banner

موت الرّئيس المُـــبـْــهَمْ

هل مات فعلا ؟ هل هي حيلة لتهريب الأموال لجنات جبائيّة ؟ هل هي خدعة طرابلسيّة؟ هل هي مؤامرة اسرائليّة أمريكيّة لتهريب العميل 711؟ الأكيد أن الرئيس المخلوع سيواصل مسلسل التشويق مع شعب لم يكن أبدا شعبهُ. شعب عاش فيه في كنف اللا ّتفاهم التــّامْ. بماذا سيتذكــّر التونسيون والتونسيات رجلا عاش بينهم بكل سريّة، رغم أن وجهه كان ينكـّد عليهم صباحاتهم مساءاتهم في جرائد الفرحة البهلولة وشرائط الأنباء الثــقـيلة السـّمجة.

ان لم يمت اليوم فانـّه سيموت غدا. « انك ميّتٌ وانـّهم ميّتون » وهو كذلك ميّت لا محالة لكن.. ماذا سيذكر التـّاريخ … لا شيىء تقريبا .. هذا الرجل الذي تبيّن أنه سفـّاح بلا رحمة زيادة على لصوصيّة مفضوحة منذ البداية سيكون اذن بمثابة غلطة مطبعية في سجل التاريخ الطويلْ. لم نره يوما يضحك … الا بتصنّع … لم نره يوما يبكي…الا ّ بتصنـّع … على أعتاب الكعبة. عاش ونكـّد عيشتنا بدون أن نعرف يوما … لون شعره الحقيقي … صوته الحقيقي … كيفية استعماله للغتنا الدّارجة … هل كان يتكلــّم أصلا أم أنــّه كان يحكمنا بالايماءْ

ليس في سجلّ الرّجل، على مدى ربع قرن، أيّ ندوة صحفيــّة نسمع فيها صوته يجيب بصراحة على سؤال محرج… هل كان يضحك

مثـل البشر… هل كان يفهم مثـل البشر…هل كان قادرا أن يجيب عن سؤال ما في التقافة العامة… هل كان يحكي النكت؟ هل كان يحسّ بشيىء … الشعب التونسي لا يغفر لم لا يكلــّمه .. أو يأخذ بخاطره… عندما تقابل تونسيا لا بد أن تقول له صباح الخير ليستأنسك ويردّ عليك. ان لم تفعل فهي علامة احتقارْ. فهل كانت ثورة الشعب التونسي ردّا على ذلك الاحتـقار الذي تواصل 23 سنة. بدون كلمة صباح الخير… كيف أحوالكم… كيف أحوال عيالكمْ؟

ثمّ كيف بعد طول خوف و طول صبر أصبح الرّجل اضحوكة… وأصبحت كلماته الأخيرة : بكل حزم … سيأخذ القانون مجراه .. عصابات ملثـّمة … أنا فهمتكم … غلطوني … الكرتوش موش مبرّر يزّي م الكرتوش … مانيش سمش باش نهعغفصم… ألمي وحزني كبيرانْ … مفاتيح للضحك حد البكاء رغم الموت … رغم رائحة الدّمْ … رغم موت الشباب التونسي على الاسفلت … ما سرّ هذا الرجل المُبهَمْ… الذي حوّله شعبه الى حارق « الزين راهو قطـّع » وحوّلته حكومته التي نصّبها الى مهرّب عملة « كونترا » فأضحك عليه الحبيب والبعيد… ورفضت كل الدّول المتواطئة أن يدنّس ترابها… رحل عن تونسنا بلا حقيبة … وقد يرحل عن دنيانا بآثامه العديدة.. دون أن نكون قد عرفناه يوما

ماذ سنتذكــّر اذنْ: الطرقات والجسور والاسمنت المسلـّح الذي رُهنــّا به الى مدى أجيال قادمة لدى المؤسسات الماليّة العالميّة؟ هل كان وعدنا ذات فجر كاذب بكيلومترات من الطرق السيّارة ومئات من المحوّلات وأعداد من الجسور؟ لا. جاء يحدّثنا و نحن في يفاعة الحلم الديمقراطي بعد شيخوخة طالت لسابقه بالحرية والدّيمقراطية ولا ظلم بعد اليوم و »هات من هاك اللاّوي » وقد أنجز عكس ما وعد…وعدًا وعدًا وكلمة كلمة. يبدو انه فهمنا في الربع الساعة الأخيرة وهو يرتجف … لقد فهم أخيرا أنه انتهى وفرّ دون أن يقدذم استقالته … فرّ من ساحة الميدانْ..كأيّ جبانْ عاش وراء أقنعته … فما نفعته

الرّجل المُبْهَمْ ضيّع علينا فرصة ربع قرن… ربع قرن من الخراب والتهديم الممنهج لكل قيمنا الجميلة… الابتسام و »صباح الخير » كل صباح… الضحكة والقهقهة العفويّة… « التبهبير » الرياضة الكلاميّة المحبّذة عند التونسيين…التضامن التلقائي …روح الرحمة والتسامح… حاول أن يقتل كل ذلك … لكنه لم ينجح… فقط ضيّع علينا الوقت الثمين… سرق أموالا لن ينعم بها طويلا… سيموت الرّجل المُبْهَمْ حتما… لكن التاريخ سينسى هذه المرّة

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire