banner

لاقداسة في السياسة

ان زمن الوحي والنبوة زمنا فريدا وذلك باتصال السماء والأرض عبر ظاهرة الوحي كما يفسرها الدكتور هشام جعيط في كتابه « الوحي والقرآن والنبوة ». لكن بمجرد ختم الرسالة ووفاة الرسول انبرت الدولة المحمدية الى التأسيس والتوسع وهو ما خلف مجموع الانشقاقات التي لخصها نفس الكاتب في كتابه « الفتنة : جدلية الدين و السياسة في الاسلام المبكر ». وقد كانت سقيفة بني ساعدة اللحظة الفارقة في هذا التحول بين مجتمع محكوم برسول وكتاب منزل الى مجتمع جديد تنقطع عنه أنباء الوحي وينبغي على البشر مواصلة الطريق بما ترسخ في قلوبهم ووجدانهم من الدين الجديد الذي سيكون من يومها في مواجهة الواقع وتقلباته التي لا يمكن اي يصدر فيها وحي يهديهم الى الطريق الأمثل . كان الرسول عند مرضه قد أوصي أن يأم الناس أبو بكر في وظيفته الدينية كامام للمسلمين ولم يوصي بأن يخلفه أحد في وظيفته المدنية كزعيم نواة دولة جديدة. وفي سقيفة بني ساعدة انبرى أصحابه يتنازعون شؤون الحكم والأحقية به حتى رسى الأمر على بيعة أبي بكر بعد جدل كبير بصفته قد حاز ثقة الرسول في مهامه الدينية (طه حسين – الفتنة الكبرى) ومن أحداث السقيفة حتى نهاية الخلافة الراشدة وسقوط الدولة في منظومة خلافة وراثية على أيدي معاوية بن أبي سفيان تفرقت السبل بالمسلمين فاختلفوا وتقاتلوا وتنازعو في الأمر لا لأسباب دينية أو عقائدية فالدين قد ختم بصريح الآية : « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا » وانما لأنهم تنازعو أمور الملك أي السلطة السياسية والاقتصادية كما يحللها الكاتبين سابقي الذكر في مؤلفاتهما.

فمن مجتمع بصدد البناء حول عقيدة الى دولة متسعة الأطراف تحكمها قوانين البشر وأهواؤهم في السلطة حصل التحول الكبير الذي كاد أن يعصف بالكيان الاسلامي. وما نستشفه من قرون الصراع السياسي بعد ختم النبوة أن البشر عادوا الى بشريتهم بما يتنازعها من أنانية وأهواء وطبيعة بشرية يغلب عليها حب الهيمنة و التسلط. لقد بدأت السياسة من حيث انتهت القداسة. فالقداسة كانت مرتبطة بشخص الرسول واتصاله بالماوراء عن طريق الوحي أما بعد هذا الانقطاع فهو مواصلة للحكم عبر آليات جديدة وعبر أخطاء هي من طبيعة البشر.

  • ألم تكن من المآخذ التي أدت الى مقتل عثمان من طرف صحابته والتنكيل بجثته هي محابات أقربائه من الفيىء الذي كان يوزعه من بيت مال المسلمين ومنها تعيينه لأحد أقاربه واليا على البصرة وكان مكروها من أهلها لأنه كان يشرب الخمر ؟ ما علاقه هذا بالمقدس؟

  • ألم تساهم عائشة زوجة الرسول في معركة الجمل ضد علي بن أبي طالب و قد كانت تكن له عدم المودة منذ حياة الرسول. وقد اعتزلت السياسة بعدها لما تسبب فيه تدخلها في الشأن السياسي من كارثة في تقسيم المسلمين

  • ألم يكن عمرو ابن العاص الداهية السياسي وراء نصح معاوية برفع القرآن على أسنة الرماح طلبا لتحكيمه في النزاع القائم بينه و بين خصمه علي بن أبي طالب وهي حيلة سياسية بامتياز أدت الى تقسيم الموالين لعلي وقد كانت لهم الغلبة في معركة صفين وعدلت الكفة لصالح معاوية الذي آل له الانتصار فيما بعدها. ألم يتعري نفس الصحابي عمرو بن العاص حتى قيلت فيه القولة الشهيرة « مازالت عورة ابن العاص تقبح وجه التاريخ » مخالفا الاحكام والتربية الاسلامية فقط لأغراض سياسية.

ما علاقه كل هذا بالمقدس؟ لا شيىء. هي أمور دنيوية يخطأ فيها المرء و يصيب. القرآن مقدس في الاسلام وعند المسلمين لكن لا شيىء عداه.

لاقداسة للأشخاص في السياسة:

ان رجوعنا لبداية العصر الاسلامي منبع « النقاء الديني » بحسب تفكير البعض هدفه نزع القداسة عن الأفراد. فحتى العشر المبشرون بالجنة من الصحابة حسب تراثنا الديني تقاتلوا فقتلو و قتلوا « طه حسين : الفتنة الكبرى – علي وبنوه » فأي قداسة يمكننا أن نمنحها لهم ونحن نعلم من الدين بالضرور أنه « اذا اقتـتل المسلمان فالقاتل والمقتول في النار »؟؟ الانسان خطاء وابن الخطايا بطبعه ولا قداسة لبشر مهما ادعى قربا أو حبا لله. والسياسة يصنعها اناس يعرفون أنهم خطاؤون لذلك يجتمعون ويقررون بصفة أغلبية حتى ينقصوا من احتمال الخطأ دون القدرة على تجنبه الكامل مهما اجتهدوا. وبما أن السياسة دنيوية بطبعها وتركز اهتمامها على تسيير شؤون البشر برضاهم و في مصلحتهم فان الممارسة الحديثة لهذه الوظيفة تفرض عدم التعالي بين الحاكم والمحكوم بصفة الحاكم مفوضا وقتيا من طرف المحكوم لا عبدا له.

لاقداسة للأفكار في السياسة:

تماما كما يغني جورج براسانس  » أن نموت في أجل الأفكار شيىء جيد..لكن موتا بطيئا » الأفكار في عالم السياسة النسبي مقاربات نسبية لحل مشاكل تنظيم المجتمع والتوزيع العادل للمعرفة والثروة والاعتبار المعنوي. والأفكار التي ترتبط بالمتغير ينبغي أن تكون متغيرة أي مواكبة ومرنة هدفها حفظ التوازن بين مختلف المصالح. وكل الشعوب الحية التي تهدف للسعادة على صعيد فردي وجماعي تعي دينامكية تطور حاجياتها كما تعي أن أي مجتمع يتقدم من خلال الصراع السياسي بين قوى المحافظة و قوى التقدم. فهي التي تقرر جماعيا عن طريق الانتخابات أن تعطي فرصة لهذا الفريق أو ذاك حسب حاجتها الدفينة. وتتقدم المجتمعات بقدر سرعة

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire