banner

15 – الهجرة : أنواعها، أسبابها ومخلـّفاتها الاجتماعية والنفسية

بقلم: كريم السّــمعلي

تهاجر الطيور نحو الشمال أو نحو الجنوب بحثا عن الدّفء و المكان الأنسب للتكاثر. وتهاجر أسماك السلامون نحو بيئتها الأولى ومسقط رأسها  في ظاهرة لم يتمكن العلم بعد من حلّ شفرتها. وتهاجر الفيلة و حيوانات السفانا الافريقية بحثا عن الكلأ والماء. كذلك يهاجرالانسان بحثا عن الرّزق أو بحثا عن وطن بديل يمكنه من تنمية مواهبه المهضومة في بلده الأصلي أو هربا من الظلم والضّيم. تتعدد الأسباب والأنواع لكن تبقى الهجرة الانسانية من أهم ظواهر القرن الحادي والعشرين حيث أخذت تمظهرات جدّ درامية خصوصا في ما يحصل بين ضفّتي البحر الأبيض المتوسّط. سنحاول في هذا المقال استعراض أنواع وأسباب هاته الهجرة مركّزين خصوصا على الأبعاد النفسية والاجتماعية على الصعيد الفردي  والجماعي في الوطن المُستقبل كما في الوطن الأصلي معتمدين على ما نعرفه من أمثلة خاصة بهجرة سكان شمال افريقيا الى أوروبا وأمريكا الشمالية.

1 .الهجرة المؤقتة

الهجرة من أجل الرزق

الهجرة من أجل الرزق هي أكثر أنواع الهجرة انتشارا من حيث عدد المُرشحين. و هي تشبه الى حدّ كبير هجرة الحيوانات المهاجرة في أسبابها مما يجعلنا نتساءل هل من هناك مصدر اتيولوجي راسخ في الكيان الانساني منذ المراحل الأولى في رحلة الانسان من الحيوانية الأولى الى مصيره الانساني. و المهاجرون من أجل الرزق نوعان: (1) نوع أول لم يلاقي في الوطن الأصلي موردا للرزق فاضطرّته الحاجة الأكيدة وانسداد الأفق لاتخاذ كل السبل حتى الغير قانونية للهجرة نحو الشمال و قبول المهن الوضيعة التي لم يعد أهل البلاد قابلين بها. وغالبا ما يواجه هؤولاء الاستغلال من طرف أخصائيي التشغيل في السوق السوداء من بني الوطن الأصليين أو من المستقبلين وذلك بأبخس الأجور. (2) النوع الثاني هم من الاطارات وأصحاب المهن المختصّة الذين يغادرون الوطن عن طريق برامج رسمية لتبادل اليد العاملة خصوصا مع بلدان الخليج العربي عبر عقود رسمية محدودة الأجل.

وفي كلتا الحالتين يواجه المهاجرون الصّدمة الثقافية بانخراطهم في مجتمع لم تكن لهم به معرفة حسيّة. و غالبا ماتكون نتيجة تلك الصدمة نوع من التقوقع على الذات و الانخراط في الدّورة الاقتصادية دون الانخراط في الدورة الثقافية الحضارية للبلد المُضيّف. وتنتهي هذه الهجرة غالبا بتحصيل رأس مال يمكّن المهاجرمن العودة لوطنه بمستوى اقتصادي أحسن مما كان عليه قبل هجرته.

فلنأخذ الآن الأبعاد النفسية والاجتماعية لكلتا النوعين من الهجرة. البلدان العربية المُصدّرة لليد العاملة والكفاءات هي بالأساس البلدان الفقيرة  (المغرب، الجزائر، تونس و مصر) والبلدان المستوردة هي بلدان البترودولار الغنية من حيث مدخولها الاقتصادي (ليبيا، السعودية و بلدان الخليج). لكن في نفس الوقت البلدان الفقيرة هذه أقرب للحضارة الغربية من بلدان البترودولار التي مازالت ثقافتها بدويّة و محافظة على سلوكات قبليّة وعصبيّة (استمع الى حديث هشام جعيّط في ركن المرئيات و المتفرقات). ولا يخفى على أحد أنّ المعاملة الصّلفة أحيانا تجاه رعايا البلدان الأكثر فقرا تخلّف في النفوس مزيدا من احتقار الذات الفردية و الجماعية الثقافية. فالعربي المسلم من البلدان المُورّدة للكفاءات واليد العاملة لا يمكنه أن يتزوّج من رعايا البلدان البترودولارية ولا يمكنه أن يتحصّل على جنسية البلد حتى وان قضى معظم حياته في خدمته. وزد على هذا أنه يمنح أجرا يتراوح بين 50 و 75 في المائة من أجر المواطن الغربي الذي يعمل بنفس المركز  والرّتبة رغم تساوي الكفاءة و التجربة.

فالغربة في الوطن العربي وان لم تكن مريرة لوجود العامل الديني والثقافي الآ أنها تقوّي النزعة العُصابية للشخصية وحالة الامتهان نحو الآخر وخصوصا نحو النفس. فلا يحسّ العربي أبدا أنه في وطنه العربي المُفترضْ عندما تسلّط عليه أنواعٌ من الميز تجعله في مرتبة دونية مقارنة بالأجنبي.

أما المهاجرون نحو أوروبا وأمريكا لمدة محدودة فانّ همّهم هو الادّخار مما يجعلهم غالبا، لتحقيق هذا الهدف، لا ينخرطون في الحياة الاجتماعية و طريقة العيش. و بالرغم من أنّ المجتمع الأوروبي والأمريكي يمنح للمهاجرين الشرعيين فرصة الزواج والتحصّل على الجنسية والمساواة في الأجر لنفس الكفاءة والخبرة الاّ أنّ الكثيرين يستمرّون في احساسهم بالغربة نظرا للفارق البعيد بين القيم الاجتماعية و الأخلاقية خصوصا اذا وصلوا الى القناعة بأن مستقبلهم ليس في ذلك البلد المُستقبلْ.

الهجرة من أجل الدراسة والتحصيل العلمي

المهاجرون من أجل الدّراسة و التحصيل العلمي نوعان: (1) الصنف الأوّل من أبناء البورجوازية المحليّة ذات الامكانيات المادية و المعرفية والتي تريد أن توفّر لأبناءها تعليما ممتازا في جامعات أمريكا وأوروبا لتكون أهلا لاستمرار استغلال الارث البورجوزي من ثروة و مناصب الخ. ففي هذا السنّ المبكّر، أي بعد الباكالوريا، تدفعهم روح الشباب الى العيش في أجواء أوروبا بطريقة سطحية بوهيمية. وتصحّ فيهم قصيدة شاعرن الكبير بيرم التونسي البعثات . وهذا الصّنف لا تأثر عليه المعيشة الأوروبية كثيرا لأنّهم في وطنهم الأصلي يعيشون على النمط الأوروبي. فالبورجوازية تحاكي البورجوازية وتُقلّدها و تتقاسم معها قيمها. (2) أما الصنف الثاني فهم من التلاميذ والطلبة من الطبقات المتوسطة الذين مكنهم امتيازهم الدّراسي من الحصول على منح لمواصلة تعليمهم في الخارج. وهم أكثر عرضة لأن تواجههم الصدمة الثقافية. وهي صدمة مرادفة لصدمة المهاجرين من أجل الرزق. فهم عازمون على العودة للوطن بعد التحصيل بسبب ظروفهم العائلية الخاصّة أو ليقينهم بأن الوطن الأم وحده قادر على منحهم الرّقي الاجتماعي المناسب لكفاءاتهم و شهائدهم. لذلك تراهم يحاولون أن يتعلّموا من الوطن المُستقبل كل ما يساعدهم على نجاحاتهم المقبلة من خبرات اجتماعية وعلاقاتية. انّ الشباب المُبرمَجْ للنجاح وللسعادة يعي أن النجاح الاجتماعي قيمته الحقيقية في الوطن الأصلي بين الأهل والأصحاب. فالمنافسة على هذا النجاح خارج الوطن ليس لها المعنى والنكهة والقيمة التي يحضى بها داخل الوطن.

الهجرة هروبا من الاضطهاد

أما المهاجرون هربا من الاضطهاد السياسي والدّيني أو الاجتماعي فهم على يقين من عودتهم حالما تزول أسباب ذلك الاضطهاد. و هؤولاء المنفيون قسرا أو اختيارا هم غالبا من المتشدّدين الذين يبقون على تشدّدهم عن الرّغم من وجود ملاذ في الدّول الغربية على أساس مبادىء الحرية في المعتقد وحقوق الانسان والتسامح الديني و توفير الأمان للمضطهدين لأسباب انسانية. و بما أن المتشددين منخطرون في نظام معرفي أقرب الى الأنظمة المُغلقة فتجدهم في الأغلب ممن يصدق فيهم المثل العامي التونسي « يأكلون الغلّة ويسبّون الملّة ». أي أنهم يبقون على عدائهم للغرب وقيمه و هيكلته الاجتماعية. فبالرّغم من أن الظلم المسلـّط عليهم يأتي من نظام قيمي لا يقبلونه لأنّه متسامح ومتفسّخ في نظرهم فهم لا يمنحون للنظم المستقبلة لهم الفضل في سلامتهم و حريّتهم. و يجدون تبرير مواقفهم دينيا مثلا بالقول بأن موسى تربّى في دار فرعون. فهم لا يرون في الحضارة والثقافة والمجتمع الغربي قيما انسانية وأخلاقية متحضّرة يمكن الاستفادة منها واستعابها وانّما يتقوقعون في ثقافة الغيتو (Ghetto) و بناء حياة موازية في مجتمع موازٍ. و لا يجدر هنا التعميم فهنالك الكثير من المهاجرين من الاضطهاد الذين لا ينخرطون في منظومة متشددة ويستوعبون الكثير من الثقافة المُستقبلة بل و يساهمون فيها.

هجرة الفنانين و المبدعين

الفنان والمُبدع بطبعه روح قلقة دائمة البحث عن محيط أنسب لفهمه واستيعاب رسالته وطاقته الخلاّقة. والمبدع كذلك تلزمه غربة الروح والاحساس المرير بعدم الرّضى فيلجأ للهجرة لتغيير المحيط والبحث عن مجتمع متقبّل لابداعه. وهناك من الفنانين من ترسّخت أقدامهم في مجتمعهم الأصلي لكنهم يهاجرون للبحث عن المزيد. المزيد من التجربة، المزيد من الشهرة، المزيد من المال والمزيد من الاعتراف والتقدير على صعيد أكبر. ولأنّ العمل الابداعي نرجسيّ ٌ بطبيعته فان نرجسية الفنانين تجعلهم في بحث دائم لأن يصبحوا معابيد الجماهير. وان كانت هجرة فناني المغرب العربي الى مصر خصوصا ظاهرة قديمة الا أنها ترسّخت و تعمّمت مع ظهور الفضائيات وتقنية الفيديو كليب (التي تجعل من أي كان فنانا) أي ظهور سوق عربية موحّدة وفرص للبيع والانتشار والاثراء.

ولا يحسّ الفنان بصعوبة الانخراط في المجتمع المُستقبل الاّ في البداية حين ينبغي له ربط علاقات فنية وتجارية تمويلية. وبما أن أغلب الفنانين المتعطّشين للنجاح من النساء فتقصّرُ السّبل باتخاذ أزواج من الوسط الفني أو التجاري القريب من الوسط الفني للبلد المُستقبل (وردة الجزائرية / بليغ حمدي. علية التونسية/حلمي بكر، سميرة بن سعيد /هاني مهنّى، ذكرى محمد/السويدي الخ) و كلنا يذكر تلك الحادثة المروّعة التي وجدت فيه فنانة مغربية متلهفة للنجاح مقتولة في بيت بليغ حمدي الذي اضطرّ للبقاء في باريس هربا من تنفيذ الحكم وقال أن لا علاقة له بالحادث اذ كان يسوّغ شقته لصديق سعودي الخ. فلكي يصل البعض يكون الثمن أحيانا باهضا كما حصل للمغنية التونسية ذكرى محمّد والتي عبّرت عن الصعوبات التي اعترضتها بتشبيه مسيرتها بمسيرة الرسول في قريش. فاذا ما صادف الفنان المتلهّف الى الشهرة النجاح خفّت عليه أثقال الغربة.

أمّا الفنان المغمور والمهاجر الى بلدان غير عربية فتكون قسوة الغربة عليه أشد اذ هي غربة مضاعفة. غربة الذات المبدعة وغربة الانسان خارج وطنه. والابداع الفني لا يستطيع أن يكون الاّ خصوصيّا. و ليس من السّهل أن تنفذ هذه الخصوصية في المجتمع المُستقبل لأن الثقافة الأصلية والثقافة المُحتضنة لا يتقاسمان نفس الاهتمامات ولا نفس المرحلة في الدّورة الحضارية و لا نفس القيم الجمالية والتعبيرية.

2. الهجرة النهائية الاستطانية

رفض المجتمع الأصلي و البحث عن مجتمع أفضل

بعض الأرواح الثائرة التي تعي بأنها لم تُخلق لتعيش في وطنها ومجتمعها الأصلي تلجأ الى الهجرة والانخراط التام في المجتمع المُستقبِل. و قد يحصل هذا اثر هجرة كانت في بدايتها مؤقتة ثمّ تحوّلت الى هجرة دائمة بمجرّد حصول الوعي في مستوى الفرد بتفضيله للعيش في كنف المجتمع المُستقبل على العودة للعيش في كنف المجتمع الأصلي. و هذه الوضعيّة هي نتيجة تغلّب قيم المجتمع المُستقبل على قيم المجتمع الأصلي في الصّراع المرير الذي يعتملُ في نفسيّة كل مهاجر و قد تكون الغلبة كلية أو جزئية. وأيا كانت نوعية هذه الغلبة فان الانسلاخ عن ثقافة الوطن الأصلي لا تكون أبدا كليّة. فان المُستوطن، حتى وان اعتبر نفسه منخرطا كليّا ومتماهيا تماما مع المجتمع الجديد و حتى ان تحصّل على مساواة تامة في المواطنة والحقوق الانسانية مع أهل البلد الأصليين فان اختلافه الظاهر (الشكل، الاسم، اللهجة، الأصل) يظلّ يلازمه لأن الآخر ينظر اليه دائما كالوافد والقادم  وليس كابن التربة الأصلي. فالنظرة التي يُلقيها الآخر علينا هي جزء من هويتنا الذاتية. لذلك يُعتبر الجيل الأوّل دائما هو جيل التضحية والتذبذب بين الهويات في حين يولد الجيل الثاني في غاية الانسجام مع المجتمع المستقبل للآباء. هذا فيما يخصّ أمريكا الشمالية أي الولايات التحدة و كندا.

أما في اوروبا فالأمر يختلفُ نظرا للتاريخ الاستعماري الذي يربط أوروبا بالبلدان المُصدّرة للمهاجرين والفشل الذريع الذي آلت اليه السياسات الأوروبية في خلق قيم مواطنة جديدة تعتمد على الاسهام في النسق الحضاري لا على قانون الدم والنسب. وان لعقدة المُستعمِرْ كما قدّمها ألبار ممّي في كتابه (Profil du colonisé) دور كبير جدا في علاقة سكان افريقيا الشمالية بأوروبا. و يمثّل الشريط الوثائقي « ذاكرة مهاجر » لمخرجته الجزائرية يمينة بن قيقي وثيقة بالغة الدلالة والمعنى تُغني عن كل تحليل مُتحذلق اذ صوّرت معاناة أجيال من المهاجرين المغاربيين الى فرنسا وحللت بعمق الصورة والكلمة والنبرة مأساة ابناء الأجيال المختلفة للهجرة.

هجرة الكفاءات والأدمغة

العالم العربي أكثر رقاع الأرض على المعمورة تصديرا للأدمغة والكفاءات المختلفة. ولهذا النزيف من الطاقات المهدورة أسباب عديدة منها ماهو سياسي و منها ماهو ااقتصادي واجتماعي كما منها ماهو ذاتي صِرف. ان مجال البحث العلمي حقل ابداعي لا يختلف عن الفنون الا من حيث أهمية التمويل والتقدير والحاجة الأكيدة الى الانتماء الى مجموعات علمية (communauté scientifique)  لأنه لا امكانية لتقدّم الأبحاث والعلوم الا بالمحاكاة ونشر الأبحاث العلمية في المجلاّت المُختصّة و تبادل الخبرات. و لا حاجة للتذكير بأن العالم العربي في هذا المجال هو في آخر الرّكب لأسباب يطول شرحها ولكن أهمّها هو استحواذ السياسي على الجانب الأكبر من مصادر التمويل وغياب ثقافة الخير الجماعي (Bien collectif) في أصحاب رؤوس الأموال الخاصة للهفهم الى الربح السريع و غياب روح المسؤولية المواطنيّة للمؤسسة الخاصة. هذا الى جانب عدم الاكتراث العام بالعلوم والبحث والتعويل على الخارج في اقتناء مشاريع مسلّمة المفاتيح. فالباحثون والعلماء والكفاءات يجدون أنفسهم مدفوعين الى هجرة طويلة الأمد و نهائية لأن ذواتهم المعرفية لا تستطيع أن تتفتق داخل المجتمع الأصلي حيث لا حظوظ ولا تقدير ولا سياسات و لاميزانية. وغالبا ما تكون هذه الفئة قد درست و تخصصت في الغرب. فهي امّا عادت للوطن الأصلي خدمة للوطن فمُنيت بفشل ذريع ومرير فجرّت أذيال الخيبة معها وعادت الى أمريكا وأوروبا وامّا فهمت من البداية أنها عليها أن تبقى حيث هاجرت ليمكنها الاستمرار في العمل و الابداع و لتنال الاعتراف والتقدير الذي تستحقه.

ان أي انسان يريد أن يردّ الجميل للوطن الذي أنشأه و رعاه. لكن عندما تصطدم هذه الفئة بواقع مجتمعاتها الأصلية ولا تجد التشجيع بل على العكس تجد كل ما يدفعها الى الاحباط فانّ حجم المرارة يكون بقوّة لا تُقدّرْ. لذلك يسعى هؤولاء الأفراد الى جعل ميادين اختصاصهم و مهنتهم و حقول تجاربهم و بحوثهم وطنهم  وهويتهم أكثر من تلك الرقاع الجغرافية التي تسمّى أوطانا بفعل فاعل. ان المعرفة التي تؤدّي الى الوعي بالذات في وحدتها وتفرّدها غالبا ما تؤدّي الى احساس الغربة سواء كنا في الوطن أو خارجه. لذا صنع الخيال اللغوي مفهوم المواطن الكوني لتعميق الدلالة والتعبير عن ذلك التحرر الذي تصل اليه الذات من كل أشكال الهويّات التي حبستها في وعي مُبرمجْ. و لقد تعرضنا لهذا التحليل في مقالنا عن الخروج من سجن الثقافة .

هجرة رؤوس الأموال

انّ من أسباب التخلف الاقتصادي للعالم العربي هو عدم تكافؤ الفرص أمام المبادرة الاقتصادية. فمبدأ الولاء قبل الكفاءة جعل فئة رجال العمال و باعثي المشاريع تنحصر في طبقة زبائنيّة تعتمد على شبكات المعارف الشخصية والتدخلات الفوقية أكثر من اعتمادها على الأفكار الخلاّقة لبعث المشاريع المدروسة والجادّة ذات المردودية و الجدوى. وهذا الاستنتاج صالح لكل الدول العربية بدون استثناء من المحيط الى الخليج. فقانون المنافسة النزيهة والحرّة الذي هو عصب الاقتصاد الغربي هو قانون غير موجود في العالم العربي وان وجد فهو مغشوش. وهذا ما يحدو بالكثيرين من أصحاب رؤوس الأموال الذين لم يجدوا حظا  -أي الذين لم يوفّر لهم تكافؤ الفرص مجالا لابراز أحقيتهم وامكاناتهم بخلق الثروة- مرشحين الى الهجرة الى البلدان التي تستقبل الباعثين للمشاريع وأصحاب المبادرة الاقتصادية. « فالفقر في الوطن غربة والمال في الغربة وطن » كما يقول الامام علي. لكن التحدّي الذي يواجه الباعثين النزهاء ليس انفاق المال و حياة البذخ والاستهلاك على الطريقة الغربية انما المراهنة على النجاح و اثبات الذّات. لكن الثقافة العربية كما الثقافة المسيحية الكاثوليكية كما حلّلها السيسيولوجي الألماني ماكس فيبير(Max Weber) لا ترى بعين الرّضى كلّ ما يتعلّق بالتجارة والرّبح والمبادرة الاقتصادية. فان تجاوز العالم الغربي هذه العقدة، كما يُـبيـّنه فيبير في كتابه الاقتصاد والمجتمع، فان العالم العربي مازالت تطغى عليه عقلية الاقطاع و علاقة جدّ عصابية مع المال بين الرغبة في الامتلاك والاستثراء وفي نفس الوقت امتهان واحتقار من يسعى اليه. و لازالت آثار ذلك الامتهان راسخة في اللغة التي تمثل اللاوعي الجماعي لللثقافة، ففي تونس مثلا يسمى المال « وسخ الدنيا ».

ولا يشعر هذا النوع من المهاجرين بغربة عميقة لأن امكانياتهم المادية تمكنهم من العودة للوطن بصفة مكثفة كما أن أغلبهم ينجحون في خاتمة المطاف في مذّ جسور اقتصادية مع الوطن الأم من خلال المعاملات وفتح فروع لمؤسساتهم في الوطن الأصلي. والنوع الأخير الذي لن نطيل الحديث عنه يتمثل في تلك الفئة الانتهازية التي كوّنت ثروات من حلالك وحرامك وهرّبتها لتستقرّ بعيدا عن الأعين وامكانية المحاسبة ولاشتراء عذارة جديدة في مجتمعات غربية لاتهمّها مصادر المال بقدر ما يهمّها استقطاب رؤوس أموال جديدة.

خلاصة: الانعكاسات النفسية والاجتماعية والسلوكية للغربة.

مهما كان نوع الغربة ومهما كانت أسبابها فان مخلّفاتها النفسية والاجتماعية و السلوكية عميقة حيث أنها لا بدّ أن تغيّر علاقة الفرد مع ذاته وعلاقته مع الآخر داخل المنظومة المُستقبلة والأصليّة.

فعلى الصعيد النفسي يكمن الألم في الوعي بعدم امكانية الاستيطان العاطفي في البلد المستقبل مهما كان نجاح الفرد الشخصي وانخراطه « التام » في الدّورتين الاقتصادية والاجتماعية أو حتى الثقافية. فانّه حتى اذا اعتبر نفسه منخرطا ومتماهيا تماما مع الحضارة المستقبلة فان نظرة الآخر -المواطن الأصلي- تذكره دائما أنه من بلد آخر ومن ثقافة أخرى. فعندما تسمع اسمك مُهجّى و »ملويّ العنكوش » كما يقول الآستاذ توفيق بكّار عن اللغة الشعريّة للمرحوم صالح القرمادي وعندما تكون مجبرا في كل مناسبة بأن تمليه حرفا حرفا يكون ذلك الشاهد على انك لست في غاية الانصهار في المجتمع المُستقبل كما كنت في مجتمعك الأصلي.

وعند العودة للوطن في العطل وغيرها تشعر أنك عدت الى بلد لم يتطوّر منذ تركته فمازالت الزبالة تلقى في مفترق الطرقات والناس يصرخون و يغضبون لأتفه الأسباب وغالبا ما تسبق اللـّكمة الكلمة في حوادث الطرقات البسيطة كوسيلة للحوار والاقناع ومازال الناس لا يستبطنون القانون المروري كقاعدة ثابتة في السلوك ولا يطبقونه الا مخافة الشرطي. واذا تعجّبت لذلك وعبّرت عن تعجّبك اتهمت بالتحذلق و نكران الأصل ويسارع الأصدقاء بنصحك بأن تبتسم فأنت في احضان الوطن.

كما أنّ لنعت « عمّالنا بالخارج » -مع ترقيق الخاء- دلالة تحمل في طيّاتها جملة من الأحكام المُسبقة بعضها محقّ. فأبناء الجيل الثاني أوالمهاجرون الذين « نجحوا » يعودون بسياراتهم النظيفة ويُسرفون في التظاهر وزيارة الملاهي الليلية في الفنادق السياحية التي هم محرومون منها في أوروبا وتراهم غالبا يتصرّفون بتعال و حذلقة مع مواطنيهم المقيمين وكأن لهم ثأرا من المجتمع بأكمله. فهذا السلوك المرضي يعزز الأحكام المسبقة السلبية. فأهمية المظاهر وابرازها الخادع يخفي معانة لا تبوح باسمها من ميز عنصري وعدم تكافؤ في الفرص من أجل العِرق والدّين واللون يقع التعويض عليها عبر سلوك لاشعوري بنوع من الترفّع الأخرق والأجوف. فحتى مجرد الأسماء كعلي و محمد و صالح أصبح لها في حد ذاتها مخزون ومعنى عاطفي سلبي لدى الطبقات المتوسطة الفرنسية مثلا وهذا المعنى مشحون بمركبات عقدة المُستعمر كما فسّرها مواطني ألبار مِمّي. فحتى في قراءة رواية الغريب لألبار كامي أو مشاهدة الفلم المشتق منه من بطولة مارسالّو مستروياني ترادف كلمة العربي معنى الشيىء، الاخر، الغريب الآنديجان الذي لاقيمة له، أي كل شيىء ماعدا الانسان المواطن ذو الكرامة والمكانة.

وهناك من المواطنين الأصليين من يحنق على المهاجرين ربما غيرة  وحسدا أو ربما صلفا لانقطاع التماهي القيمي والأخلاقي. فكثيرا ما تقرأ في الجرائد عندما يتعلّق الأمر بسياسيّين ومثـقـّفين يعيشون في المهجر ويُبدون آراء نقدية للوضع في البلد الأصلي بأنّ ليس لهم الحقّ في الاهتمام بشؤون الوطن ماداموا قد اختاروا رفاهية الغربة وعليهم العودة للاستطلاء والاكتواء بواقعه ليستردّوا حق الحديث عنه.

أما على صعيد العلاقات الاجتماعية فان كانت سهلة بالنسبة للجيل الأوّل من المهاجرين لأنهم يسعون دائما لاحياء العلاقة مع الأهل وأصدقاء العمر الغضّ التي تمثل لهم سعادة عارمة فأنها صعبة جدا بالنسبة لأبناء الجيل الثاني المولودين بأوروبا. فهم أبناء الهجرة ووطنهم هو الذي رأوا فيه النور وليس ذلك الوطن الجميل الذي يصوّره لهم آباؤهم حالمين بأن يتحقق لهم يوما العودة اليه من طرف أبنائهم وهو ما فشلوا فيه هم أنفسهم. وغالبا ما يصطدم الأباء النوستالجيون الحالمون بالجنة الضائعة بمساءلة أبنائهم المريرة : « اذا كان وطنك هذا الجنة التي تصفها فلماذا خرجت منه بارادتك؟ وماذا يمنعك من أن تعود اليه؟ » و لايجد الآباء من جواب سوى الألم.

وينبغي التذكير بأن تأثير المجتمع الأوروبي على المهاجرين يختلف عن تأثير المجتمع الشمال أمريكي. فأوروبا هي قوّة مستعمرة وتلعب العقد النفسية التاريخية المُـتوارثة من الجهتين الاطار الخلفي لعلاقات معقّدة. هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى فان المجتمع الأوروبي، رغم مبادىء الثورة الفرنسية، ورغم بناء المؤسسات الديمقراطية هو مجتمع ذو هيكلة وثقافة أروستقراطية كما يُفسّر ذلك ألكسيس دي توكفيل في مقارنته بين الديمقراطية الفرنسية والديمقراطية الأمريكية. فتكافؤ الفرص في أمريكا الشمالية أكثرعدلا وقوة وحضورا منه مما هو عليه الأمر بأوروبا برغم النزعة لدى الأمريكيين لآعادة الهيكلة الأرستقراطية المتوارثة. فيكفي أن ترى التكوين الاثني والعرقي في المؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية كالجامعات ومراكز البحث وحتى القوات المـُسلّحة لتعي بأن الصدمة الثقافية للمهاجر العربي ليست من نفس الطبيعة كما في اوروربا القديمة ذات التقاليد الأرستقراطية. فرسائل العداء العنصري وأفعال العنف الذي يتعرض لها أحد المُعيـّننين في منصب سياسي في الادارة الفرنسية فقط لأنه جزائري تبرهن على أن فرنسا خصوصا قد أخفقت كمجتمع وثقافة في استعاب المهاجرين و جعلهم قوة فاعلة لصالح فرنسا ما عدا في مجال كرة القدم.

فالمنافسة على ارتقاء السلـّم الاجتماعي هو خاصيّة كل المجتمعات لكنه أحدّ في أوروبا منه في أمريكا. فأنك يمكن أن تصبح أمريكيا كامل الحقوق عن طريق الهجرة وترتقي الى أعلى المناصب (أنظر ما حصل مع أرنولد شفاتزناقر النمساوي الأصل أو مع رالف نادر اللبناني الأصل المرشح المستقل للرئاسة في انتخابات سنة 2000) لكنك لا يمكن أن تصبح فرنسيا في نظر الفرنسيين حتى ولو كانت لك كل المؤهّلات. فقوّة امريكا تكمن في قدرة ثقافتها على استيعاب الوافدين اليها وصهرهم في هيكلتها على حسب الكفاءة وامكانية اثراء البلد لا على اساس الأصل والعِرق. لكن ما حدث في 9/11 قلب بعض المفاهيم والسلوكات بالخوف والرّيبة الموجّهة نحو العرب والمسلمين عموما لكن الأقليات الأخرى لم يمسسها الضرر الذي لحق بالعرب الأمريكيين.

وفي خلاصة الخلاصة يمكن القول بأن الغربة واحدة: غربة المعرفة والوعي، غربة الفنان  والمفكّر السابق لزمانه في عمق الرؤى، غربة الأهل والوطن، غربة الذات الواعية بوحدتها الوجودية وتفردها المحتوم. فكل هذه الأصناف من الغربة تؤثر على الصعيد النفسي والاجتماعي. فالغربة الذاتية النفسية لها انعكاسات على السلوك و الانخراط في المجتمع. والغربة الاجتماعية الناتجة عن هجر الأوطان لها انعكاس على النفسية والسلوك. فهذه العلاقة الجدلية قائمة الذات ولاتصعب البرهنة عليها. ولكن بدل البكاء منها أو عليها ينبغي تحويل تلك الطاقة النفسية الى طاقة ابداعية خلا ّقة. هذا هو السبيل الوحيد للتهوين من آلامها.

الاستماع
بابور زمر – الهادي قلّةغريب – الشيخ امامشو اعملتليهجرة العقول العربية – برنامج الجزيرةللمشاهدة
مذكرات مهاجر- يمينة بن قيقي Mémoire d’emmigrés – Yamina Ben GuiguiL’ange du Goudron – Denis Chouinardانشاء الله الأحد –
يمينة بن قيقي – Inchallah dimanche – Yamina Benguiguiللقراءة:
Albert Memmi – Le racismeAlbert Memmi- Portrait du colonisé

مونتريال  جانفي  2004
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire