banner

14 – الحريـّة بين بعدها الفلسفي و معوّقاتها الموضوعية

بقلم: كريم السّــمعلي

الحريّة هي أن نفعل ما نُريد. حريتك تنتهي عندما تبدأ حريّة غيرك. الحريّة هي… ككل مفهوم معقّد تتعدد تعريفاته و لا تختلف الا لتتكامل في محاولة مُقاربة الواقع. لكننا في هذا المقال سنختار وجهة نظر محددة وهي التركيز على حدود الحريّة ومُعوّقاتها أي ما يحدّها ويعطـّلها لتكون تامة وغير مشروطة. ففي التعريف الشائع تقترن الحريّة بالهوى (le désir) أي بالاستجابة لرغبات الهُوَ (les pulsions du ça). فيكون التوق للحريّة، كما في سن المُراهقة واكتشاف الذات، كسرا للقيود الأخلاقـية والاجتماعية المُكبّلة لتحقيق لذة الوجود والفعل الخارج عن المكبوتات.« تكون الحريّة حسب الرأي المُتسرّع : الفعل وخاصة الخارج عن كل الزام خارجي. وقد عبّر كاليكلاس، وهو شخصيّة أفلاطونية، عن هذا التصوّر الخاطىء للحريّة في مدحه الساذج للهوى ولعدم الاعتدال، فالحريّة في نظر كاليكلاس اطلاق للأهواء. بيد أنّ الهوى، وبصفة عامة كلّ الانفعالات، تمثـّل قيودا أكثر وطأة من القيود المادية » « لكن الا تفترض الحرية امساك الذات و السيطرة عليها؟ ألا تفترض التفكير؟ وبكلمة واحدة ألا تفترض استعمال العقل؟ فبجانب حرية الفوضى واللامبالات، يُقرّ ديكارت بوجود حريّة أخرى متفوّقة وهي حريّة الفعل الارادي الصّادر عن قوّة الفكرة العاقلة. ولكن اذا كان الكون يسير بالضرورة حسب حتميّة منتظمة فأين الارادة؟ ولا غرابة أنه لا حرية بدون معرفة حقيقيّة لأفعالنا ذلك ان محرّكنا قوى مختلفة و نحن نجهل تلك التي تفعل فينا، لذا احساسنا بالحرية واحد. لا تحرر من عبودية منزلتنا الانسانية الا باستخلاص حكمة الضرورة. »(1)

فاذا كانت الفلسفة تركـّزعلى مفهوم الحريّة بحيث هو نتاج و تمظهرٌ للارادة الحرّة. فماهي اذن محددات الحرية وكوابح الارادة التي تعطل الحرية وتجعلها منقوصة أو مغلوطة أو مُغيّبَة في الفعل الفردي والجماعي.

1. اللاوعي النفساني

هذا الاصطلاح هو للتعبير عن مفهوم اللاوعي حسب مدرسة التحليل النفسي و مؤسسها سيقموند فرويد. ولقد عرّف فرويد اللاوعي من حيث هو تراكمات عُقد نفسية مترتبة عن الأحاسيس و العواطف السلبية المُرافقة للأحداث الصدمية (évennements traumatisants) التي يتعرّض لها الانسان طوال حياته و التي تكون أكثر وقعا و وأهمية خصوصا في السنوات الأولى من العمر. فهذا اللاوعي ، الذي هو عبارة عن صندوق أسود يحتوي على عقدنا وآلامنا النفسية المطرودة من ذاكرتنا الحية الى ذاكرة النسيان، يأثـّر كامل التأثير على سلوكات الأفراد من حيث لا يدرون. فالعقد اللاوعية تنفذ الى وعينا دون ارادته لتأثر على السلوك و تجعلنا بذلك عبيد هذا اللاوعي الباطن الذي لا يمكن تفريغه من محتواه أو تصفيته. ومن ذلك تتأتي تقنية التحليل النفسي التي تحاول أن تُرجع الأحداث الصدميّة الى وعينا عبر التذكر أو التنويم المغناطيسي لكي تُفرغ من محتواها العاطفي الأليم. وباخلاءها يتحرر الانسان بعضا ما من عقده و بوعيه بها يتفادى أن يكون لها التأثير السلبي على سلوكه و أحاسيسه.

فبالتالي تصبح معركة الانسان من أجل التحرّر هي معركته ضدّ تأثير اللاوعي في سلوكه و لا يتم ذلك الا بانارة الزوايا المُظلمة من ذلك الصندوق الأسود و هي عمليّة شاقة، طويلة و مؤلمة. كما أنها ليست بامكان كل الناس سواءا من ناحية الاستعداد النفسي أو المادي. و بذلك يكون ماضينا الطفولي وتراكماته النفسية من عقد وآلام وارء منعنا من كامل الحريّة لارادتنا اذ تصبح الارادة حبيسة ما لا نُدركه من لاوعينا.

2. اللاوعي السلوكي

أما اللاوعي السلوكي فهو متأت من القيم والمفاهيم المكتنزة عبر التمرين الذهني والاجتماعي بما يسمّى التربية. وهي كما اشرنا اليه في مقال الخروج من سجن الثقافة استبطان الأحكام القيمية المسبقة عن النفس و عن الغير في ظل منظومة ثقافية متماسكة هدفها الأساسي هو المحافظة على وحدة المجتمع و استمراره. واللاوعي في منحاه السلوكي لا يناقض اللاوعي النفساني انما يتجاوزه و يحتويه ويُكمّله.

واذا ما فهمنا ما أتى به علماء بيولوجيا الوعي المُختصين في فهم الهيكلة العصبية للدماغ وعلاقة الذاكرة بالسلوك يمكننا استجلاء مدى أهمية و خطر اللاوعي السلوكي. فقد أوضح اختصاصيو الدماغ أن أي فكرة هي بالأساس شبكة علاقات مادية بين الخلايا العصبية مترتبة عن التمرين الشرطي. فقبل أن يكون العقل أداة الفكرالحرّ والخيال والابداع هو مخزن لتراكمات الأفكار الشرطية المؤدية الىالسّلوك و الفعل الشرطي. وتكون بذلك تجارب بافلوف أقصى الأهمية في ادراك هيكلة العقل ومن ذلك السلوك البشري. (انظر نصنا في الجزء الفرنسي من الموقع (Relation système nerveux environnement) فالعادة و التمرين والتربية كلّها معوّقات لحريّة الارادة لأنها تكبّلها في مجموع علاقات شرطية لاواعية تصبح هي مكيال الفرد في فهم محيطه والاجابة على مؤثراته أكثر منه بطريقة شرطية على حساب التفكير العقلاني الارادي.

فالارادة الحرة المبنية على العقل المُفكر مازالت في طفولتها فيما يخص النوع البشري رغم كل الانجازات العقلية و العلمية الحديثة. ان السلوك البشري مبني  على المُعتقد وعلى الدوافع اللاواعية أكثر منه على الفكر المدبّر الموضوعي. وهذه الحقيقة لم يستنتجها فقط العلماء التجريبيون و اختصاصيو تطوّر النوع البشري من الحيوانية الى الانسانية انما نفذ اليها حدس الفلاسفة والشعراء .ويكفي هنا التذكير بأبيات الشابي في قصيدته فكرة الفنان لفهم مدى تأثير العواطف اللاواعية في الفكر والسلوك وبالتالي في حصر الارادة في بوتقة الذاتي والارثي الغارق في فوضى الأحاسيس و الأحكام المُسبقة.

3.التدجين والتفكير و الفعل الشرطي

عندما تقف مهمّة العائلة في تدجين الفرد وهيكلة لاوعيه وسلوكه يستمر المُجتمع في نفس المهمّة عن طريق مختلف وسائل المُراقبة الاجتماعية. ويبقى الهدف واحدا وهو تماسك المجتمع عن طريق تنميط الأفكار والسلوكات. وأهم الوسائل المتاحة لذلك و المُستعملة بخطورة هو الاعلام. فهذا الاعلام، البروباغندي بطبيعته، يستغل هشاشة العقل لهيكلة أفكاره وأحكامه المسبقة لتكوين ما يسمى بالرأي العام. وهشاشة العقل تكمن في قابليته للتصديق و « الايمان » بما يُقالُ خصوصا اذا لم يكن ذو مناعة. فكل فكرة جديدة وعلاقة جديدة بين شيئين (حتى وان كانا غير ذي علاقة) يستوعبها الذهن بسهولة اذا لم يكن قادرا على الرفض والتصدّي. وهذا الرّفض والتصدّي صعب اذا كان العقل لا يحتوي في هيكلته على تركيبة سابقة مُناقضة للفكرة الجديدة. فالانسان العادي الخامل فكرا واحساسا والمتفرغ لمشاكال عيشه اليومي فحسب هو انسان متقبّل تقبّلا سلبياّ. فهو انسان معتمد بالأساس على الايمان والتصديق و ليس على النقد واعمال ملكة التحليل.

ولقد سبق أن أشرنا في نفس المقال لنا باللغة الفرنسية المشار اليه اعلاه على سبيل المثال أن اعلانات التسويق هي الأكثر استعمالا لتقنية تدجين الفكر و السلوك الشرطيين. فلا علاقة منطقية بين السيارة أو مادة الغسيل كبضاعة من جهة وبين الغواني الجميلات اللواتي يرافقن غالبا هذه الاعلانات الاشهارية بالنظرة الناعمة و التلميح والايحاء. لكن العقل البشري يتقبّل تلك العلاقة تقبّلا لا واعيا مما يكوّن في الدماغ علاقة مباشرة بين النظافة/الماركة المُسوّقة/ المرأة ذات الحسن. فاذا ما رأى المستهلك تلك الماركة على رفوف المغازات يكون اختياره لاشعوريا مقيّدا بتلك العلاقة التي وفـّرتها له تلك الاعلانات خصوصا من خلال التكرار والوصول اليه في أحدّ فترات ذهنه توقــّدا اذ غالبا ما تقطع تلك الاعلانات برامج أو أفلام ذات شعبية يكون المُشاهد لها متشوّقا لمتابعة الأحداث و تصوّر الأطوار القادمة لبرنامجه التلفزي.

4. الحاجة الانسانية للاعتراف و التقدير الاجتماعي

لقد أثبت السيكولوجي الأمريكي أبراهام ماسلو أن للانسان حاجات مرتـّبة في سلّم هرمي حسب أولويتها وأن تلبية حاجة عـُـليا تفترض أن الحاجات الأدنى منها قد تم تلبيتها أولا. فبعد الحاجات الأساسية كالأكل و الشرب و التناسل تأتي الحاجات الاجتماعية و من أهمها حاجة الفرد لأن يكون معترفا به و باسهاماته في المجتمع و بتقديره من خلال ذلك. وهذه الحاجة تجعل الفرد في سعي دؤوب للتحصل على ذلك الاعتراف والتقدير وتقويتهما المستمرّة. و بما أن المجتمع لا يمنح ذلك الاعتراف والتقدير الا للأفراد الذين ينخرطون في منظومته و في قيمه فهذا من شأنه حسر هامش الحريّة. فالارادة الحرّة هي التي تخرج من الأطر المرسومة مُسبقا أو ما يعبّر عليها بالدوائر والمربّعات التي تفرضها الثقافة أو الايديولوجيا التي تأطر المجتمع.

لذلك نجد فئة قليلة هي التي تتحدّى و تخرج من من تلك الأطر مستغنية بذلك عن تلبية تلك الحاجة الانسانية الاجتماعية لأنها وعت بذاتها و بمجتمعها و حدوده. وتلك الفئة هي غالبا مكونة من المفكرين والفنانين والمبدعين في شتى المجالات. فحرية الفكر و الابداع و لذة الوعي بتلك الحرية  تصبح اقوى لديهم من الحاجة للاعتراف والتقدير والنياشين الرسمية. و غالبا ما تقترن هذه اللذة بالخلاص الى حرية فعلية في الفهم والابداع بمرارة الغربة في الديار وبين الأهل و قصيدة النبيّ المجهول للشابي شاهدة على ذلك الاحساس و تلك الحالة النفسية القاسية. لكن غالبا ما ينال هؤولاء المغتربون في أوطانهم شرف ما أقدموا عليه من فكر وفعل حرّ في زمن لاحق لوجودهم وحياتهم أو خارج أوطانهم في مجتمعات أخرى أسبق تطوّرا هي التي تعطيهم فرصة ممارسة حريتهم.

فالحريّة اذن هي قرينة الوعي. و الوعي هو بالأساس رحلة بلا عودة من حالة الى حالة. و الوعي يؤدي الى نوع من الغربة سواءا كانت غربة داخل الوطن أو خارجه. فالحرية كما المعرفة هي ألم لا محالة كما عرّفها سقراط الحكيم و منها التناقض بين مفهوم الحرية و مفهوم السعادة.

5.البحث عن السّعادة

ان الحرية هي طريق المعرفة. والمعرفة هي طريق الوعي. والوعي طريق الغربة. والغربة طريق الآلام. لكن رغم هذه الآلام تمثّل الحريّة في حد ذاتها لذة التحرّر من قيود الأوهام والمعرفة السطحية والمغلوطة. و لن ندخل هنا في جدل ما اذا كانت غاية وجود الانسان هي نيل تلك السعادة و سنفترض أن هدف الانسان الدّؤوب هو الحصول على تلك السعادة دنيويا و لما لا غيبيا في عوالم أخرى كما تبشـّر بذلك الأديان. فالملاحظة الأساسية هو التناقض بين هدف السعادة والحريّة. ففي بعدها الفلسفي لا تؤدي الحرية الى السعادة بل الى عكسها. فسقراط الحكيم جُرّع السمّ لأنه مارس حريّة المعرفة دون أن يتقيّد بشروط مجتمعه والفكر السائد فيه. وغالبا مايكون الموت و الهلاك مصير من من لم يساومو على حرياتهم لنيل رضى الآخرين و الأمثلة على ذلك لا تُحصى و لا تـُعدّ. ففي أي بلد عرف الحروب والاستعمار هناك مقابر لشهداء الحرية. في حين أن السعادة وهي اجابة تلك الحاجات الانسانية كما عرّفها ماسلو يقتضي الانخراط في المنظومة الاجتماعية. و يؤكـّد هنري لابوريت في كون السعادة هي تكرار المتعة المتأتية من تلبية تلك الحاجات.

فالحريّة نقيضة السعادة من حيث أن المجتمع يُبرمجُ أفراده لنيل تلك السعادة حسب موافقة سلوكهم لما يرتئيه المجتمع و ثـقافته، أي مجموع أحكامه المسبقة سلبيا و ايجابيا عن النفس و عن الغير. و سنأخذ الثـقافة  التونسية وقيم المجتمع التونسي كاطار لرسم ملامح تلك البرمجة الاجتماعية و تحليل ما اذا كانت مؤهـّلة للسعادة أولا. و لأن تلك البرمجة هي دورة يبتدأ بالولادة و تنتهي بالموت فأننا ستنحاول بايجاز التوقف عند أهم المراحل:

الولادة و الطفولة الأولى: في المراحل الأولى يهتم الأولياء بتربية الأطفال على النظافة و حسن السلوك. وأول ما يصير لهم وعي بالمدرسة يبدأ اعدادهم لقيم التفوّق والنجاح وغالبا ما تمرّ البرمجة عن طريق المقارنة مع الأخ الأكبر،  ابن العم، ابن الجار الخ. و يبدأ ترغيب الأطفال في المدرسة وأهميتها في أن يصبحوا يوما ما أطباءا و مهندسين و محاميين الخ.

السيزيام: وهو امتحان يجتازه أطفال جيلي للمرور الى المرحلة الثانوية. و لأن نسبة النجاح في هذا الامتحان لم تكن تتجاوز 60 بالمائة و لأن انعكاسات الفشل في هذه العقبة مريرة و مُؤذية نفسيا للأطفال في ذلك العمر الغضّ و لتفادي نعت الراسب و ما يحتويه من اهانة و ازدراء تسبب في عد نفسية للأطفال يُشدد الأباء والأمهات على أهميّة النجاح وأهمية اجتياز تلك المناظرة ويُسخرون كلّ امكانياتهم وطاقاتهم المادية والمعنوية لاعانة أبنائهم وخصوصا لتوعيتهم بأهمية النجاح.

الباكالوريا: هي بالنسبة للبلدان العاملة بالنظام التعليمي الفرنسي أهم مرحلة في حياة الفرد. فالاخفاق يمثل نهاية المسار التعليمي و اللجوء الى المهن الوضيعة لكسب القوت وانهاء امكانية الرقيّ في درجات الهيكلة الاجتماعية. فالعائلة شديدة الحرص على اجتياز أبنائهم هذه العقبة نحو سن الثامنة عشر واجتيازها بامتياز اذا أمكن. فالامتياز هو ضمان التوجيه للاختصاصات الجامعية المُعتبرة و المؤدية الى الدّخل المحترم ومنها المكانة الاقتصادية والاجتماعية. فنجد الثالوث المقدّس الطب و الهندسة و المحامات من المهن المرغوبة جدا لما توفره بعد ذلك من سمعة و مكانة.

الاجازة و العمل: بعد مرحلة الباكالوريا يكون الفرد قد استبطن كل قيم النجاح والامتياز وطلب التفوّق لمواصلة مسيرته الدراسية والتخرّج الجامعي ثم الدخول في معترك الحياة. و يبقى للعائلة دور تأطيري في اعانة الفرد على فتح أبواب لا يمكنه فتحها بمفرده كجملة التدخلات واستعمال شبكة العلاقات لتمكينه من دخول مراكز عمل حساسة في مؤسسات تعكس مرتبة العائلة الاجتماعية وطموحاتها الطبقية. فالمحاسب في معمل المشروبات الغازية المحلية ليس مثل المحاسب في شركة استغلال الثروات البترولية و الى ماذلك.

الزواج  والانجاب: بمجرّد النجاح في الباكالوريا تبدأ برمجة الفرد و »الفردة » على التقاط الفرص والتفكير في اختيار قرين أو قرينة تكون في المستوى. مستوى الفرد و كذلك مستوى الطموح الطبقي للعائلة. و يعطي البرنامج مهلة عامينأو ثلاثة للخطوبة و التعرّف يُمكن أن تبدأ في اواخر السنوات الدراسية الجامعية. و مثلها من السنوات « للتكوين » و ما أدراك ما التكوين و هو تجميع المال عن طريق الادخار للايفاء بحاجات الزواج الاقتصادية. وحالما يتم الزواج تحث العائلة الأفراد على الانجاب لأنه السبيل الوحيد « لربط » الزوجين وتكوين العائلة. فليس هنالك ثقافة أزواج (culture de couple) في ثقافتنا لأن الطاغي هو ثقافة العائلة و العائلة الموسّعة.

التسابق في النجاح الاقتصادي و الارتقاء الاجتماعي: بعد الانجاب يعيد أطفال الأمس برمجة ابنائهم على دورة الحياة و السعادة كما بُرمجوا هم أنفسهم. ويستمرّون في التنافس الاجتماعي لتحسين وضعيتهم أي الارتقاء في السلم الاجتماعي عن طريق الادخار و الاستثمار المالي و عن طريق ربط العلاقات الاجتماعية مع الأشخاص الذين يمثلون علاقاتهم الحميمية أو طموحاتهم الطبقية الاجتماعية. ففي كل مراحل هذا البرنامج، وان كنا أوجزناها، تكمن السعادة في التفوّق والنجاح. ولا يكون ذلك التفوّق الا بالمنافسة أي اعتبار الآخرين منافسين والتفوّق عليهم. و نذكر هنا بالاية القرآنية عميقة المعاني التي مفادها أن الحياة لهو و لعب و تسابق في الأرزاق و الأولاد والمعبّرة عن حقيقة اجتماعية نفذ اليها هنري لابوريت في كتاباته المعتمدة على السلوك البيولوجي.

هذا هو برنامج السعادة في المجتمع التونسي: مراحل معـينة، أهداف واضحة احاسيس مُبرمجة في حالة الوصول الى تلك الأهداف. حتى أنّه عندما تتحقق هاته المراحل يجد الأفراد انفسهم في فراغ و بدون هدف اسمى من اعادة الدّورة مع أبنائهم مع بعض التحسينات. فقمة السعادة وقت الراحة هو استهلاك برامج الفضائيات و متابعة مباريات كرة القدم، افيون الشعوب الحديث،  واللقاء مع الأصدقاء في المقاهي للعب الورق (تنافس رمزي لاثارة احساس الانتصارو القوة) و شرب النرجيلة والحديث عن أخبار كرة القدم (تنافس رمزي آخر: فريقي أقوى من فريقك ) و برامج الفضائيات ثم العطل لمن استطاع اليه سبيلا.

والسعادة من خلال هذا البرنامج ممكنة و ممكنة جدا. لكن شرطها الوحيد هو عدم تجاوز الوعي حدود ذلك البرنامج والايمان به مطلقا كبرنامج وحيد للسعادة. لكن من ناحية أخرى البرمجة الاجتماعية بطبيعتها نافية للحرية. لأن الحرية هي قدرة الارادة على الاختيار. والاختيار يفترض امكانية قلب الطاولة أي رفض كل البرنامج واختيار حياة تجريبية مليئة بالمغامرة و بحرية القيام بالأخطاء. لكن المجتمع المحافظ بطبيعته لا يقبل هذا التحدّي لقوانينه و نواميسه. لذلك فان كل من يتمرّد على البرنامج و يضع حريته في مرتبة أولوية سابقة عن أولوية المجتمع في الاستمرار عبر تكرار تلك السلوكات المُبرمجة يمنحة المجتمع مرتبة الهامشي. ويُصنّف في هاته الهامشية الفنانون والمبدعون والمفكـّرون الذين اختاروا الحرية كما يُصنف فيها السـّكيرون (alchooliques) والمخدّرون الذين رفضوا اللعبة واستنجدوا بتغييب وعيهم لازالة الألم العالق بأرواحهم الثائرة.

6. الحريّة المسؤولية و الهيكلة الاجتماعية

ان الحرية اذن هي حريّة الاختيار و القرارْ. و لكل فعل ردّ كما تقول الأغنية. أي أن لكل فعل عواقب و تداعيات. و الحرية بطبيعتها تفترض المسؤولية. فحريّة الفعل اذن مُرادفة لمسؤولية تحمّل ما ينتجٌ عن ذلك الفعل. لقد كانت هذه المعادلة وراء مقاومة أهم حركات التحرركتحرير السـّود من العبودية في أمريكا وتحرير المرأة في العالم العربي. فمنذ أكثر من قرنين حين انطلقت حركة تحرير السود كان من معاريضا شقٌّ من السود أنفسهم لأن وعيهم بأن حرّيتهم من العبودية تقتضي دخولهم في سوق الشغل وعدم ضمان الدّخل وحماية السيد أي تلبية الحاجات الاساسية. ولقد اشرنا في مقال لنا باللغة الفرنسية كيف تضافرت مجهودات مدرستين أخلاقيتين متناقضتين أساسا، هما مدرسة الحق الطبيعي و مدرسة المصلحيّة في تحرير العبيد. فقد ارتأت مدرسة الحق الطبيعي بأن العبودية شرٌّ في ذاته و كان ينبغي انتهاؤه في حين أن مدرسة المصلحية رأت بأن تحرير العبيد سيكون أكثر مردودية على خلق الثروات و نمو الاقتصاد و من ذلك وجب تعويض العبودية بسوق الشغل حيث  يمكن تقليل تكلفة العمل عن طريق العمل « الحر » حيث التنافس بين اليد العاملة المتوفّرة.

وفي العالم العربي مازال شقٌّ من النساء يدعو للحفاظ و تدعيم النظام القديم لقوامة الرجل على المرأة بالانفاق. فالحرية تؤدي الى المساواة التي تؤدي بذاتها الى اقتسام التكاليف الاقتصادية للاجتماع العائلي والمسؤولية الماديّة المترتبة عنه. فللحرية اذن ثمن و ثمن غالٍ جدا سواءا تعلّق الأمر بممارسة حرية التفكير و التعبير أو بممارسة حرية الفعل المؤدّي للمساواة أمام اتخاذ القرار وتحمّل مسؤوليته.

 مونتريال  جانفي 2003

 لتكن الحرّيّة هي القضيّة التي ندافع عنها دون مراوغات ميتافيزيقيّة…(1)نص من درس الفلسفة للسابعة من التعليم الثانوي رياضيات علوم لسنة 1988 بمعهد قرطاج الرئاسة- الأستاذ عاشور

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire