banner

من أين جاؤوا ؟؟؟؟ محاولة تشريح الظاهرة السلفية في تونس

لا يمكننا السكوت أو التغاضي بعد اليوم عن الظاهرة السلفية التي صارت تمظهراتها تملأ وسائل الاعلام وتثير التقزز والاسمئزاز. فمن هم؟ و ماذا يريدون؟ ولماذا برزوا الآن؟ بعد أن هدأت مظاهر التوتر التي تبعت الثورة مثل النعرات العروشية والاعتصامات العشوائية وكأنهم حلقة تواصل من أجل حرمان تونس من الهدوء النسبي الضروري للتأسيس.

السلفية تنطلق من نظرة للحياة تعتمد على فكرة ثابتة: ليس لنا مستقبل بدون اعادة انتاج الماضي فكل حلول لمشاكل الحاضر موجودة في الماضي. فهي تعتمد على تفكير:

  1. يقدس أشخاصا وسلوكات مثلى اعتقادا في أن السلف صالح بطبعه ، وهو استنتاج خيالي ينبؤ بجهل كبير بالتاريخ وبالطبيعة الانسانية

  2. يعتبر أن الاتباع (لا الابداع) هو السبيل لحل معضلات الواقع

والسلفية في تونس ظاهرة جديدة تفاقمت مع المد الوهابي السعودي الذي سوقت له فضائيات البترودولار المختصة في الدعوة لهذا النسق الفكري في فهم الواقع و التعامل معه. فلو اكتفى الأمر بأن تكون مجرد نسق حياة، كالزهد الصوفي مثلا، لما كانت لتثير كل هذا الجدل لكن خروجها للساحات العامة كمشروع اجتماعي أقل ما يمكن أن يقال فيه أنه ظلامي و لاتاريخي لا يشعرنا فقط بنوع من الاحباط بأن يموت لنا شهداء من أجل الحرية ليظهر علينا أعداء الحرية مستغلين ظروف ضعف الدولة في تطبيق القانون وتلكأها في الحسم وكانها فقدت بوصلة التفريق بين العمل الاجرامي الموصوف وممارسة حرية التنظم والتعبير.

من أين جاؤوا ؟ فلم نر ولم نسمع ولم نقرأ و لم نشاهد خلال كامل ردهات الثورة التونسية من 17 ديسمبر الى 14 جانفي و بعدها في اعتصامي القصبة بمتظاهر أوجريح او شهيد واحد ينتمي لهذه الطائفة. ان الخطر السلفي اليوم لا يتمثل في العدد أو الضوضاء التي يملؤن بها الساحات العامة في مخالفة لأبسط قواعد السلوك الحضاري… ان السلفية هي سرطان في جسد الأمة الاسلامية… وكما نعلم فان السرطان يبدا دائما ببعض الخلايا ثم ينمو بهدوء وبدون اعطاء اشارات مرضية … وعندما يستشري وتبدأ الآلام يكون الأمر قد انتهى وفات زمن العلاج. لهذا سماه العرب بالمرض الخبيث.

فماهي الخصائص العامة لهذه الظاهرة .

1- التدين السطحي و تغليب الشكل على المضمون :

بطبيعة الحال أصبح المظهر الخارجي علامة مسجلة للسلفيين: القميص الأفغاني، العراقية البيضاء أو الخضراء أو السوداء، اللحية الكثة وعود الأراك للسواك. هذا هو الأصل التجاري الذي يميزهم اليوم على صعيد الهوية المرئية. هكذا فهمو التدين اذن: الشكل أولا. أما المضمون فعموميات عن الاسلام النقي وعن الجهاد والخلافة ورمزها في الرايات السوداء التي يرفعونها والتي استوحوها أكثر من المسلسلات الدينية منه من قراءتهم للتاريخ الاسلامي. لو علموا كيف استعمل معاوية حمل المصحف على أسنة الرماح لما أحس بهزيمته أما الامام علي وشيعته كخديعة استراتيجية تم بها تقسيم اصحاب علي من حوله فقط للبقاء في الحكم لما تجرؤوا على استعمال الشهادة التي تجمع كل المسلمين كراية يريدون فرضها عـلما جديدا لبلاد هم بصدد الاساءة اليها ايما اساءة.

2- المستوى المعرفي:

أكاد أجزم أن أكثر من تسعين بالمائة من الذين يملؤون الساحات مدافعين عن المنقبات في الجامعة مستعملين الهراوات في ممارسة العنف هم من الفاشلين جدا في دراستهم و لم يتجاوزوا بالكاد المرحلة الثانوية. هم اذن أشباه أميين لا يحسنون الكتابة أو القراءة ويفضحهم مستواهم التعليمي (ولا اقول الثقافي) الضحل كلما سمحت لهم الفرصة بالحديث أمام ميكروفون او خط شعار على الحائط. ويبدو أنهم لجؤوا الى التدين والى الجماعة كحصن نفسي يعطي القيمة للفرد من خلال انخراطه في مجموعة بشرية ومنظومة فكرية. هم لا يقرؤون الكتب بل يستمعون الى خطب مشايخ هم بأنفسهم لا يكتبون ولا يقرؤون. لذلك يصعب الاطلاع على أدبياتهم .. اللهم اذا اعتبرنا الكتب الصفراء التي تنشر على الأرض أمام الجوامع بعد صلاة الجمعة بجانب البخور و عطر الموتى أدبيات. ولآ ادل عن ذلك من بائع الخضار الذي اسس جمعية مشابهة للأمر بالمعروف الخ… وهو بمستوى تاسعة اساسي.

3- المشروع الاجتماعي و السياسي:

في غياب أدبيات لا يمكن أن نستشف ملامح مشروع اجتماعي او سياسي واضح المعالم. كل ما هناك شعارات فضفاضة مثل الخلافة وممارسة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على طريقة المطوعين السعوديين أو الطالبان. لكن المثير هو احتلال المساحات العمومية عبر الاستفزاز بمظاهر غريبة عن المجتمع. فلا هم حزب سياسي مؤهل للدخول لمعترك الانتخابات التي لا يؤمنون بها اصلا ولاهم جمعية خيرية تحاول مساعدة أصحاب الحاجة لكنهم يمثلون خطرا على الأصعدة التالية:
3.1- تعكير النظام العام وادخال الاضطرابات على أسلاك متعددة من المجتمع
3.2- ضعف الحجة الذي يؤدي الى العنف واثارة الرعب لدى المواطنين ومنه تهديد السلم المدني
3.3- تهديد الاقتصاد بضرب صورة البلاد لدي السائحين والمستثمرين الأجانب على حد السواء … لا لأنهم تهديد حقيقي بل لأننا نعيش في عصر الصورة ويكفي اقلية حركية ذات صخب و ضوضاء لتفسد المشهد.

4- الهوس الديني والجنسي:

لو حللنا الظاهرة بأدوات العلوم النفسية بشقيها التحليلي والسلوكي لوجدنا صعوبة في التفريق بين التدين على هاته الشاكلة ومايعانيه الذهانيون من هوس ديني وجنسي. ان قوة الكبت في هذه الحالة موازية لقوة التصعيد النفسي الذي يجد في المجال الديني متنفسا. لكنه متنفس يفضي الى التطرف فيعوض اليقين الاعتقاد و يعوض العنف الحوار (أحداث سليمان، أحداث جامعو منوبة) ويعوض التكفير التفكير. وكيف لهم به وهم لا يكتسبون أدنى آليات المعرفة ضانين أنه بحفظهم لبعض سور من القرآن و بعض الأحاديث اكتسبوا علما يغنيهم عن جميع ماعداه.
ثم ماهذا الهوس المرضي بالجنس و المرأة وكان الأخلاق والجنة والجحيم كلها مرتبطة بجسد المرأة. ان الميزوجينية المرضية التي لا يخفونها ولا ينكرونها يمكن أن تكون باب تحليل أعمق.. لكنه تحليل ينبغي أن يسند لأهل الاختصاص في علم النفس السريري.

من أين جاؤوا ؟

  1. من فراغ الحراك الثقافي والاعلامي الذي قاسينا منه طويلا فغياب نور الفن والفكر سمح بنمو سريع لفطريات توثث جهلها « بمعارف » لا تنتمي لدنيا المعرفة و لا تتصل بها

  2. من فشل المنظومة التعليمية على صعيدين : 1- تشكيل التفكير النقدي عند التلميذ بالتدريب على التفكير بدل التعويل على التلقين 2- الالقاء بالفاشلين على قارعة الطريق دون التأهيل لحياة عملية

  3. من فشل مشاريع اصلاح التعليم في المجال الديني التي صنعت جيلا مغتربا عن ذاته وعن أبسط قواعد دينه … يتعلمه من الفضائيات الوهابية التي تبشر لخطاب ظلامي متعلق بغيبيات الآخرة أكثر منها بما يصلح أحوال الدنيا

  4. من سياسة المساواة في تعميم الجهل بين جميع فئات الشعب

  5. من جملة الهزائم التي قادنا اليها مستبدونا التي عممت الاحباط وجعلت من التدين القشة التي يمسك بها الغريق

zina

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire