banner

نحو اعادة صياغة مفهوم الأميـــّــة

اللغة كائن حيّ. فهي بالتالي تخضع لقانون التطوّر كما بقيّة الكائنات الحيّة. والمفاهيم داخل اللغة ذاتها لا تشذ عن القاعدة. ولعلّ تطوّر اللغة ومفاهيمها من أكثر خصوصيّات رحلة التطوّر الذهني والاجتماعي للكائن البشري بعدما استكمل التطوّر العضوي والجسدي غايته: بروز الانسان على صورته الحاليّة بعد رحلة طويلة ومضنية من عالم الحيوانية الى عالم الانسانيّة.
ولقد كان استعمال الرّمز للتواصل الفارق بين التاريخ وماقبل التاريخ. وتطوّرت الرموز فيما بعد لتصبح لغات مكتوبة أو محكيّة مختلفة باختلاف ثقافات الانسان حول هذا الكون. وبهذا الصّدد نريد أن نتعرّض لمفهوم الأميّة في عالمنا العربي الذي كلـّما صدرت تقارير الأمم المتحدة عن وضعيته الا وأثارت جدلا عميقا وعقيما في آن. ويتمثل هذا الجدل في الخطر الدّاهم المرتبط بتفاقم ظاهرة الأميّة بين الــ 310 مليون نسمة التي تعمّر هذه الرقعة من الكون. ولا أدّعي انّ هناك علاقة عضويّة مع ظاهرة التصحّر لكن هذه التقارير مفزعة أيضا بالنسبة لما يتهدد الأراضي الصالحة للفلاحة والاستغلال من فقدان بسبب تقدّم الصحراء نحو الشمال.
فالأميّة كما تفسره المعاجم القديمة (لسان العرب لابن منظور) كما الحديثة (المنجد) هي عدم القدرة على القراءة والكتابة.

1- الأميّة والقرآن:

لقد بُني المعتقد الدّيني الشعبي على أساس أن رسول الاسلام كان أميّــا، أي لا يحسن الكتابة والقراءة، وبذلك يكون القرآن معجزته الكبرى حيث كيف يمكن لأمّيّ أن يأتي مثل ذلك الكتاب الذي أصبح مرجعا للغة العربية؟
فمن خلال كتابة « الوحي والقرآن والنبوّة » يُعيد د. هشام جعيّط صياغة فهم لهذا المفهوم واضعا لغة القرآن وهذا المفهوم بالذات في سياقه التاريخي والانثروبولوجي. فحسب د.جعيّط أميّة الرّسول التي ذكرت في القرآن لا علاقة لها بمفهوم الأميّة المتداول اليوم. فيصعب على العارف بحياة الرّسول ومقامه الاجتماعي ومهنته كتاجر مسافر ومحاكي لأقطاب المعرفة في زمانه التسليم بأميّته (مع أنها تبقى فرضيّة). فكتب التاريخ السابقة تذكر أنه كان يتكلم أكثر من لغة (الآرامية والفارسية خصوصا) فكيف يكون جاهلا بلغته الأم كتابة وقراءة؟
فمفهوم الأميّة والأمّي بحسب التحليل المنطقي الاستدلالي للدكتور جعيّط لا يمكن فهمه خارج السياق التاريخي واللغوي حيث أن لفظة الأمّي المذكورة في القرآن يقابلهة في التوراة والانجيل لفظة الأممي وهي تعني الشعوب والأفراد من دون بني اسرائيل. ويدعم منطقه بالاستدلال بالآية  » ولقد بعثنا في الأميّين رسولا ». فاذا أمكن التصديق بأن الرّسول لم يكن يحسن الكتابة والقراءة فهل يمكن التصديق بأن كلّ العرب أو جلــّهم يجهلون الكتابة والقراءة حيث أن الدّعوة موجهة اليهم بالأساس بلسان عربي ومن خلالهم الى بقية الانسانية.
أما قصّة بداية الوحي حين أمر الملك جبريل الرسول الجديد بفعل : أقرأ وأجاب محمّد : ما أنا بقارىء فيفسّرها د. جعيّط على أساس أنها رفض للقراءة من هول التقاء الالاهي بالانساني من خلال الوحي وليس اقرارا بجهل القراءة أو الكتابة في حد ذاتها.

2- المفهوم المُعجمي والرّسمي للأميّة:

عندما نعود لزمننا الحاضر نجد أنه ترسّخ معنى الأميّة في جهل فعل الكتابة والقراءة. وهذا المفهوم اقترن في العصر الحديث، أي القرن الأخير بالتمدرس بعد أن أصبحت المدرسة مؤسسة نظامية اجبارية وشعبية في متناول الجميع بعدما كانت حكرا على نخبة النخبة. وتعتمد الاحصائيات الخاصة بظاهرة الأميّة على نسبة التمدرس لتقييم نسبة الأميّة في مختلف المجتمعات. فيكفي اذن حسب هذه المقاربة أن يكون الفرد قد تجاوز قسما أو مرحلة من مراحل التعليم ليعدّ من المتعلـّمين أي من غير الأميّين مهما فعل بتعليمه فيما بعد.
كل الاحصائيات تعتمد هذه المقاربه او ما يشابهها لتلقي على رؤوس الملأ « كل سنة مرّة » أرقاما واحصائيات مفزعة عن حالة الأميّة المقترنة أساسا بالجهل والتخلـّف. ففي حين دفن الدنماركيون آخر أميّيهم في بداية الستـّينات مازالت الشعوب العربية تنتج الأمييّن بكثرة لا تحسد عليها. واذا أضفنا الى ذلك الاحصائيات التي تخص الانتاج الأدبي والفكري ابداعا و ترجمة مع تفاقم هجرة الأدمغة والكفاءات فان ظاهرة الرّكود الثقافي والخضاري المتأتّي من هذه الظاهرة يعتبر مؤشرا في غاية الخطورة يهدّد البقاء والاستمرار للكيان الحضاري برمّته في عالم صار محكوما بالمعرفة والتكنولوجيا. لكن ما خفي كان أعظم.

3- نحو مفهوم جديد للأميّة : « الأميّة العصاميّة »:

هل الأمّي من لا يحسن القراءة والكتابة فعلا لأنـّه لم ينل حظا من التعليم الاجباري؟ أم من اختارا طوعا واراديّا عدم ممارسة القراءة والكتابة رغم معرفته بأبجديّاتها، ان صح القول؟ وما الفرق بين الاثنين مادامت النتيجة واحدة: الامتناع عن تطوير الذهن والملكة عبر مارسة القراءة؟
أعتقد أن عصرنا الحديث يستوجب اعادة نظر في هذا المفهوم. فالقراءة والكتابة فعل. وفعل له غايات ككل فعل. فكيف يكون فاعلا من لا يمارس هذا الفعل حتى ان كان الامتناع عن هذا الفعل اراديّا؟
هل يمكن، على سبيل المقارنة، أن نسمّي رياضيّا من لا يمارس أي رياضة وأي حركات رياضية سوى المشي والحركة للضرورة القصوى، والذي تراكمت في جسده الشحوم وكل ما ارتبط بها من أمراض. هل يمكن أن نسمّيه رياضيّا حتى وان « عمّر ملاعب كرة القدم التي يُذكر فيها اسم الله » مشجّعا ومتعصّبا لفريقه المحبوبْ؟ الغالب حينا وفي أغلب الأحيان مغلوبْ؟ حتـّى وان قضـّى الساعات الطوال أمام التلفاز متابعا خصوصيات ترتيب البطولة والكأس وبطولة البطولات و كأس الكؤوس؟
لا فعل… لا فاعل…لا نعت. الانسان هو ما يفعل، كما تقول الحكمة، وليس من يعتقد أنه كائن.
ستكون الاحصائيات أكثر افزاعا وأعمق معنى اذا حوّلنا مفهوم الأميّة من عدم القدرة على القراءة والكتابة الى عدم ممارسة القراءة والكتابة بطريقة اراديّة بحتة ومن هنا يأتي مفهوم الأمية العصاميّة محاكات للصورة الشعرية للشاعر أحمد فؤاد نجم في هجاء أحد زملائه الشعراء: « جاهل عصامي..وبيّاع ملوحة..وسمسار بنات.. » الخ

4- الأمية العصاميّة كظاهرة وممارسة اجتماعية:

في الحقيقة يصعب الخوض في هذا الموضوع نظرا لغياب معطيات وأبحاث علمية، على قدر اطلاعنا. لذلك سنعتمد على الملاحظة وعلى المعرفة التجريبيّة وسيكون المجتمع التونسي هو العيّنة التي ننطلق منها.

             4.1- ثقافة « التـسـليكْ » و »الـلــّي قــْرَاوْ ماتوا »:

ينبغي التسليم أولا بأن أيّ فعل وكلّ فعل مرتبط بالمنظومة القيميّة التى تعطيه معناه وغايته. فالقراءة مثلا في اللهجة التونسية المحكيّة « القراية » هي ليست سوى التحصيل العلمي من خلال الدراسة النظامية ولاغاية لها سوى النجاح واجتياز المراحل للحصول على الشهائد المخوّلة للعمل.. أي للكسب والقوت.
أمّا القراءة بمعنى الاطلاع على ما يُكتب و ينشرُ من ابداع فهي المطالعة في اللهجة التونسية المحكيّة كما في اللغة العربية الأمّ. وهي ترف لمن استطاع اليها سبيلا ومن له أوقات فراغ يملؤها بأحد الهوايات التي تُعدّ المطالعة واحدة منها في نفس مرتبة جمع الطوابع البريديّة. فالقيمة الملموسة والمتفشية هي الامتياز الدّراسي للنخبة لتبوّء أعلى المناصب أومواصلة مشوار علمي خارج البلاد وهي لا تستلزم المطالعة بقدر ما تستلزم الاجتهاد في الدّرس. وبالنسبة للمتوسطين من أهل الوسطية (10 الحاكم) فهي ثقافة « التسليك » بمعنى أقل جهد ممكن للاجتياز ولافائدة في مزيد من الجهد مادامت الآفاق « الواعدة » واحدة للجميع. زد على ذلك انه ليس هناك في المنظومة التربوية ابتدائيا، واعداديّا،وثانويّا وجامعيّا أي مادّة تعتمد على القراءة والمطالعة لاجتياز الاختبارات ولا حتى التحبيب والتحريض على القراءة على أساس أن المعرفة الحقيقية هي مجهود فردي عبر الاطلاع على ما تنتجه الحضارة الانسانيّة من علوم وفنون أدبية و فلسفة.
فخارج الكتب المدرسيّة البيداغوجية « أو الديماغوجية » كما شئتم لا يكاد يوجد يوجد مفهوم للكتاب كرفيق لرحلة المعرفة وأوّلها وأولاها معرفة الانسان لذاته. لاتكاد توجد قيمة ملموسة تنفذ في السلوك الفردي على أساس أنّ حبّ المعرفة والشغف بها ينبغي أن يتجاوز المقرّرات المدرسيّة التي تمثــّـل الحدّ الأدني لبناء هيكلة ذهنية (info-structure) قادرة على استعاب وترتيب واحتواء كل المعلومات السيّارة (information circulante) كسبيل وحيد للتطوّر الذاتي (1).
فلا غرو أن تنتج هذه المنظومة القيميّة بعض المقولات والشعارات التي تعبّر عن عدم الاكتراث بلْ والازدراء بقيمة التعليم فمابالك بالمطالعة والمثابرة عليها. ومن بين هذه الشعارات التي لا تنقصها مسحة الفكاهة:
« تقرا وتزمّر…وتخسّرْ في معمّرْ » أو
« اللي قراوْ ماتو… واللي ماتو قراوْ عليهم » أي بلغة الضاد « كل من طلبوا العلم ونالوه انتهو أيضا للموت…وعندما ماتوا قُرأ عليهم القرآن كخاتمة كل الميتين..وفي الموت يستوى الذين يقرؤون و الذين لا يقرؤون »

                    4.2- ثقافة الجرائد والتلفريون:

انّ عُملة الأميّة العصاميّة هي أنّ:
– القراءة والاطلاع على المنتوج الفكري والأدبي الانساني جهد مضني لا مجال للمتعة فيه. حتى أن محبي الكتاب يُعتبرون مزوخيين.
– تحصيل الشهائد وولوج عالم الشغل بالتظافر مع المسؤوليات العائلية لا يترك مجالا لاعمال الذهن حيث يصبح الفرد أكثر حاجة للتسلية في أوقات الفراغ لاعادة الحيوية للنفس المنهكة من أجل استرداد العافية في مواجهة معترك الحياة.
ومن هنا تصبح التلفزة،صباحا، مساءا ويوم الأحد، الأنيس والجليس ويصبح جرائد الاثارة رفيقة درب القهوة والسيجارة الصباحية للاطلاع على أحوال الدنيا ونيل نصيب من « المعرفة » من باب أضعف الايمان. كما أن كارثة غياب التفكير النقدي في جميع مراحل التعليم يجعل كل ما يُطبع ويقال في أجهزة رسميّة الحقيقة ذاتها.
لكن جولة طويلة أو قصيرة مع هاته المحاميل « الاخبارية / المعرفية » في العالم العربي يمكن أن تــُقنع أيّ ذي عقل أنها أدوات تجهيل ونشر الأميّة العصاميّة على كل الأصعدة: الدينية والعلميّة والأدبيّة حيث تتحوّل بسهولة برامج تحبيب المطالعة وتقريب الكتاب للمشاهد الى برامج تنفير وتمجيج.

وللحديث بقية

(1) H. Laborit, La Nouvelle Grille.. Pour décoder le message humain , Édition: Robert Laffont

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire