banner

1 – الفن الغنائي بين الابداع والاستهلاك

بقلم: كريم السّــمعلي

ان حاجة الانسان الى الفنّ ابداعا و استهلاكا ليست بجديدة. و من المُتأكّد أنّ الرّسم قد سبق الكلمة و المشهد قد سبق الجُملة من حيث هو وسيلة تواصل. و قد كان الرسم دائما شاهدا على عصره، على تركيبة المجتمع و هيكلته و تنظيمه. فيكفي دراسة مشاهد القنص على جدرا ن الكهوف لاستجلاء الظواهر الحياتية لانسان الكهوف و مارافقها من أفراح و آلام ظلت منحوتة على الصّخر شاهدة على ابداع الانسان البدائي.

ليس القصد في هذه المقالة هو اثبات العلاقة بين الابداع الفنّي و تطوّر الانسانية و هيكلتها الاجتماعية و الفكريّة فهذا الأمر مفروغ ٌ منه. لكن الأكثر أهمية من ذلك هو استجلاء ما اذا كان للفن دورا فاعلا في تنمية الوعي و تطوّر الانسان. فكيف يمكن اليوم و في هذا العصر ترسيخ هذا الدور في ديناميكيةٍ تُمكــّـنه من تجاوز طبيعته البحتة للانخراط في دور حضاري. فالمشكلية المطروحة اذن: هل يمكن للفن العربي اليوم و في هذه الظروف الحضارية الصعبة أن يلعب دورا؟ و ماهي ماهيّة هذا الدّور ان كان؟

الفنـّانون الحقيقيـّون و المبدعون سواءٌ كان ذلك في الميدان الفنّي أو الفكري هم بناة المستقبل وأصحاب مشاريع حضارية. فلا شيىء يوجد في الواقع ان لم يُبنى في الخيال. هذه حقيقة علميّة لصيقة بكنه الكائن البشري. فللخيال الانساني دور أساسي في تصوّر الغد المنشود. وهذا التصوّر الابداعي بطبيعته سابق لزمانه فلا غرابة اذن أن يعيش المبدعون الحقيقيون احساس الغربة و الاغتراب في مجتمعاتهم ولا تـُدرَكَ قيمتهم الحقيقية الاّ بعد زوالهم أي بعد أن تتطوّر الرؤية الجماعية  لتلحق بالرؤية الفردية للفنان التي تُصبحُ قيمة ثقافية تجتمع حولها النخبة أو العامّة. وهذا ما عبّر عنه علي الدوعاجي في أغنية فنان الغلبة.

فاذا ما أخذنا الشعر و الأغنية كنمطين فنيين الأكثر شيوعا في العالم العربي كمقياس يمكننا أن نستنتج من خلال تنويعات هذا الفن و مدارسه اذا ما كان له دورا فاعلا أم لا بحسب ما ترسّخ في الضمير الجمعي. فسنحاول فيما يأتي استجلاء هذا الدّور عبر وصف مختلف المدارس و مارسّخته في أذواقنا و وعينا.

1) الغناء اللاّتاريخي: النصوص الشعرية المتعلـّقة بالأحاسيس الانسانية الفطرية كالحب و الكره، الحزن و الفرحة و التساؤل الوجودي الخ لا تنخرط في واقع جمعي بل في واقع انساني فردي  و لا تاريخية هذه الابداعات نسبية من حيث لا يعني هذا أن احاسيس الشعراء في القرن الحالي هي ذاتها من قرون خلت و انما يمكن استجلاء تاريخيّة ما. انما نعت اللاّ تاريخية هنا يشير الى العزلة عن أي واقع تاريخي و سوسيولوجي. هذا النوع من الفن و ان كان الأكثر رواجا فهو مهمّ جدّا في استجلاء طبيعة العلاقة بين الأفراد و مركز حيرتهم وبالتالي ابداعهم. و في هذا النوع تؤول الغلبة أساسا للناحية الجمالية الخالصة التي تتمكن من البقاء و الاستمرارْ عبر اللأجيال لتصبح المرجع و الدّرس الأساسي. فلا أحد يمكن أن يُنكر اليوم مثلا أن دور »يا غصن نقا مكلـّلا بالذهب » للسيد درويش رائعة فنية عبرت الأجيال و رسّخت عبر لا تاريخيتها مضمونا شعريا و جماليا لا تناقش قيمته. و لا بد هنا من التلميح بأن ماوصلنا من التراث قد مرّ عبر مراحل من الانتقاء ليُضمن له البقاء. فما أحبّه النـّاس و استساغوه و ردّدوه هو ما مكّن الذاكرة الجمعيّة من الحفاظ عليه و لذا اذ يبدو لنا كلّه جميلا فلأن القبيح منه و اللاّ مهم قد غمره النسيان و لم يتمكن من الوصول الينا.

2) الغناء الردّ فعلي: هذا النوع من الغناء يـُشكـّل انخراطا في واقع معيش لكنه في نفس الوقت مناسباتي و لا يشكّل خطا فنيا مسترسلا. فكذا كلما حلّت كارثة أو وقع انجاز ما الاّ وهبّ فنانو المدرسة اللآتاريخية للانخراط في الأحداث: احتلال فلسطين – أصبح عندي الآن بندقية (محمد عبد الوهاب). بناء السد العالي – أغنية تحويل السد (ام كلثوم) أحداث بنزرت – بني وطني (عليّة).

وقد يحصل أن يكون ردّ الفعل خياليا لكنه ليس من باب الخيال الابداعي انما من باب الخيال المرضي بما فيه من تضخيم للذات اجماعية و اثنومركزيّة (ethnocentrisme)  يمكن أن تصل حد السكيزوفرينيا. فمثلا ماذا تعني أغنية احنا الجود احنا الكرم الخ.. في واقع عربي رديىء نحن أبعد فيه مانكون عن هذه القيم الماضية التي بقيت في المخيال الجمعي دون أن يكون لها أيّ مقاس في الواقع؟ فالعربي الحر الأصيل الشامخ على كل القمم كما ترددهُ الأغنية هو في حقيقة الأمر العربي المُهان المشروخ الوجدان المطروح في أسفل قمقم.

أن الخيال الفنّي اذا أستعمل كردّ فعل و بطريقة عُصابية، أي الاحساس بالمذلة و الهزيمة و التعويض عنهما باحساس الانتماء الى حضارة عظيمة قد خبت من قرون، لا يولّد الا نوعا من الانفصام المرضي و ما يترتب عنه من سلوكات لا عقلانية و لا متّزنة. و يمكن استعراض الكثير من الأمثلة التي تنفخ في الناس مشاعرا لا سند لها في الواقع و هو ما يزيد آلامهم لأن البون بين الأحلام و الطموحات من جهة و بين الأوهام من جهة أخرى شاسع و الوعي به يُخلـّف مرارة عميقة. فهذه الأغاني الردّ فعليّة لا تقلّ تخديريّة عن بعض الأغاني اللاّتاريخية و التي مغزاها الوحيد هو خلق حالة طرب تغييبي تجعل المستمع في نشوة.(extase)

3) الغناء التـّجاري: ظهور الغناء التجاري في العالم العربي ظاهرة حديثة. فهو مرتبط بانتقال المجتمعات العربية الى مجتمعات استهلاكية على طريقة مستنسخة عن المجتمعات الغربية. و الفلسفة الاستهلاكية معروفة و واضحة المعالم: مادام هناك حاجة معلنة أو خفية فلا بد من صنع بضاعة لتسديد تلك الحاجة. هي اذن خاضعة لمنطق العرض و الطلب و حاجيات السوق. فشعراء و مغنو هذا النمط مرتبطون بواقع سوقهم لأن بضاعتهم ينبغي أن تـُروّج بسرعة و في مدة وجيزة و بأعداد وافرة لكي توفر الربح المطلوب. فكأي بضاعة تـُصبح المبيعات هي مأشـّر الجودة و دليلا على  » دمقرطة » الذوق الفني. ان الصناعة الفنية تُفهم جيدا في المجتمعات المابعد صناعية حسب تطوّرها الاجتماعي و الاقتصادي لكنها تبقى مُبهمة في المجتمع العربي و لا يُمكن الاّ أن تزيد في حالة الاغتراب الذي يعيشه العامّة.

انّ المجتمعات العربية لم تتطوّر بعد الى اقتصاد السوق و آلياته الاّ بصورة سطحية تقليدا أكثر منه تغييرا في هيكل المعاملات. و قد جرّت هذه الموجة كثيرا من الفنانين الذين لم يعد يُميّزهم عن الفنانين الغربيين شيىء لا مظهرا و لا أسلوبا و لا تناولا فنيا و كأنهم لم يدركوا أن تبضيغ العمل الفني هو بالأساس تبضيع للفنان و جرّه وراء قيود حاجيات السوق و المروّجين. وبما أنه لا ابداع بلا حريّة فاننا نواجه أكثر حرفيّي موسيقى و غناء لا فنانين مبدعين.

ويُكنّى هذا النوع من الأغاني بكثير من الأوصاف فيـُـتحدّثُ مثلا عن الأغنية الخفيفة و الايقاعية و الشبابية الخ. انّني أعتقد أن أحسن وصف لها هو الأغنية الشعبويّة أو السوقيّة (نسبة الى السوق). فهي من الغناء ماهو الخطاب الشعبوي من السياسة يعني استغلال العواطف  و فطرة الانسان لتهييج أحاسيسه و أفكاره و لو لمدة قصيرة و تغييب وعيه عن الواقع المرير.

ان منطق العرض و الطلب و الربح على مدى قصير منطق تجاري بحت. فتبضيع العمل الفني و الصناعة الفنية عموما أصبح أمرًا لا مفرّ منه الا عن طريق فنانين أصليين لم يُغرهم القفز على المسارح لتهييج الجماهير انما جعلوا مدخلهم الى الرّوح عبر الأذن والفكر و الذوق. و لا ينبغي الخلط هنا بين الأغنية الشعبية الأصيلة و الأغاني التجارية الشعبوية. فان فخ التجارية الشعبويّة يوقع الكثيرين أيا كانت المدرسة التي ينتمون اليها.

4) الأغنية الملتزمة: هي بالأساس فنّ منخرط في جدلية تاريخية. وهو فن معارض للسائد من المدارس الفنية لأنه ذو رسالة واضحة و منحاز أساسا للمُعذبين في الأرض في كل المجتمعات. وهو كذلك موقف من كل ما يجري في الساحة و محرك للوعي أكثر منه تحريكا للأحاسيس. لقد بدأت هذه المدرسة في العالم العربي مع السيد درويش و أشعار بيرم التونسي لكن الذي رسذخها بفعل كمدرسة واضحة المعالم هو بالتأكيد الشيخ امام عيسى ثم الرحابنة و مرسال خليفة و تطول القائمة بعد ذلك من التجارب التي تستحقّ الذكر. ان ميزة هذه المدرسة هو اعتمادها على الاستهزاء و السخرية وهي بذلك امتداد لفن الكاريكاتير الذي لم يجد حظا كبيرا في العالم العربي لأن روح المزاح و تقبّل النقد الساخر ليست من خصال أصحاب القرار المُستهدفين به أساسا و ليس من طباع الشخصية العربية العُصابية المتوجّمة عموما.

فجملة « ان شاالله يخربها مداين عبد الجبّار » اشارة الى عبد الناصر كلّفت امام و نجم الحكم بالسجن المؤبّد. و صور ناجي العلي العميقة السخرية كلـّفته حياته.

ان الأغنية الملتزمة تخرج عن النمط المألوف كلمة و أسلوبا و لحنا. و اذا أضفنا تعاطيها السياسي مع مايدور حول الفنانين المبدعين من أحداث يمكن أن نفهم بسهولة الحصار المضروب عليها من سنين. و لن يُرفع هذا الحصار الرسمي مادامت دار لقمان على حالها. فهي أغنية منخرطة كامل الانخراط في الواقع و في تاريخية الأحداث.

أما عن القيمة الفنية فهي ككل المدارس الأخرى لها و عليها. فليس المضمون العاطفي للكلمات و المعاني هو الذي يحدد جماليتها انما تناولها الفني و الموسيقي. ففيها الرائع و فيها المتوسط و فيها الرديء و هذا تعميمٌ ينطبق على كل المدارس الأخرى. لكن رسالة الأغنية الملتزمة كما يُريد لها مؤسسوها ان تكون هي ايقاظ الوعي بحقائق الأمور و تشكيل هذا الوعي بطريقة واقعية موضوعية لا تنفي عنها جماليتها. لكن هل هذا كاف ليتحوّل  هذا النمط الفني الى فاعل تاريخي؟

لقد شُهر الشيخ امام مثلا بأنّ أغانيه كانت تُخرجُ مظاهرات الاحتجاج من أسوار الجامعة الى الشارع المصري. وانها كانت الوقود النـّضالي لجيل كامل مختلف المذاهب و الانتماءات الايديولوجية.

خلاصة :

ان الدراسات السيولوجية تنقصنا كثيرا في العالم العربي لفهم الظواهر و تحديد فعلها في الواقع. ففي فرنسا مثلا أثبت المفكـّر و الباحث السيولوجي آلآن توران  أنّ العمل الجمعي (action collective)  كان له تأثير على هيكلة المجتمع الفرنسي و قد تناول بالدراسة أحداث ماي 1968 و التحركات النقابية. فباب الدراسة اذن مفتوح لاستجلاء حقيقة اذا  كان للفن الملتزم قد ساهم بشيىء على هذا الصعيد أم أنه لم يكن الا مُـتـنـفـّسا لاحتقان الأحاسيس و المشاعر السلبية على صعيد فردي و جمعي. سيظل السؤال اذن قائما و مفتوحا للبحث العلمي الجاد. و لم يكن المقصد من هذه المقالة اعطاء اجابة ضافية شافية بقدر ماهو تساؤل و دعوة لدراسة ظاهرة الفن كمحرك حضاري لا كمادة استهلاكية.

و للحديث بقية

مونتريال 7 أكتوبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire