هو طريق الدكتاتورية المفروش بزهور النرجسية والتعالي واليقين بمسك تلابيب الحقيقة المطلقة. وعلى الجميع الاستفاقة من هذا الوهم.

ان نجاة مركبة التحول الديمقراطي في تونس من موجات التحقير والتكفير والتنفير المتبادل هي بأيدينا أو قل بأيدي العقلاء منا وذلك أولا: بكسر حلقة الصدام بين المتعصبين من الأضداد ووضع كل طرف أمام مسؤولياته الحقيقية وأمام مرآة واقعه المعرفي وأهليته للنقاش فيما يتجاوز القدرة. فلا يمكن الاستمرار في النفخ على نار صراعات قديمة وعقيمة بدون احتراق الجميع. ثانيا بفتح الحوار بين الوسطيين من كلا الطرفين لغلق المجال أمام الجهلوت باحتكار مساحات الحوار والتصعيد.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire