banner

12 – سقوط المنظومة الشيوعية: الأسباب والتداعيات

بقلم: كريم السّــمعلي

من الثورة البلشفية لسنة 1917 الى سقوط جدار برلين سنة 1989 حققت المنظومة الشيوعية رقما قياسيا من حيث قِصر حياة امبراطورية غيرت و شكـّلت خارطة العالم للقرن العشرين. اذ أنها لم تتجاوز معدّل أعمار البشر في حين أنه من المفروض أن يكون معدّل عمر الدول و المنظومات أطول بكثير من معدّل أعمار الأفراد. فماهي أسباب ذلك السقوط السريع وماهي الدروس و العبر التي يمكن استجلاؤها من تلك التجربة؟الأخطاء النظرية

1) طبيعة الانسان

ان أي نظرية اقتصادية أو سياسية أو حتى فيزيائية و بيولوجية تُبنى على فرضيّات و مُسلـّمات. و في خصوص طبيعة الكائن البشري و كنهه انطلقت الماركسية من كون المساواتية  (égalitarisme) و اشباع الحاجات الاقتصادية للفرد كفيلتين بسعادته و انخراطه في المنظومة الشمولية التي بمقتضاها تكون للمجموعة الكلمة العليا. و بذلك ينصهر الأفراد في ميكانيكا الدولة الكليانية فتصبح بذلك نجاحات المجموعة مرادفة لنجاح الفرد مع بقاءها ذات الأولوية الاولى. و المساوتية هي تساوي الناس جميعا في مستوى دخلهم ومعيشهتم بغض النظر عن مرتبتهم في الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية. و في هذا رفضٌ لأن يكون التمايز في تلك الهيكلة مدعاة لسيطرة القوي على الضعيف و الذكيّ على الأقلّ ذكاءا و المحظوظ على الأقل حظا. فالمساوتية هي اذن مساواة في النتائج و ليست مساواة في الحظوظ كما في النظم الليبرالية. ففي المنظومة الليبرالية ينبغي للدولة أن توفر للأفراد مساواة في الحظوظ لكي يكون تمايزهم نتيجة الربح أو الخسارة في معركة التنافس بينهم. و تُعتبر المرتبة التي يصل اليها الأفراد في هيكلة المجتمع نتيجة لمجهودهم الخاص و امكاناتهم الفردية أي نتيجة لعملهم و ذكائهم. فقد اعتبرت الديمقراطية الرأسمالية الأمريكية المساواة في الحظوظ و حرية الفعل مبداً راسخا يعلو الى مرتبة الرّكن من أركان العقيدة الديمقراطية كما يُحدّثنا عن ذلك ألكسيس دي توكفيل (Alexis de TOCQUEVILLE) في الجزء الثاني من كتابه « عن الديمقراطية في أمريكا ».

لكن المساواتية هي رفض قاطع للمنافسة بين الأفراد داخل الدولة الواحدة و رفض للتمايز. وفي هذا الرفض تناقض مع الواقع اذ أن الهيمنة و المنافسة هي طبيعة الانسان الثابتة كما برهن على ذلك هنري لابوريتHenri Laborit في كتابه La nouvelle grille انطلاقا من علوم البيولوجيا و السلوك الحيواني. و هذا التناقض يتعزز بكون الاتحاد السوفييتي دخل في منافسة شديدة على جميع الأصعدة مع « العالم الحر ». فان أدت هذه المنافسة الى هزيمته و انسحابه من الصراع فلأنه لم يجعل تركيبته الداخلية و هيكلته تسير على نفس قانون المنافسة التي توخاها كوحدة جغرا-سياسية. و الخطأ الثاني هو اعتبار حماسة الفرد واقباله على الحياة  (motivation) مُمكنة بتحجيم حاجاته الاقتصادية منها و الاجتماعية. فالقناعة هي عدوّة الطبيعة البشرية و عدوّة التطوّر في حين أنّ حبّ الظهور  والتميّز و الغلبة الرمزية هي من كنه الطبيعة البشرية علاوة على أنها في كنه دينامكية الخلق والابتكار.

ولان استسلم العامة لهاته القيم الجديدة و ساروا عليها مخيّرين أو مُكرهين فانك تجد أنّ المنافسة كانت على أشدّها داخل الحزب الأوحد لارتقاء المناصب و تحمّل المسؤوليات وما يتبعها من امتيازات. ونـُذكـّر بالصراع التاريخي لخلافة لينين الذي أدّى الى ابعاد تروتسكي ثم اغتياله في منفاه و انفراد ستالين بالسلطة. فهاتة المساواة كانت شعارا و واجهة أكثر من تكريسها واقعا ما عدا المساواة في الفقر المدقع الذي آل بأساتذة الجامعة للاشتغال بقيادة سيارات التاكسي لسدّ حاجاتهم الضرورية سواءا كان ذلك في موسكو عاصمة المنظومة أو في دمشق (فلم التقرير لدريد لحام). فقد آل الأمر الى أن يصبح العامل الغربي أكثر ثراءا من أصحاب المراكزكالمهندسين وأساتذة التعليم حتى وان كانمن أصحاب الأجر الصناعي الأدنى.

2) الصراع الطبقي

لقد بنى ماركس تحليله للمجتمع الصّناعي الانجليزي للقرن الذي عاش فيه على مبدا أن المجتمع منقسم الى طبقتين: البروليتاريا صاحبة الجهد و العمل و البورجوازية المالكة صاحبة رأس المال. وقد أكد ماركس أن هذا الصراع سيؤدي الى نهاية سلطة رأس المال لأنّ قيمة العمل هي العليا. فرأس المال ليس الا عملا ميـّتا حسب المقولة الماركسية. ولقد تنبأ ماركس بنهاية هذا الصراع اذا ما تمكنت البروليتاريا بتوحيد وعيها نحو الاستغلال التي تقاسي منه و أن تستردّ سلطتها و سيادتها علي الثروة وذلك عن طريق الثورة. و ذاك ما حصل فعلا في روسيا البلشفية.

وفي الحقيقة فان أهم علماء القرن التاسع عشر و العشرين تبنّوا الصّراع كمبدأ ثابت و مفهو م مركزي لفهم العديد من الظواهر. فالداروينية و نظريّة النشوء و الارتقاء مبنيّة على صراع الأنواع الحيوانية مع التغيّرات المناخية والطبيعية لاستمرارها و بقائها. و سيقموند فرويد فاجأ عصره بنظرية التحليل النفسي المبنية على الصراع بين الهو(le ça) و الأنا الأعلى (le sur moi) التي يرث منه الأنا (le moi) هيكلته العُصابية في حين كان يُعتقد أن الرّوح أو النفس وِحْدَةٌ صمّاء لا تتجزّأ. لكن في حين جعل كلٌّ من داروين و فرويد الصّراع محرّكا أبديّا، أعلن ماركس امكانية انتهاء هذا الصّراع بمجرّد ان يرجع القرار و السلطة الى أصحاب العمل. و هذا التحليل خاطئ على مستويين :

(1) تقسيم المجتمع الى طبقتين فحسب و حصر الصراع بينهما هو من باب التفكير التبسيطي (simpliste)الذي لا يعكس الواقع. فان كان ماركس قد ركز دراسته على المجتمع الأنجليزي أو الألماني  من خلال تجربة الثورة الصناعية الأولى فانه لم يكن من الممكن له التنبأ بتطوّر الهيكلة الاجتماعية للمجتمعات الصناعية والمابعد صناعية. انه من المستحيل اليوم تقسيم طبقات أي مجتمع – حتى مجتمعات العالم الثالث التي تمرّ بالمرحلة الصناعية – بهذه البساطة.

(2) الاعتقاد بامكانية انتهاء الصراع: انه من الصّعب جدا وضع الصّراع من أجل المال و السلطة و استملاك وسائل الانتاج فقط في محور هذا الصراع. فالمادية الماركسية، مع ما حملته من تغيير جذري في نظرتنا للتاريخ، أغفلت أن الانسان من التعقيد بمكان حتى أنه على افتراض أنه سُوّيت كل مشاكله السّلطويّة والاقتصادية فسوف يخلق ما يُتَصارعُ عليه حتى و لو كانت أفكارا و رُموزا. فكيف يُمكن للذي أثبت و برهن على أن الصّراع هو محرّك التاريخ أن يعتقد أنه بالفعل السياسي وحده يُمكن أن يتوقف ذلك المحرّك فيعود الانسان الى جنّته المفقودة حيث يتساوى كل الناس وحيث تتكفل الدولة بتلبية كل الحاجات و حيث يعمل الكلّ من أجل سعادة و مصلحة الكلّ. أليست هذه النبوءة بعبارة عن توقـّف التاريخ ذاته؟

3) نظرية القيمة

تستوي النظرية الماركسية في كتاب رأس المال مع النظريّة الرأسمالية في كتاب البحث عن أسباب ثراء الأمم لآدم سميث في اعتماد نفس نظرية القيمة. فمعادلة القيمة التي لا زالت تـُدرّس الى حدّ الآن في كل مدارس علوم التجارة و الاقتصاد تعتمد على مُتغيرتيتن (variables) هما العمل و رأس المال على أساس أنهما المحددان للقيمة. و لقد بُني الاقتصاد و علومه و مختلف شعبه على أساس هاتين المتغيرتيتن و تفنن الرياضيون و الاحصائيون في انشاء النظريات المعتمدة على القياسات المختلفة من أجل  بلوغ الدرجة القصوى  للقيمة (maximisation de la valeur).

لكن العلوم الحديثة تدعونا الى مراجعة نظرية القيمة كما حددتها علوم المجتمع الصناعي الأول. فان المعلومة دخلت في هذه المعادلة دون أن تكون سهلة التحديد و القياس كما هو الشأن بالنسبة للعمل ورأس المال. فالمعلومة هي المعلومة و ليست بطاقة (العمل) و لا بمادّة (رأس المال) كما يقول Winner. وانما هي منصهرة في العمل و المادة و لايمكن فرزها و استخراجها (isolation de variable) لقياس قيمتها. و مع هذه النظرية التي تحتل فيها المعلومة مرتبة في غاية من الأهمية دون امكانية عزلها عن المادة و الطاقة أي عن رأس المال و العمل تختلط أوراق نظرية القيمة السابقة و تُصبح غير صالحة بالمرّة كمقياس للقيمة. لكن الاقتصاديين بتقاليدهم العلمية و مؤهلاتهم المعرفية لم يتمكنوا من ادخال هذه المتغيرة الجديدة في المعادلة فتراهم غالبا يبررون عجز و قصور نظرياتهم بدون المساس بها و الاعتراف بقصرها. مما جعل أحدهم يستهزأ بعلماء الاقتصاد بطرقة كاريكاتورية حيث يقال: « ان الاقتصادين هم أناس يقضّون نصف عمرهم في بناء نظريات اقتصادية والنصف الثاني من اعمارهم في تفسير لما كانت تلك النظريات عاجزة على التأثير في الواقع »

فان كان ماركس و آدم سميث يتقاسمان نفس القناعة بمعادلة القيمة فان الاختلاف بينهما بائن وهو بالأساس سياسي. أي من هو أحق بتلك القيمة و السلطة التي تترتب عن امتلاكها. ففي حين أن آدم سميث يعتبر أن أغلبية تلك القيمة ينبغي أن تعود لأصحاب رؤوس الأموال لأنهم القادرون على استثمارها و بالتالي خلق ثروات جديدة يقف ماركس بجانب العمّال و يعتبر أنه لا مبرر لوجود طبقة بورجوازية تحتكر الراساميل اذ أن الراسميل ليس الاّ عملا ميّتا أُستلب حيلة و خدعة عن طريق الاستغلال و أن مردود العمل (حيا مان أو ميتا) ينبغي أن يعود الى أصله أي الى طبقة البروليتاريا.

4) معادلة الديمقراطية = الدكتاتورية

الديمقراطية في الايديولوجيا الماركسية ليست غير دكتاتورية البروليتاريا الأغلبية. و ما دون ذلك من التعريفات ليس الا نفاقا بورجوازيا. و من هذا المنظار لا تمثل الديمقراطية الغربية غير دكتاتورية الأقلية مالكة رأس المال. في حين أن الديمقراطية الحقيقية نظرية و ممارسة هي التي و ان أعطت الحكم للأغلبية فهي التي تمكن الأقـليّـة ، كل أقـليّـة من من أن تعبّر عن رأيها و موقفها و أن تصبح هي ذاتها أغلبية عن طريق الحوار و نشر الأفكار وحرّية تداول و تبادل المعلومات و القناعات. ولقد أثبتت التجربة و الواقع أن اي تعريف يساوي الديمقراطية بدكتاتورية طبقة مهما كانت، هو من باب التعصّب و ذرّ الرماد في العيون فقط لتبرير منظومة كليانية تسلّطية. ففي هذه النزعة الدغمائية لا فرق بين مقولتيْ : »الديمقراطية هي دكتاتورية البروليتاريا » و « لاديمقراطية بدون لجان شعبية ». فالقاصي والداني يعرف أن هذه الشعارات فارغة المحتوى و بدون أي دلالة. فأرشيف الستازي بألمانيا الشرقية و السيكورتات في رومانيا و الكي جي بي في روسيا شاهدة على ممارسة الديمقراطية في ظل المنظومة الشيوعية.

و الواقع أحرى بالدرس و التمحيص من المقولات النظرية بالنسبة للدارس العاقل المتطلّع الى حقيقة الأمور بدون غشاوة معرفية (filtre cognitif). ويكفي الغوص في أدب ميلان كوندرا (Milan Kundera) لفهم مدى الخراب الذي خلـّفته ممارسة الأنظمة تحت ألوية المنظومة الشيوعية: خراب نفسي و اجتماعي و انساني، اذ يذكـّرني صديق تشيكي عاش تحت وطأة النظام الشيوعي بمقولة أحد الفلاسفة و الروائين: « ان أفضع ما خلـّفته الشيوعيّة في أوروبا الشرقية هي أنها قتـلت شعور الصّداقة ».

الأخطاء العملية

1) الاقتصاد كمنظومة مغلقة

بما أن الانسان ذو حاجات محدودوة وبما أن الدولة ممثلة البروليتاريا المالكة لوسائل الانتاج كفيلة بتلبية تلك الحاجات فقد بُني اقتصاد بلدان المنظومة الشيوعية على الانغلاق. انغلاق على مستوى التبادل التجاري و المالي و التكنولوجي أو حصره على بلدان نفس المنظومة أي المعسكر الشرقي و كوبا و كوريا الشمالية. لكن سرعان ما أدرك ساسة المنظومة استحالة الانغلاق التام و الاكتفاء الذاتي فاندرجوا كغيرهم في المنظومة الاقتصادية العالمية دون أن تكون هيكلة المجتمع و الاقتصاد داخليا مُهيّأة  و عاكسة لنفس قوانين اللـّعبة. و لقد أدّى هذا التناقض الى تـفقير الفاعلين الاقتصاديين خصوصا من الأُجراء و الى حالة من النفاق حيث أن المؤسسات موجودة كوحدات انتاج لها بعض الاستقلالية لكن أهدافها محدّدة  مُسبقا من طرف المخطـّطين الاقتصاديين للدولة. ويكمن هذا النفاق أيضا في كون أن الهيكلة الاقتصادية التي كانت تفترض محو الفوارق بين الطبقات الاجتماعية أدّت الى عكس ما تدّعيه مع الفارق أن الارتقاء في السلّم الهرمي للسلطة كان مقرونا بالارتقاء في هيكلة السلطة السياسية المُختزلة في الحزب الواحد الأوحد عن طريق الولاء و الزبائنية .

2) محاربة العقيدة و الدين

لقد تعمّدت المنظومة الشيوعية محاربة العقائد الدينية التي تعتبرها من مخلفات المنظومة الاقطاعية و البورجوازية. و قد اعتبر الدين أفيونا للشعوب بتـقليله من آلام المعذبين في الأرض وذلك بوعدهم بسعادة و ربح في عالم غيبي. و ان ممارسة منع ممارسة الشعائر و العقائد أدت الى عكس ما كانت ترتجيه و يبرهن على ذلك الرجوع القوي للتدين الأرثودكسي أساسا في روسيا بعد سقوط المنظومة و هو الدليل على أن أكثر من سبعين عاما من البروباغندا المعادية للمعتقدات لم تمح الحاجة الفطرية الى دين يستدانُ به و شعائر تكرّس بعض الحفاظ على قيم أخلاقية و روح تضامن مبنية على أساس الانتماء المشترك. خصوصا و أن المنظومة لم تعط بديلا للمقدّس الديني سوى تقديس الخطاب الرسمي و الأشخاص المسيطرين على الآلة الحزبية.

فيكفي الرجوع الى المثال البولوني حيث كان الفاتيكان وراء الدعم المادي و المعنوي لحركة سوليدارنوش النقابية التي أتت على نظام الجنرال جاروجيلسكي. و مع كون الطابع الشخصي لثأر البابا جون-بولص الثاني الذي اضطهدته الشيوعية البولونية لا يخفى على أحد الآ أن استعمال العقيدة كأحد الوسائل و الدعامات لاسقاط نظام لم يبق له في القلوب من مكان هي ذات دلالة. فلا يستطيع اي نظام أو منظومة أن تتجاوز و تقفز على الواقع الانساني و من ثوابت هذا الواقع أن الناس يحتاجون الى العقيدة و الشعائر و أن هذه الحاجة لا يمكن أن تتحداها الايديولوجيات بدون رد فعل. فمحاربة العقائد الفردية و الجماعية حربٌ مخسورة مسبقا. و لقد شكلت الحركة العمالية في بولونيا و احتلال افغانستان سنة 1979 المؤشرين الأولين على افلاس هاته المنظومة و سقوطها. لكن المؤلم هو ارتماء الدول الشيوعية السابقة في أحضان الرأسمالية الوحشية مخيّرين بذلك عدم التساوي في الثروات على التساوي في الفقر و الحرمان.

3) الوصاية على الفرد

الوصاية على الفرد، على تفكيره وعلى حريته في التعبير و السفر و الاطلاع كانت أحد ممارسات هذه المنظومة التي استمرت زهاء السبعين عاما. و لقد أورثتنا هذه المنظومة عبر أرشيف الاستخبارات (الستازي، السيكوريتات الكي جي بي) أغنى شهادة على مدى كليانية الدولة ووصايتها على الأفراد. و يكفي الانغماس في المؤلفات الأدبية لميلان كونديرا و رواياته لاستشعار مدى الخراب الذي لحق بالعلاقات الفردية و التي كان أكبر ضحاياها المبدعون و الفنانون و المبتكرون. فما معنى منع الأفراد من السفر لكي لا تتسمم افكارهم بالقيم الرأسمالية غير اعتراف صريح  بهشاشة المنظومة و الايديولوجيا التي تدعمها.

ان المعادلة بين مصلحة الفرد و مصلحة المجموعة دقيقة جدا. و لقد أثبتت النهاية المأساوية للمنظومة أنه لا يستطيع اي نظام بان يقوم على انكار كامل للفرد و حاجاته في سبيل مفهوم مبهم هو المصلحة العامة خصوصا اذا كان من يتبني هذا الخطاب ينتمي هو ذاته الى طبقة لا تبوح باسمها (النومنكلاتورا) تستفرد بالسلطة و بالحقيقة و تعين نفسها  الناطق الرسمي باسم الخير الجماعي.

خلاصة

لا ينبغي لقارىء هذا المقال أن يخلص  لأن كاتب هذا المقال باستجلائه لأسباب سقوط المنظومة الشيوعية انما هو يدافع على الايديولوجيا الرأسمالية. فالمقالات عن خور المنظومة الرأسمالية قادمة، فصبرا قليلا. لكن من الواضح أن اي منظومة لا تحترم الثوابت في الطبيعة الانسانية فرديا و جماعيا مآلها السقوط. و كذلك المنظومات التي تقفز على الواقع الملموس و قوانينه. فما انطبق على المنظومة الشيوعية اقتصاديا يمكن أن ينطبق على المنظومة الاسلاماوية الداعية الى بناء اقتصاد « اسلامي » غير منخرط في المنظومة الاقتصادية و المالية العالمية. ان كل منظومة تضع نصب أعينها تحقيق نظام طوباوي الهدف منه تطبيق ايديولوجيا أو فكرة أو شريعة ما مآلها الانهيار. فالانسان محور الكون ينبغى أن يكون هدف أي مشروع تغييري و أي منظومة و ليست المُثل و العقائد و الشرائع ذاتها اذ لا معنى لها ان لم تمكّن الفرد من أن يكون له مستوى معيشي و ذهني يستجيب لتطلّعاته.

مونتريال  ديسمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire