banner

من أجل ثورة داخل الجيش التونسي

لم ينزل الغبار بعد على حيثيات الثورة التونسية، لكن الجيش الوطني التونسي برهن على أنه معطى لم يعد من الممكن التعامل معه بنفس العـقـلية السابقة وأن رياح الثورة لا بد أن تهب في أرجائه لاعادة الاعتبار واعادة تفعيل مهامه الدفاعية. لقد تعاطى الجيش مع أحداث الثورة كما مع المصائب التي عاشتها البلاد من كوارث انسانية (ملف اللاجئين ثم العنف في الجهات) وطبيعية (الثلوج والفياضانات) بروح معنوية عالية وبنجاعة مرموقة مع التحلي بالصبر والتواضع.

ان النقلة النوعية التي يجب أن تقع لهذا الجهاز هي بالأساس ثقافية تمر بجيشنا من محدودية مفهوم حماية الوطن من العدوان الخارجي الى حماية المواطن من جميع أنواع العدوان الداخلي، تماما كما حصل ابان الثورة. ينبغي على الجيش الوطني الذي كان دائما وطنيا أن يصبح كذلك مواطنيا. فيصبح بذلك الضامن لاختيارات الشعب. فهاته المؤسسة الجمهورية، مع بقائها خارج اللعبة السياسية، يمكنها أن تصبح حامية الجمهورية والديمقراطية الناشئة. فمع الأمن الجمهوري كمؤسسة بصدد التشكل يمكن أن تصبح لتونس ضمانات استقرار ومواصلة البناءبتثبيت المؤسسات التي تحمي البلاد من أي ردة ديمقراطية وأي انقلاب طبيا كان أن مدنيا.

مساهمة الجيش في تأطير وتأهيل الشباب:
ان ذاكرة الثورة ستحتفظ بتلك المشاهد التي استنجد فيها شباب الثورة من عـنف البوليس الأعمى ووجدوا عنده الملاذ. ثم لا ننسى أن الجيش قدم للثورة شهداءا. ان انبهار الشباب بالجيش الذي كفـر عن اخطائه ابان أحداث جانفي 1978 وجانفي 1984 بانخراطه كعامل نجاح في ثورة جانفي 2011 يدعونا الى التساؤل كيف يمكن استثمار هذا الاعتبار ليكون الجيش في خدمة الشباب والشباب في خدمة الوطن.

1- الخدمة العسكرية بين الوجوب والاختيار
أصبح من الملح ادخال المرونة على جدولة وطريقة القيام بالواجب العسكري للشباب. فبالنسبة للشباب الممدرس يشكل نظام السنة المتواصلة عائقا حقيقيا أمام القيام بالواجب خصوصا مع غياب العدالة في التجنيد مما يدفع للتهرب من القيام به. فبقليل من الواقعية يمكن أن ندرك أن طاقة استعاب الجيش لا يمكنها احتضان كل من هم مرشحون لذلك. فيمكن بالتالي ادخال بعض المرونة بجعل الخدمة العسكرية اختيارية لصنفين من الشباب:
1-1: الشباب الذي هو بصدد اتمام دراسته الجامعية بامكانه مع قليل من التنظيم أن يتم خدمته العسكرية على سنوات مثل ما يقع في سويسرا مثلا، فيقضي الشاب ثلاثة أشهر متواصلة بع اجتيازه لشهادة الباكالوريا، وشهرين خلال عطلة الصيف خلال المرحلة الجامعية وشهر كل عام بعد ذلك حتى تستوفى مدة السنة. بذلك يكون الجيش قد استفاد من شباب ذو تعليم مرتفع يمكن استخدامهم لاحقا في رتب متقدمة.
1-2: أما بالنسبة للشباب المنقطع على الدراسة فيمكن على الابقاء على المنظومة الحالية كماهي مع دعم التكوين العسكري بتكوين مهني يؤهله لاقتحام الحياة العملية بعد اتمام مدة الخدمة. وأظن أنه المعمول به الآن لكن ينبغي تثمينه وتوسيع مجالاته وايجاد التمويل المناسب.
وبطبيعة الحال ينبغي أن تنطبق هذه المنظومة على الرجال والنساء دون اقصاء أو تمييز. فلتونس أبطال وبطلات صنعوا الثورة و حموها ولهم تعود مسؤولية الحفاظ على مكتسباتها.

2- التكوين المستمر في خدمة التشغيل والاقتصاد:
يجب أن تبنى المنظومة الجديدة بعقلية الربح المتبادل بين الفرد والوطن. فمع الطابع الاختياري التطوعي للقيام بالواجب العسكري سيفوز الجيش باستقطاب شباب واع منخرط بروح وطنية عالية للقيام بواجبه. وسيستفيد الشاب من جهته من تجربة حياتية تنظيمية هي بمثابة امتياز يسهل عليه دخول سوق الشغل من باب التجربة ومن باب الانضباط المطلوب في العمل الفعال في سوق الشغل اليوم. فيصبح العمل العسكري بمثابة استثمار شخصي ومؤهل يكتب بكل فخر في السيرة الذاتية (CV) للباحثين عن شغل.
ففي بلدان العالم المتقدم الجيش هو أول مخترع ومكتشف ومصنع ومستعمل للتكنولوجيات الحديثة في كل المجالات. ويمكن ان نذكر أن أغلب التكنولوجيات المستعملة اليوم من الميكروويف الى الانترنيت الى الرنين المغناطيسي مرورا بالفاكس وتقنيات التشفير وغيرها هي بالأساس اختراعات عسكرية أصبحت مدنية بوجود استعمالات مهمة لها لعموم المواطنين. وحدث ولاحرج عن كل التقنيات اللامادية كادارة المشاريع والتصرف اللوجستي الخ. فالجيش ليس فقط مدرسة للتمـرين البدني واستعمال السلاح انما مدرسة ابتكار وبراعة وتكوين المهارات التي يمكنها الاسهام بالكثير في الحياة الاقتصادية.

3- النقلة التكنولوجية في المنظومة الدفاعية:
ان التحديات العسكرية الحديثة، زمن السلم كما زمن الحرب، لم تعد فقط مسألة سلاح وذخيرة واستراتجيات عسكرية بحتة. ان النخاع الشوكي لمنظومات الدفاع الحديثة هي المنظومات الاتصالية والمعلوماتية ويمكن أن يصبح هذا المجال من أكبر مشغلي حاملي الشهادات التكنولوجية بدل استعمالهم بمثل ما استعمل المهندسون في النظام الاستبدادي لمضايقة المعارضين واختراق حياتهم الشخصية.
ان الثورة الصناعية الثانية – ثورة المعلوماتية- لم تنته بعد. والشباب التونسي الذي أبدع باستعمال شبكات الاتصال للتنسيق في القيام بأول ثورة مدنية بوسائط تكنولوجية قادر على صناعة معجزات أخرى بهذه التكنولوجيات الحديثة. ويبقى الأمل الأخير هوفي دخول عصر التصنيع بدل الاستهلاك المفرط للتكنولوجيا.
فأن يصبح الجيش الوطني مخبرا تكنولوجيا ممولا لمشاريع البحث العلمي والتكنولوجي هو أمر محمود وفرصة للوطن بتعزيز كفاءات جيشه عبر استثمار لا تقدر عليه الا الدولة وهياكلها لآنها لا تنظر للتسويق والربح القريب انما لمناعة الوطن على المدى البعيد.

4- الدفاع المدني:
ان التغييرات المناخية واقع لم يعد بالامكان اتباع استراجية النعامة للتعامل معه. ان العالم، وتونس جزء منه، مهدد بشتى الكوارث الطبيعية والانقلابات المناخية اللامعهودة.. ففاضانات و ثلو ج واعصارات 2012 ليست الا مؤشرا لما هو آت. ولاننسى ان تونس بلد مهدد بالتصحر أيضا حيث تشير بعض الدراسات المستقبلية بأن 4 بالمائة فقط من جملة مساحة الجمهورية لا يعنيها هذا التهديد. من ثم يجب اعتبار القدرات الوطنية للاستعداد لمثل هذه النوائب. ويمكن للجيش الوطني الاسهام في تهيأة الدفاعات المدنية ضد هذه الطوارىء القادمة على شكلين:
4-1: المنهج الاستباقي (Préventif): بمواصلة مشاريع وقف زحف الصحراء بالغراسات المتأقلمة وباعداد فلاحة بديلة كنموذج الري بالمياه الجوفية الساخنة من ناحية ومن ناحية أخرى عن طريق تحويل مصدرالكارثة (الاحتباس الحراري) الى ثروة عن طريق اعداد البنى التحتية لاستغلال وتحويل الطاقة الشمسية في انتاج الكهرباء وهي طاقة المستقبل في بلد مثل تونس. لبلوغ هذه الغاية تنبغي رسم استراتيجيات وعلاقات شراكة بين الدراسات المدنية والامكانات الدفاعية. ان طريقة الجيش في العمل الدؤوب (بناء الجسور، تحويل وجهات الأودية تخضير الصحراء …الخ) يمكن تثمينها واستعمالها كرافعات تقنية واقتصادية في الاعداد لمستقبل ينتصر فيها الانسان على الطبيعة بتطويعها حينا واستغلال الانصياع لها أحيانا.
4-2: المنهج العلاجي (Curatif): يجب أن تندرج مناهج الدفاع المدني في تكوين المجندين حيث يقع تأهيلهم في وقت قصير للالتحاق بمنظومات الدفاع المدني وتعزيزها. وينبغي لتحقيق ذلك تكوين الخبرات والرسكلة المستمرة ثم تكوين جيش من الاحتياطيين قادر على الالتحاق بثكناته بسرعة ومد يد العون للوطن في حالات الكوارث الانسانية أو الطبيعية.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire