banner

11 – الخروج من سجن الثقافة

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد تكرّر و تواتر استعمالي لعبارة « سجن الثقافة » سواء كان ذلك في المقالات السابقة أو في بعض قصائد المجموعات الشعرية المنشورة بالموقع. وأعتقد أنه حان الأوان لتحليل و تفكيك هذه العبارة لِمَ لها من أهمية. و الثقافة مفهوم معقـّد و له من التعريفات عدد المُعرّفين له و عدد اختصاصاتهم   (فلسفة، انثروبولوجيا، علم اجتماع …الخ) لذا وجب تبنّي تعريف محدّد لمفهوم الثقافة نجعل منه منطلقنا. و هذا لا يعني أن التعريفات الأخرى أقل أهمية أو أقل مُقاربة للواقع. فكأي مفهوم معقد تتعدد تعريفاته لأن أي انارة له من جهة معينة تُعطيه تعريفا مختلفا لكن كل هذه التعريفات تكمّل بعضها بعضا. و من حيث أنه لا بد من اختيار تعريف ما و تسليط انارة ما فان التعريف الذي نتبناه هو التالي:  » الثقافة هي مُجمل الأحكام المُسبقة التي نتلقاها عن النفس و عن الغير عن طريق التربية و التمرين الاجتماعي (Condtionnement social)  » فهكذا عرّف هنري لابوريت الثقافة أو بالأحرى الثقافة الاجتماعية (socio-culture) .فسنحاول من خلال هذا المقال أن نفسّر مدى أهمية الثقافة في تكوين الذات الفردية و الجماعية و خصوصا ربط قيم ثقافة ما بالهوية، القيم الفردية، النزعة السلوكية و السلوك ذاته. و سنركز على الفرد كوحدة تحليل للربط بين المحيط و الوعي الفردي الذي يمثل المصفاة التي تمرّ عبرها القيم المُحيطة الى الذات لتساهم في هيكلتها و تبلورها.1) الثقافة محيطٌ سابق للفرد

ينبغي التسليم اولا بأن الثقافة سابقة للفرد. و ان كانت الثقافة ككل شيىء في الكون خاضعة لقانون التطوّر و التغيير فان الردهة الزمنية التي تتطور عبرها أطول بكثير من عمر الفرد. فزمنيا تتغير الثقافات من خلال مراحل عمر الحضارة التي تشكل الثقافة أحد ركائزها. و يُمكن أن يكون هذا النسق سريعا أو بطيئا بحسب الارادة الجماعية و البرامج السياسية و الظروف الحضارية للرقعة الجغرافية المعنية. فيُمكن القول مثلا أن الثقافة الصناعية لليابان تغيرت تغيرا جذريا خلال ثلاثة عشريات و هذا صحيح. و يُمكن القول بأن الثقافة الاجتماعية التونسية تغيرت تغيرا جذريا منذ دستور 1956. لكن بالنسبة لعمر الفرد فلا ترى هذه التغيرات و لا تُحسّ بنفس السرعة التي يشهد عليها الزمن التاريخي.

فلنقل اذن أن  الفرد منذ نشأته و من خلال ظروف مجتمعه و بيئته الأولى يكوّن وعيه من خلال ثقافة اجتماعية سابقة الوجود له. وأن التربية أي تمرين السلوك حسب قيم معيّنة هي التي تحدد ثقافته الفردية. فالثقافة هي ما توارثته المجتمعات من قيم للمحافظة على مقوّماتها و استمرارها. و يمكن هنا الحديث عن غريزة بقاء اجتماعية. و لا ننكر أيضا بأن الأفراد بأفكارهم و بفعلهم، بتقبّلهم و برفضهم، كما في محاولاتهم لخلق عالم مثالي لهم شديدو التأثير على تغيير و تطويرنفس تلك الثقافة التي تسجنهم في مفاهيمها و أحكامها القيمية. فالشيىء الوحيد الذي لا يتغير هو التغيير ذاته كما أشرنا الى ذلك مُسبقا. فمن أسبقية الثقافة في التأثير على الفرد ننطلق في تحليلنا القادم.

2) العلاقة الهرمية بين الهوية، القيم، النزعة السلوكية و السلوك

منذ الولادة و النشأة الأولى يبدأ مشروع المجتمع عن طريق العائلة في تربية الفرد ليكون عنصرا صالحا و فاعلا. وهذه التربية ليست الا ّ تمرين السلوك و ترويضه من خلال سلّم قيمي سابق الوجود: الجائز/الممنوع، الحلال/ الحرام، الجميل/القبيح، المُحبب/الممجوج ..الخ. و كلّ سلوك ينتج عن الفرد يلقى اجابة من المحيط تُدعّمه ايجابيا (renforcement positif) لتكرار ذلك السلوك أو سلبيا (renforcement négatif) لاجتنابه و الاقلاع عنه.

ولقد أمكن للسيكولوجيين، خصوصا أصحاب المذهب السلوكي (psycologie behavioriste et comportementale) أن يشكلو نظرية الهرمية بين الهوية ، القيم، الاستعداد أو النزعة السلوكية ثم السلوك ذاته. و مُفاد هذه النظرية أن الهوية المُكتنزة في كل فرد هي التي تقف وراء مجمل السلوكات الاجتماعية حسب الموقف و الظروف المحيطة. و سنأخذ بعض الأمثلة للتدليل و تبسيط هذه المفاهيم التي قد تبدو لأول وهلة غريبة أو صعبة لمن لم تمكنه دراسته أومطالعاته من التعوّد على هذه المفاهيم.

ولنأخذ أول درجة من هرم الهويات وهي الهوية الجنسية (identité sexuelle). فأي مجتمع، سواء كان المجتمع الأوروبي أو قبيلة منعزلة في سفح جبال الهمالايا، لها تعريفاتها لما يخص الهوية الذكورية و الأنثوية أي ما يقتضيه ذلك التعريف من قيم و سلوكات. و لها سلّم قيمي يخص التمييز بين الرجل و المرأة فيما يخص سلوكهما الاجتماعي و مُقوّمات هويتهما الرجالية و النسائية. فعندما تقول أمّ أو أب لطفل في الثالثة من عمره: »لا تبك فأنت رجلٌ و الرجال لا ينبغي أن يبكون » فهي تمنعه من القيام بسلوك طبيعي هو البكاء للتعبير عن الحزن أو الغضب لأن هويته الذكورية ليس من قيمها الاتيان بذلك السلوك. و هكذا يتم في ذهنية الطفل التي هي بصدد التشكل قرن هويته الذكورية بسلوكه (البكاء) عبر استبطان قيمة تعالي الجنس الذكوري عن التعبير عن الألم بالبكاء الذي يمثل ضعفا ليس من شيم الرجال. و منها يكوّن الطفل عبر التمرين استعداد أو نزعة سلوكية (attitude) تُغلّب عدم تعاطي السلوكات التي تتنافى مع هويّته.

وبما أن أي مفهوم لا يمكن تحديده الاّ بمضادّة مفهوم آخر فيتعلّم الطفل في نفس الوقت أن البكاء مسموح للبنات و ليس للذكور حتى أنه عندما يستبطن الأطفال في نضارة العمر هذه القيم فأنهم يقومون بترسيخها بينهم. فلا غرابة أن تجد طفل السابعة من العمر يَنْهى طفل الرابعة عن البكاء مشبها اياه بالبنت ان استمر في هذا السلوك. و من هنا يُبنى في مُخيلة الأطفال و بالتالي في هيكلتهم المعرفية  (structure cognitive) لا تحديدا لمعنى هويتهم الذكورية فحسب و انما تمثـّلٌ (représentation) للهوية الأنثوية أيضا.

ويمكن أن نعدّد بلا حصر مثل هذه الأمثلة التي تـَقرِنُ السلوك بالهويّة مرورا بالقيو و النزعات السلوكية لكن ليست هذه هي غاية المقال فهناك ماهو أهم. و الأهم هو فهم نظرة الفيلسوف الفرنسي ادقار موران(Edgar Morin) أن الهويات المُتعددة للفرد تتكون و تتطور في دوائر أحاديّة المركز (co-centrique) و أنّ أي هوية منخرطة في هويّة تشملها و تأثر عليها. فالهوية الجنسية منخرطة في الهوية العائلية المنخرطة في الهوية القبلية المنخرطة بدوها في الهوية الاجتماعية و هلمّ جرّا حتى نصل الى مستوى الهوية الانسانية و الحيوانية للانسان. و كل طبقة من طبقات هذه الهيكلة تأثر و تتأثر بالطبقات الأخرى في جدلية دينامكية هي من صلب التطوّر. و منها نفهم أن الهوية الذكورية لفلاح من مجتمع قروي لم يدخل طول حياته المدرسة تختلف تماما عن الهوية الذكورية لرجل حضري من عائلة بورجوازية درس في المدارس الأوروبية.

فأن تقول الجدة لأحفادها أنّ كونهم من عائلة فلان بن فلان لا ينبغي لهم أن يتصرّفوا بالشكل كذا و كذا هو من باب أن الهويّة العائلية و مجموع أحكامها القيمية ينبغي أن تستمر عبر سلوكات الأفراد المنخرطين في هوية تلك العائلة. ففي كل وضعية يتصرّف الفرد عبر مخزون قيمه و الهويات المتعددة التي تكتنز تلك القيم. لكن الملاحظ يستنتج أن كثيرا من مآسي قرون الحضارة الأخيرة هي تكلّس تلك الهويات و انحباسها في مستواها القومي (الحروب العالمية للقرن العشرين) أو الديني (حروب القرون الوسطى في اوروبا و حروب القرن الواحد و العشرين تحت شعار صدام الحضارات).ففي هذه المستويات القوميّة و الدينيّة يكمن سجن الثقافة المُعاصرة.

فعدم النفوذ الى المستوى الانساني وهيمنة هذا المستوى على باقي المستويات هو وراء أهوال مانرى من حروب و نزاعات اثنية خلـّفت الملايين من القتلى باسم الهوية وباسم هيمنة هويّة على هويّة و عنصر على عنصرباسم أحقيتها أن تكون هي العليا و ما عاداها من الهويات و الثقافات هي السفلى. و ان خلاص الانسانية هو ارتقاء الهوية الانسانية الى أعلى سلّم الهرم حيث تصبح لها أولوية قيميّة في تحدد السلوك خصوصا السلوك الجماعي. لكن القرن الواحد و العشرين شكـّل تراجعا ملحوظا على هاته المسيرة التي بدأت في أواخر القرن العشرين.

3) الخروج من سجن الثقافة

فما معنى سجن الثقافة و كيف الخروج منه؟ نعيدُ و نقول أن الثقافة هي المحيط الذي يطبع أحكامه المسبقة على كل طبقات الهويّات المتعددة التي يكتسبها الفرد و التي تأثر على سلوكه بطريقة لاواعية. و هذا اللاّوعي المتأتّي من التمرين الاجتماعي الثـقافي هو حسب هنري لابوريت أقوى و أشد تأثيرا على السلوكات من اللاوعي في تعريفه الفرويدي. و بما أن  هذه الثقافة المُمررة الى اللاوعي الفردي و المُهيكلة له هي بالأساس مجموع أحكام مُسبقة (ايجابية و سلبية) فالسجن يتمثل في أمرين (1) عدم أخذ أية مسافة مع هاته الأحكام و نقدها اذ أنها مغلغلة في اللاوعي و من طبيعة اللاوعي هو عدم التخلص من من ذاته (2) هو الانحسار في مستوى تنظيمي داخل الهيكلة الهرمية للهويات دون الارتقاء الى المستوى الانساني لمحاولة فهم الآخر و الذات وهو ما يُأدّي الى روح التسامح مع الهويات المختلفة عنا حتى لا نعتبرها دائما معادية لنا. و هذا الأمر ينطبق على كل الهويات و كل الثقافات الموجودة بدون استثناء.

ان من طبيعة الحُكم المُسبق- ايجابيا كان أم سلبيا – أن يكون مجانبا للواقع و الحقيقة لأنه لا ينطلق موضوعيا من خصائص الأمر المحكوم فيه أو عليه انّما من من الفكرة الثابة و الراسخة في الفكر و الوجدان. و من هنا تأتي حقيقة المقولة الفرنسية بأن الأعمى هو الذي لا يُريد أن يرى. و لقد برهن السيكولوجيون في هذا المجال أنّ أصحاب الأحكام المُسبقة في مُقاربتهم للواقع لاينظرون في سلوكات الآخر الاّ ما يدعّم و يُقوّي أحكامهم المسبقة. و بهذا تُصبح كلأ ثقافة مُغلقة تعلّى اسوارها حول نفسها حتى تصبح هذه الأسوار تابوتها و قبرها.

4) نحو فهم ديناميكي للهوية

ان الخلاص من هذا السجن و الخروج منه هو بالأساس الخروج من الدوائر المغلقة الى الدوائرالمفتوحة و ذلك بجعل الهوية الانسانية فوق كل الهويات و الانتماءات الأخرى و لقد أصبح هذا التمشي ضروريا مع ضيق أرض الله الواسعة و تقارب الثقافات و احتكاكاتها. و ليس هذا الأمر بالسهل فحتى منظرو الانسانوية لا يتفقون على مفاهيم مُوحدة. فيظل هذا الحلم شاعريا في حين أن لكل الدرجات السفلى من الهويات ممارستها الراسخة في الضمير الفردي و الجماعي ولها نظرياتها (النظريات القومية و الدينية).

 ولن يتم هذا الخلاص على مستوى فردي و جماعي الا عن طريق الوعي الفردي و الجمعي في اعادة تشكله المستمرّة وفي قدرته على النقد الذاتي و التجاوز و قدرته على الأخذ بكل معطيات المُحيط ايجابية كانت أم سلبية لاعادة هيكلة الهوية بطريقة ديناميكية متفتحتة.

ان الخروج من النـّرجسية اللاّواعية فرديّا و الاثنومركزية جماعـيّا هو عمل لا يتطلب فقط الكثير من الجهد بل عملا دؤوبا مستمرّا و تفتحا كاملا على الآخر. فنظرة الآخر هي من مكوّنات هويتنا على جميع مُستوياتها. فنحن من يقول الآخرون ماذا نكون كما يقول الفرنسيون (nous sommes ce que les autres disent de nous). فاذا استمر الرفض للآخردائما على أساس أنه العدوّ المُستهدف لهويتنا و مقوماتها، و لثـقافتـنا و وثوابتها فان باب الحوار سيظلّ مغلقا وأسوار الثقافة/الهوية ستظل عالية و غير قابلة للتجاوز. ففي عالمٍ الثابت الوحيد فيه هو الحركة – و بما أن هذه الحركة يتسارع نسقها يوما بعد يوم – فان رفض الآخر و رفض الانخراط في الحركة و مساءلة الذات هو أقرب طريق للتكلـّس ثم الهلاك.

فكما أن للثقافة أثرها الواضح في هيكلة الفرد فان للفرد القدرة على فهم و استعاب و رفض هذه الهيكلة و بالتالي للفرد القدرة على هيكلة الثقافة و قيمها.

مونتريال ديسمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire