banner

13 – عن أسباب فشل المُحاولات الاصلاحية في العالم العربي

بقلم: كريم السّــمعلي

لطاما تساءلتُ  بحيرة و مرارة عن الأسباب التي جعلت العالم العربي يؤول الى ما آل اليه من هزيمة و تخلـّف و انكسارْ. مالذي جعل العالم العربي خلاءا لا يُزهر و حتى ان زرع فيه السّكـّر تنبتُ مكانه الشطـّة على حسب تعبير السيد حجاب في أغنية الشيخ امام حطة يابطّة. فكلّ الايديولوجيات قد جُرّبت في كلّ الأقطار تقريبا و كأنّ العالم العربي حقل تجارب للمنظومات الوادرة أو المُفرزة من نفس ذلك الواقع. فقد جُرّبت الشيوعية في اليمن الجنوبي و القوميّة العربية في مصر عبد الناصر والقومية البعثية في العراق و سوريا والاشتراكية التعاضديّة في تونس و الاشتراكية السوفيـتيّة في الجزائر و الاقطاعية في مملكة المغرب وديار آل سعود و من جاورهم و الرأسمالية الليبرالية في تجربة انفتاح السادات في مصر أو في تجربة الهادي نويرة في تونس و الاسلاماوية الجمهورية في السودان. لم يبق لنا الاّ المنظومة البوذيّة التـّيـبيـتـيّة هي التي استعصت على التجريب. كلّ هذه التجارب تكللت باخفاق ساحق جعلنا على شفا جُرف هارٍ وعلى حافة السقوط الحضاري و الوُجودي.وليس من السهل الاجابة على هذا السؤال لأننا نواجه لا فقط نقدا مؤلما للذات و كشف العورات وانما كذلك استشراء التفكير التآمري و رفض الواقع كآلية دفاع نفسية حتى في صفوف المثقفين وقادة الرأي. و مُفاد هذا الموقف أننا النا الى ما النا اليه بسبب الاستعمار و الأعداء الخارجيين الذين لا يُريدون لنا الخير و لا يرتؤون لنا مكانة على خارطة الحضارة. فنحن من خلال هذه النظرة ضحايا لا حول لنا و لا قوّة امام أعداء هويتنا و ديننا … الخ ..

وسنبتعدُ كلّ البُعد عن هذا المنطق في تحليلنا لأنّه الى جانب أنـّه طـَرْحٌ غير مسؤول و غير جدّي فهو ردّ فعلي(réactionnaire). فتشخيصنا للحالة العربية مرادف لتشخيص أعراض مرض الايدز الحضاري (AIDS_ civilisationnel) أي فقدان المناعة المُكتسبة التـّي من دورها الحفاظ على الجسد من الفيروسات و الباكتيريات. فليس من العقل بشيىْ أن نتـّهم الميكروبات و الفيروسات  الموجودة في كلّ انحاء مُحيطنا الايكولوجي بمرضنا اذا كان جهاز المناعة المُكتسبة هو المريض أي فاقد القدرة على المواجهة و الفتك بالأخطار المُحدقة. فمن طبيعة المحيط ايكولوجيا كان أم حضاريا أم سياسيا أم اقتصاديا أن يكون مُهدّدا. و يكفي الرجوع الى منطق نظرية التطوّر البيولوجي و الكوني للتسليم بأن طبيعة أي محيط هي أن يكون مهدّدا للوجود و أنّه في  طريقة التأقلم و ردّ الفعل يكمنُ سرّ البقاء والاستمرارْ و ليس في القضاء على كل تهديدات المُحيط.

لذا سنُحاولُ أن نردّ أسباب الفشل الى العوامل الدّاخلية اوّلا و هي على سبيل العدّ لا الحصر:(1) السـّلطة كممارسة و سُلوك (2) العقيدة بدل العقل والعلاقة بالواقع (3) قِصرُ النظر و غياب التفكير الاستراتيجي (4) الشخصيّة العربية و تركيبها العُصابي.

1. السلطة كممارسة و سُلوك:

ان الذي يُريدُ أن يدرس السـّلطة كظاهرة انسانية أي كممارسة و سُلوك في العالم العربي ينبغي له أوّلا أن يترك جانبا اخصائـيّي العلوم السياسية (politologues) و علوم الاجتماع (sociologues) فلن يكون لهم ما يدرسونه على أمر الواقع لأن تمظهرات ذلك الواقع تتجاوز ميادين اختصاصهم. بل ينبغي بالأحرى الاستنجادُ باخصّائيّي علوم النفس بشقيّه التحليلي (psychanalitique) و السّـلوكي (psycholgie behavioriste) لأنّ السـّلطة في الوطن العربي تمثـّل المرض الأكثر انتشارا والأكثر تهديدا للصحة النفسية والعقليّة والجسديّة في نفس الآنْ.

فالسلطة في ممارتسها رديفٌ لغويّ وعمليّ ٌ للتـّسلـّط فلا فرق على أرض الواقع بين المفهومين. فكلّ سلطة تعني في نفس الوقت تجاوزها (le pouvoir est synonyme d’abus de pouvoir). وهذا ينطبق على كلّ مجالات استعمال السلطة و لن نتوقف في هذا التحليل على السلطة السياسية بالرغم من أنها الخلاصة لجميع الممارسات السـّلطوية. انما سنبدأ من سلطة الرجل على المرأة و سُلطة الأب على الابن و العـرف (ربّ العمل) على العامل والشرطي على المواطن الخ… فهنالك عاملٌ موحّدٌ و قاسمٌ مُشترك في الثقافة العربية بالنسبة للسلطة وهو كون الحصول عليها امتياز و فقدانها اهانة. فالسلطة ليست اذن للخدمة – خدمة الغير- و انّما للاستخدامْ. و الهدف الرئيس من ممارستها هو تقويتها واحتكارها أي تعزيز الحفاظ عليها و الاستمرار فيها الى أبد الآبدين.

فعلاقة الرجل بزوجته  أو بزوجاته – لا ينبغي أن ننسى اننا نتحدّث عن مُجمل العالم العربي – هي علاقة ٌ سلطويّة ٌ متأتيـّة ٌ أوّلا من امتيازات طبيعية ثـقافيّة و هي علوّ الرجل على المرأة في السلـّم القيمي للمجتمع و ثانيا من صبغة الملكيّة المـُـقـتـرنة بالزّواج. فعلاقة الزوج العربي/الأعرابي هي اساسا علاقة تمـلـّـك و ما المهـر و شروط الزّواج من مقدّمٍ و مؤخّرٍ الى غير ذلك الا ترسيخ اجتماعي/ قانوني/ شرعي/ اقتصادي للصفقة المؤدّية لتلك الملكيّة و يكفي مراقبة بعض السلوكات الاجتماعية والخاصّة لاستنتاج ذلك. فالكلمة العُليا للزوج أولا لأنّه الزّوج (طابعه الذكوري الفالوقراطي) ولأنّه المالك صاحب الدّخل ووليّ النعمة و يكفي النظر الى احصائيات النساء العاملات المكتفيات بذواتهن اقتصاديا لاستنتاج عدم التوازن في المعادلة. فاذا أضفنا الى ذلك البُعد الميزوجيني للثقافة العربية و الذي توارثناه عن الجاهلية  يكتملُ مشهدُ ممارسة السـّلطة بما فيها من احتقار (mépris) و من سُلوكات عُصابية متعددة الأوجه. وليعذرني أصحاب النظرة الرومنطيقية لعلاقة مبنية على الحب و الاحترام المتبادل فأنا أصف المرضيّ من الظاهرة و المتداول و ليس التصوّرات الورديّة و المثاليّة. و طبيعة العلاقة هذه دفعت المرأة العربية الى توخـّي سبلٍ لمواجهتها و لفرض وجهة نظرها. فكون الانسان حيوانا سياسيا-كما يُقال- لا ينحصر في نوع الرّجل. لكن تمرّ سلطة المرأة عبر سبل ملتوية من النفاق الى جميع آليات التأثير بما في ذلك المُساومة العاطفية (chantage émotif) مع الحرص الدّائم لن يبقى للرجل شكليا الاحساس بأنه صاحب القرار حتى و ان كانت الحقيقة عكس ذلك.

وسلطة الأب على الابن هي بطبيعتها سلطويّة وراثـيّة مبنية على الملكيّة من جهة و على الأمر والطّاعة من جهة أخرى. فأسطورة النبيّ ابراهيم وولده اسماعيل مازالت تمثـّـل الاطار الخلفي ( la toile de fond) لهذه العلاقة. فالنرجسيّـة اللاواعية التي تجعل من الآباء يُريدون من الأبناء أن يكونوا امتدادا لهم وأن ينجحوا فيما أخفقوا فيه هم أنفسهم – وهذا أمر انساني و طبيعي-  يمكن أن تتحوّل الى مسألة فرض رأي واتجاه بقوّة السـّلطة المعنويّة والماديّة (حرمان من الارث، امتيازات خاصة للابن الذي يشبه اباهُ أكثر أو يُطيعهُ أكثر الخ) و لا زال القرار والاختيارُ بالنـّيابة موجودا الى حد اليوم خصوصا في المُجتمعات البدوية والمُحافظة. ففي حين خلـُصت المُجتمعات الغربية المتحضّرة الى اعتبار الأبوّة علاقة مُرافقة للطفل الى حدّ بلوغ سنّ الرّشد و العمل طول تلك الفترة لجعله أكثر استقلالية ممكنة للتعويل على الذات، لا زالت معظم ثـقافة رقاع العالم العربي هي أن يبقى الأطفال دوما في طفوليتهم اذ قـلــّما تتغيّر علاقة السلطة بين الأب و الابن ماعدا في حالة الشيخوخة و العجز حيث تنقلبُ الآية و يُصبح الأبناءُ آباءا لآبائهم.

وعلاقة ربّ العمل بالعامل لا تختلف كثيرا عن العلاقة الأبوية بسلبياتها و ايجابياتها الا من حيث عمق الاحتقار المتأتي من الحقد الطـّبقي. وكأنه كلما كان هنالك شعورٌ ووعي ٌ بالتفاوت و اختلال ميزان السـلطة بين العامل و ربّ العمل كلّما تعمّقت درجة التسلـّط والاستبداد. والذين يزورون البلدان العربية التي تكون طبقتها السفلى أكثر اتساعا و فقرا (مصر والمغرب) يُلاحظون بدقـّـة مقدار الكره وعمق الاحتقار والتعالي على الفقراء والمُعدمين وكأنهم وصمة عار على جبين أكابر البلد يريدون لها أن تزول مع أنهم يعملون على بقائها لأنها مصدر سلطتهم و امتيازاتهم و شرفهم المزعوم (جدليّة السيّد و العبد لهيقل). فحتى المُوظف البسيط و ان كان ساعيا أو شويشا للمدير فانّه بمُجرّد أن يجد نفسه في موقع سلطة ظرفي على مواطن آخر مهما كانت درجته في سلـّم الطبقية الاجتماعية فانه يُحاول أن يستغلّ تلك السلطة الظرفية (pouvoir situationel) لاستبزاز البقشيش أو لتلبية حاجته النرجسية المكبوتة عبرذلك الاحساس بالأهميّة. وانّ ظاهرة الرّشوة والبقشيش المستشرية في العالم العربي دليل على امكانيّة المساومة على السلطة وامتيازاتها بتجاوز القانون و المصلحة العامة.

أما عن سلطة المحكوم بالحاكم فحدّث و لا حرج. يكفي الرجوع الى تقارير المنظمات الغير حكومية المهتمة بهذا المجال ففيها ما يُغني عن أي وصف لا يتسع له هذا المقال.

يُمكن الاستنتاج اذا عبر كلّ الأشكال  أن السـّلطة لا زالت مُقامة في الثقافة العربية على منطق القوّة لا على قوّة المنطق. فهي اذن في ممارستها سـُلطة اخصائية لأنها لا توفّر للمستظلين بظلها الفرصة لنضجهم انما همّـُها الوحيد هو مزيد من الاحتكار للماسكين بها. وغالبا ما يمرّ ذلك عن طريق العنف و احتقار الآخر و تحقيرهُ كالية نفسية للمحافظة على مرتبة العلوّ و الاستعلاء. فلا يُمكن لفرد بمثـل هذه التركيبة النفسية أن يكون شُجاعا مقداما أو أن يكون مُبدعا خلاّقا و هذه هي أحد اسباب ما آلت اليه أمّتنا العربية من انتكاس. فليس الاحترام و التقدير و الاعجاب و الاعتراف بالأحقيّة و الكفاءة هي العواطف التي تجمع طرفي السّـلطة (الماسك بها و الخاضع لها) و انما الريبة و الازدراء و التعالي و الاحتقار. ان تركيبة نفسية بكل هذه العاهات في علاقاتها السلطويّة لا تستطيع ان تتقدّم ابدا الاّ الى خلف.

2. العقيدة بدل العقل و العلاقة بالواقع

« العربُ لا ينقادون الاّ للنبيّ أو لأتباع النبيّ » هذه المقولة الخلدونية العميقة و الشفافة عن طابع الشخصية العربية هي للأسف حديثة و ذات دلالة. و الأسفُ مُتأتّ من صحّتها و حداثها في آن. انّ الكيان والوجدان العربي متمسّـك أكثر تمسّكا بالمُعتقدات حتى و ان كانت خرافيّة من تمسّكه بالعقل و مُنتجاته. فمازالت العقلانية الديكارتية مطمحا بعيد المنال كتمشٍّ فردي عام يحكم السلوك و آليات التفكير. فيكفي الرجوع الى الخطاب الفقهي الرّائج لادراك مدى تغلغل اللاعقلانية في الفكر والوجدان. و حتى مُعتنقوا المذاهب المُحدثة كالماركسية و القوميّة الحداثية الى غير ذلك تجدهم لا يبتعدون كثيرا في شكل خطابهم عن الخطاب الفقهي ذاته. فهم يبشـّرون بحقيقة جديدة بدلا عن الحقيقة القديمة و يمرّرونها عن طريق المُعتقد أي تلك النزعة الانسانية للايمان بمُسلّمات و مجموع قيم متناسقة و أفكار مُرتبطة تُشكـّل مشهدا عامّا.

لذلك أعيد التأكيد لما سبق في مقدّمة المقال أن التجارب المتعددة التي عاشها العالم العربي (اشتراكية، وحدويّة، شيوعية، أسلاماوية، علمانية) فشلت لأن اصحابها كانوا يحملونها في نفس الهيكلة الفكرية التي اُفرغت من مضمونها السابق ليُصبّ فيها مضمونها اللاحق في حين ان التغيير الحقيقي وجب في الهيكلة ذاتها و ليس في المضامين. وان الصورة القرآنية عن الحمار الذي يحمل أسفارا لها شديد البلاغة و الدّلالة في هذا المضمار. فان كانت الهيكلة العقلية المعرفية هي ذاتها ذات العيوب فانها ستُكرّرُ أخطاءها بقطع النّظر عن مُحتواها الايديولوجي و ان تغيّر. وأهمّ هنات هذه الهيكلة هو انقطاعها عن الواقع عبر ميكانزمات نفسية مختلفة (1) الاعتقاد في المُطلق و نبذ التفكير العلمي (2) رفض الواقع والمُحاولات التنطّعيـّة لتجاوزه و رفض الواقعيّة المُتأقلمة (3) الاعتقاد بأن النظرية يُمكن أن تغيّر الواقع في حين أن العكس هو الأصحّ (4)الايمان المُتحجّر و تقديم أهميّة الشّكل على المحتوى و الوسيلة على الغاية. و يُمكن للقائمة أن تطول و تتسع لكثير من الأعراض التي يشكو منها التفكير و السلوك في الشخصية العربية المُهتزّة.

انّ من كنه الانسان أن يكون مفكّرا بنفسه و لنفسه لكن مرض التسلـّط سابق الذكرلا يُشجّع على هذا المنحى. ان الاختلاف والتغريد خارج السّرب يمثــّل أهمّ تحدٍّ للسلطة التي من غايتها توحيد اللاوعي الجماعي للانقياد لها (وعي القطيع). فكلّ آليات الثقافة كالمراقبة الاجتماعية و الرقابة الفكرية و الرقابة الأخلاقية مهيّاةٌ و عاملة على الحفاظ على نفسها وهي نفس الآليّات التي يُمكن أن تُلقي بنا في أسفل اليمّْ.

3. قِصرُ النظر و غياب التفكير الاستراتيجي

لقد شكك البعض في كون أحداث 11/9 هي من عمل القاعدة و أتباعها و منهم المفكر هشام جعيط و لا أعرف ان كان قد غيـّر رأيه. و قد نردّ ذلك الانكارالى الفكر التآمري المستشري في هيكلة الذهنية العربية. لكن ما جلب انتباهي هو اعتراف تلك الجاسوسة الاسرائيلية التي اخترقت صفوف حزب الله في جنوب لبنان. فقد صرّحت و هي مُـقنّعة لا تريد أن تـُعرف هويتها بأنها تشك بان يكون عرب القاعدة وراء الأحداث لأنهم غير قادرين بطبيعة ثـقافتهم وكفاءاتهم على التخطيط المُتقن بعيد المدى وعلى العمل الاستراتيجي وذلك من خلال مُعاشرتها و معرفتها بجماعة حزب الله. والمُهمُّ هنا ليس مدى صحّة أقوال جاسوسة الموساد التائبة عن العمل المُخابراتي وانّما المهمّ هي تلك الصّورة التي يحملها الآخر عنا  والتي نحملها على أنفسنا بذلك العجز الرّهيب على التفكير و العمل الاستراتيجي.

والاستراتجيا في تعريفها المُبسّط هي القدرة على تحديد أهداف بعيدة و قريبة المدى و العمل على بلورة الامكانيات و تجويدها (optimisation) من أجل بلوغها. و من هذا المنظور هناك قواسم مُشتركة بين مفهوم الاستراتيجيا ومفهوم العقلانية في أسبقيـّة تحديد الأهداف على السلوك المؤدي لتحقيقها. فلماذا يُخفق العربُ في تشكيل نظرة وفكر وسلوك استراتيجي؟

لعلّ أوّل الأسباب هو ما أشرنا اليه سابقا من غياب العقلانية كمنهج تفكير وسلوك لكن ماأدهى من ذلك وامرّ هو عدم القدرة على استشراف المُستقبل وعدم الصّبر على تحديد الأهداف يكون مداها أبعد من العُمر الانساني البيولوجي للحاكم بأمره صاحب السلطة والمُستفرد بها. فهاته الأنانية التي ترفض للأجيال اللاحقة حقها في ارث حضاري و في بيئة سليمة تنخرط في نفس تلك النرجسية العمياء اللاواعية التي تجعل من هدف المجموعة (الشعب) تحقيق هدف الفرد (صاحب السلطة) و رغباته في حين ان المنطق و المعمول به في الأمم المتحضّرة هو العكس فالفرد في خدمة المجموعة و الحاكم في خدمة الشعب الذي يُمكن له عبر الآليات الديمقراطية أن يشكره ويُقـيلهُ لكي يعود مواطنا بسيطا يستلذ ّ بمواطنيّته وبانجازاته لما كان في الجانب الآخر من الحكم. و هذا الأمر بعيد التصوّر في العالم العربي.

ويكفي النظر الى الكيفية التي بُدّدت بها الثروات البترولية الهائلة لشبه الجزيرة العربية و البلدان البترولية الأخرى لاستكمال الصورة القرآنية سابقة الذكر. فالحمارالذي يحمل في الجهة اليُمنى من بردعته أسفارًا لا يفقه محتواها يحمل في الجهة اليُسرى من نفس البردعة ثروات هائلة لا يعرف قيمتها و لا كيفية التصرّف فيها. ان شعوبا أوروبية صغيرة مثل سويسرا والسويد وبلدان اسكندينافـيـّة أخرى تمكـّـنت من أن يكون لها مكانة في العالم على فـقـر ثرواتها الطبيعية والسكانية مقارنة بالعالم العربي. لكننا لم نُدرك بعدُ أنّ الحضارة مسألة امكانيات ذهنية و تنظيميّة لا امكانات اقتصادية و طبيعية. فالانسان هو خالق الثروة والحضارة و ليس العكس ولكي يحصل ذلك في عالمنا العربي لا بد للانسان من استرداد انسانيته أولا و بعدها يمكن أن يبدأ الكلام.

4. الشخصيّة العربية و تركيبها العُصابي.

لنُعِدْ تعريف العُصاب حسب مدرسة سيقموند فرويد للتحليل النفسي وبافلوف للسلوك: العُصابُ هو حالة نفسية تؤدّي الى سلوك اجتماعي مرضي و غير متّزن. وهو متأتٍّ من فعل احساسين متناقضين في نفس الوقت يسكنان في ذهن الفرد مما يجعلهُ يتصرّف بطريقة لا يستطيعُ هو ذاته تبريرها و يتأتـّى منها شعورٌ بالألم النفسي.

Larousse 1994
Névrose: (1) affection caractérisé par des conflits qui inhibent les conduites sociales et qui s’accompagnent d’une conscience pénible.
(2) Névrose expérimentale: état induit chez un animal dans des situations analogue à celles du conditionnement qui se traduit par des troubles de comportement et ressemble a la névrose humaine

انّ النزعة العصابية للشخصية العربية هي حسب تحليلنا و تقديرنا وراء الدّوران في حلقة مُفرغة و التقدّم خُطوة و التقهقر خُطوتين. فالشخصية العربية مُتأرجحة بين القيم المُثلى و ما يفرضه الواقع وذلك على صعيد فردي كما على صعيد جماعي. وهذا التأرجح والتذبذ العُصابي وراء تغييب العقلانية والتفكير الاستراتيجي. فحتى بالنسبة لتمثـّـل الذات (représentation de soi) نجد ان الشخصية العربية متأرجحة بين الكبر والخيلاء من باب  » الخيلُ و الليلُ و البيداءُ تعرفني » و بين احساس عميق بالمذلـة و فقدان القيمة التي خلـّفتهُ ذهنية المُـسْتعمَرْ. وفي هذا المجال أدعوكم الى قراءة تــأليف مواطــنــي ألبار مِمِّي Le portrait du colonisé – Albert Memmi. هاته الذهنية التي استمرّت مع الهجرة الى فرنسا وأوروبا عموما ولا زالت تحكم طبيعة العلاقات مع الآخر. وآخرالأخباروالجدالات الحضاريّة في فرنسا مثلا، وهي الدولة الأكثرعنصريّة في سلوكات مؤسسساتها و شعبها، مرتبطة بهذه العلاقة بين المُستعمِر و المُستعمَر في صراع الثـقافات.

فان كان من الطبيعي جدّا في النوع الانساني، مهما كانت ثقافته، أن توجد مفارقة بين الأنا (le moi) والأنا المثالي (l’ideal du moi) فانّ هاته المفارقة حادّة جدّا و مُعمّمة بالنسبة للشخصية العربية. يزيد على ذلك الخطاب المُزدوج والمنطق المُزدوج. فتصوّروا فقط الحالة النفسيّـة لموظـّف البنك النزيه الذي يقوم بعمله حسب اللوائح و القرارات الداخلية في اسداء القروض التجارية اذ ْ تُـقدّم له مشاريع متماسكة وأصحاب رؤوس أموال نزيهون وذوي خبرة لكنّه يظطرّ للمُماطلة ثمّ لرفض التمويل لأن الأوامر الفوقـيّة تفرض عليه ذلك رغم صلابة الملف ووجود الضمانات. لكن في نفس الوقت يتـقدّم له مشروع بلا ايّ أساس او حتى ضمانات لكن الأوامر الفوقيّة – ورغم مخالفة كرّاس الشروط- تفرضُ عليه ان يُسدي ذلك القرض مع العلم المُسبق بامكانيات عدم السـّداد. اي عُصاب يمكن أن يلحق بهؤولاء النزهاء الذين يعتقدون في دورهم الاجتماعي و الاقتصادي و يُحبّون لوطنهم النجاح و الارتقاء في حين انّ الجهاز البنكي العربي لا يقرض الا ّ للمحتالين و قطاع الطرق من اصحاب العلاقات الفوقـيّة في نطاق الزبائنية(clientélisme) وهي ثقافة علاقاتية مُستشرية.

ونفس الأمر ينطبق على شرطي المرور الذي يعتقد بانه في تطبيقه الصارم للقانون على المُخالفين يحفظ أرواح الأبرياء من الحوادث التي ما تكون غالبا ناتجة على سلوك أرعن. الاّ أنّه على أرض الواقع يصبح مبدأ الأولوية في مفترق الطرقات لا للذي كان الأول في وصوله لمفترق الطّرق انما لصاحب المرتبة الاجتماعية والسلطويّة لصاحب السيّارة كما يشهد على ذلك موديل سيارته وعدد الهوائيات الملصقة بها. و من غرائب هذا الزمن ما رواه لي صديق حيث أوقفهُ شرطي مُرور بدعوى أنه لم يحترم الضوء الأحمر في حين أن الضوء كان برتقاليا. لكن الشرطي عامله بصلف وكان سيكتب محضرا ويحجز رخصة سياقته لكن بمجرّد أن قدّم له بطاقتهُ الشخصية حيث اسم والده صاحب المركز السياسي حتى انقلب هذا الأخير 180 درجة وأرجع الأوراق للسائق مع الاعتذارات والانحناءات اللازمة بل أوقف كل حركة المرور من الجهات الأربع ليُعطيه الأولويّة.

هذه المشاهد و العيـّنات من الواقع ليست دليلا فقط على سلوك عصابي بل على مدى تغلغل المُفارقات الشتى في الهيكلة العقلية و النفسية للأفراد فكيف يُمكن للحضارة العربية أن يستقيم لها بنيان مادامت تخبطُ خبط عشواء بين الرّوح البدويّة القبليـّة الزبائنيـّة و مطمح الحداثة والانخراط في روح العصر.

الخلاصةحطة يا بطة

 وثائق::

 واقع العالم العربي   هشام جعيطنحو الاكتفاء الذاتي. خطاب الحبيب بورقيبة عن التجربة الاشتراكية التونسيةقراءات::
المواطنون العرب يكرهون « حقوق الإنسان »!  ايلافالمواطنون العرب يكرهون « حقوق الإنسان »!

مونتريال  ديسمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire