banner

16 – من النظرية الى التطبيق في العلوم الاجتماعية، الايديولوجيا والدّين

بقلم: كريم السّــمعلي

« العلم هو مجموع تصحيح أخطائه » هكذا يقول باشلار. فلم يكن العلم ليتقدّم لولا عثراته المتعددة والتجاوز المستمر لهذه العثرات المعرفية. وهذا التصحيح المستمر متأت من عدم التسليم المطلق بالحقائق العلمية النسبية والمرحلية والمواظبة على تحديها ونقدها واظهار عيوبها ونقائصها عبر اعادة استقراء الواقع الذي أدّى الى استنتاجها. وان كان باشلار يقصد بمقولته العلوم التجريبية فان المقولة صالحة لكل العلوم وكل أنواع المعرفة. وسنحاول في هذا المقال اضاءة الأركان المظلمة من الخطوط الفاصلة بين ماهو نظري وماهو تطبيقي لا فقط في العلوم الصحيحة والعلوم الانسانية انما سنتجاوزها للأيديولوجيات والأديان لأن الجانب العملي والنظري منها دائم التجاذب والتناقض مما يعطي الفرصة للخطأ النظري أن يصبح الصحيح العملي والعكس بالعكس.

لكن لنبدا اولا بالتعريف. فما هي النظرية؟ النظرية هي تمثيل الواقع في عدة مفاهيم والربط بين هذه المفاهيم بقوانين تفسّر الماهية النوعية والكمية لهذا الترابط. و لبناء أية نظرية ينبغي القدرة على التجرّد وهو نوع من التعالي على الواقع من أجل جعل كل مفهوم محددا سيمنطيقيا أي أنه لا يبعث للخلط في معناه وأبعاده. كما ينبغي أن تكون العلاقة بين المفاهيم قادرة على التصديق والتكذيب على محك الواقع الذي تحاول تنظيره وأن يكون الترابط بين المفاهيم عقلانيا منطقيا يمكن أن يتـقبـّله العقل السليم أي المعتمد على قدرة اقامة العلاقات السببية لا على التفكير السحري والغيبي. فهذه بعجالة خصائص النظرية العلمية كما حددها الابستمولوجي كارل بوبار (Karl Popper).

1. البناء النظري في العلوم الصحيحة و تحديات الواقع

 نقصد بالعلوم الصحيحة علوم الجماد (الفيزياء وفروعها) وعلوم الأحياء (البيولوجيا وفروعها) وهي علوم موضوعُ بحثها خارجٌ عن ذات الباحث والعالم وهو ما يؤدي الى أكثر موضوعية وتجرّد. ثم ان التجربة الممكنة على ذلك الواقع المدروس تبقى المرجع لاستنتاج الصحة أو  الخطأ النسبيين لكل نظرية. و تبنى النظريات في هذا المجال عبر منهج :

الملاحظة–> تخيل الفرضيات –> تجريب الفرضيات –> استنتاج –> تعميم الفرضيات لتصبح نظريات يمكن التثبت منها في المخابر In vitro. ويمكن انتاج الظواهر المدروسة والتحكم في معطياتها. فانتاج المعرفة العلمية هو اذن عمل ابداعي حيث يلعب الخيال دورا في التصور والتكهن ثم يتم الاحتكام للواقع ملاحظة ًوقياسًا عبر منهج مضبوط يمكن تكراره الى ما لانهاية للتأكد من صحة الفرضيات والاستنتاجات. فتطبيق النظرية هو رهن ما يُمليه الواقع. وبما أن هذا الواقع. والواقع في علوم الجماد والأحياء ثابت ومستقر اي أن قوانينه لا يتغير بسرعة. فهيكلة الذرّة من الكترونات وبوتونات وآليات تجاذب وتدافع بين عناصرالنواة والاكترونات لا تتغير ولم تتغير مذ وجدت وكذلك الأمر بالنسبة للخلايا الحية وميكانزماتها البيوكيمياوية. وهذا ما يضفي على العلوم التجريبية المسماة بالصحيحة الكثير من المصداقية.

ومع كل ذلك فان الكثير من النظريات تطوّرت واُكتشف خطأها النسبي أو الكلّي فكل نظرية جديدة تنسخ نظرية قديمة حسب نفس المنهج العلمي المتفق عليه والمُسلـّم به. هذا ماتشهد عليه الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم. فنظرية النسبية لأنشتاين مثلا تجاوزت الميكانيكا كما حددها اسحاق أنشتاين. ولا بد أن تظهر نظريات أخرى تـُجاوز النسبية وترسم حدودها. فهذه هي طبيعة العلم. فالذي يحدد صحة النظريّة ليس الواقع لأنه ثابت لا متغيّر وانما فهمنا لذلك الواقع والتعمق في ذلك الفهم خصوصا بعد أن تزاوجت المعرفة العلمية بالقدارات التقنية وهو ما حصل خصوصا في القرن العشرين بولادة مفهوم جديد هو التكنوعلوم (technoscience). فكلما تطورت تقنيات القياس والملاحظة كلما اقتربنا من حقيقة الواقع المادي الذي يحيطنا.

2. البناء النظري في العلوم الانسانية و تحديات الواقع

 ان العلوم الانسانية حديثة في تشكلها بالنسبة للعلوم الصحيحة. ولقد تأثرت كثيرا في بناءها بالعلوم الصحيحة وخصوصا الفيزياء والبيولوجيا. فنجد أن العديد من النظريات التي رأت النور في كنف العلوم الصحيحة تم تبنيها في مجال العلوم الانسانية كنظرية الأنظمة، نظرية الفوضى، نظرية الميكانيكا …الخ. هذا وتتميز العلوم الانسانية بتعقيدها على مستويين:

2.1) موضوع البحث الذي هو الانسان كفرد أو كمجتمع انساني في غاية من التعقيد. فهو وان كان خاضعا لكل قوانين الفيزياء والبيولوجيا ككائن فانه خاضع لقوانين ونواميس اخرى نفسية واجتماعية مما يزيده تعقيدا على تعقيد.

2.2) طبيعة الموضوع، فهو دائم التغيير والتشكل. فيكاد التجريب يستحيل نظرا لهذه الطبيعة. فاستنتاج فرضيات وتجريبها في الواقع In Vitro لا يمكن أن يحدث في مختبر انما في المحيط الطبيعي In Vivo  الذي لا يمكن أن يخضع للتحكم في معطياته وان كانت التجارب في علوم النفس والسلوك قد خطت خطوا بعيدا في استعمال التجريب لكنه يبقى محدود المدى. و نشير هنا على سبيل المثال الى اعمال جون بياجي Jean Piaget الذي جعل من أطفاله حقل تجاربه لاستجلاء قوانين تهيكل المعرفة في الذهن عبر مراحل نمو الأطفال في العمر الغض.

فروّاد سيكولوجيا القرن العشرين لم يبنوا نظرياتهم من فراغ انما عن طريق الملاحظة والاستنتاج المتأتية من الفحص الطبي وحصص العلاج النفسي. فكذلك كان الأمر بالنسبة لمؤسسي علم النفس كسيقموند فرويد وكارل قوستاف يونغ وميلاني كلاين في عملها مع الأطفال وكارل أبراهام و وينيكوت الذي يقال أنه درس آلاف الحالات. ولقد كانت للميكانيكا النيوتونية (نسبة لاسحاق نيوتن) شديد التأثير في بناء علم الاقتصاد حيث نجد مفاهيم الوزن والسرعة مهيمنة على الخطاب الاقتصادي وكذلك مفهوم التوازن وهي كلها مفاهيم مستوحات من الفيزياء الميكانيكية.

والواقع في العلوم الانسانية هو سيد الموقف واستقراؤه وتحليله خاضع لشبكة تحليلية (grille d’analyse)يمكن أن يشوبها الوهن نظرا لتدخل الأحكام القيمية المسبقة في التشويش على موضوعية الاستنتاج وتجرّده. لكن هذا التعقيد و هذا « الضعف » لصلابة الحقائق النظرية في العلوم الانسانية لا ينفي مدى تأثيرها وأهميتها في الواقع. فلنأخذ مثلا قانون ابن خلدون -وهو مؤسس السوسيولوجيا العربية- في ان « العدل أساس العمران » كنموذج. هذه المقولة تربط بين مفهومين هما العدل الاجتماعي والاقتصادي واالقضائي وبين مستوى المدنيّة والتحضّر(العمران). فمن ناحية القيمة المعرفية لا يوجد فارق بينها وبين قانون بيولوجي بان « نمو الدماغ يتم عن طريق خلايا عصبية تربط بين الخلايا الأخرى فيما يسمى الدماغ الجديد neo Cortex« . و خلاصة هذا التحليل أن العلوم الانسانية أدت الى حقائق علمية تتجاوز الخصوصيات الثقافية وهذا الأمر مهم جدا من ناحية قبول هذه العلوم واستبطانها في الثقافة العربية كمنهج لبناء المعرفة ومصدرحقائق علمية. وهو ما لا يتم بصفة كافية أو محتشمة جدا.

ان انتاج المعرفة من خلال العلوم الانسانية تحتاج الى انتباه كبير لأن غايتها تتجاوز الفهم للواقع حيث تسعى للتأثير عليه اي تغييره أو تحسينه. لكن غالبا ما تتبنى الايديولوجيات تلك المشاريع « العظمى » للتغييرانطلاقا من استنتاجات حول خلل الواقع الانساني في تحقيق سعادة الفرد والمجتمع.

3. البناء النظري في الايديولوجيا وتحديات الواقع

 الايديولوجيا هي منظومة فكرية تأهّل لبرنامج عمل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وعقائدي. فهي اذن منظومة فكرية متكاملة لكنها تعتمد على تحليل وتمثيل ذلك الواقع الي تريد أن تغيّره. وهذا التحليل يتشكل في عدة نظريات. فالايديولوجيا الماركسية التي تشكلت كمشروع عمل سياسي في المانيفاستو وفي كتابات ماركس السياسية بُنيت أساسا على نظريات ماركس الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية. فالايديولوجيا كبرنامج عمل هي امتداد (Extrapolation) لنظريات تحليلية تعتمد على الماضي والواقع في آن محاولة العمل على تغيير وجهة المستقبل بالوعي والعمل السياسي.

في مقالنا سقوط المنظومة الشيوعية: الأسباب و التداعيات  قمنا بتحليل مدى الفارق بين النظرية والتطبيق التي أدت الى سقوط المنظومة الشيوعية في العالم. وكان بامكاننا أن نتوسع في ذلك في هذا المقال لكننا نختار للافادة تحليل الايديولوجيا الرأسمالية ومُسلـّماتها ونظريّتها في الاقتصاد والمجتمع. وللتذكير فان مصطلح الايديولوجيا، خاصة في معناها المجازي السلبي، كان يلصق بالماركسية ومشتقاتها في حين كان المعسكر الغربي « يُنزّه » نفسه عن كونه خاضعا أو مطبقا لايديولوجيا ما. وكأن الراسمالية نظام طبيعي فرضته نواميس الطبيعة بدون تنظير وهو ما يمثل فكرة خاطئة ومراوغة غير بريئة. فكتاب « البحث عن أسباب ثراء الأمم » لآدم شميث لا يقل أهمية عن كتاب « رأس المال » لكارل ماركس. فللرأسمالية منظروها ومأدلجوها ومدارسها المختلفة. والرأسمالية ايديولوجيا شمولية اذ أنها لا تشمل الاقتصاد فقط وانما تعمم مفهوم السوق وآليّاته الى المجتمع والسياسة والفن وكل المجالات الحيوية في الحياة. فالقانون الأساسي الذي تتمحور حوله الرأسمالية هو قانون السوق ومفاده أن تحديد القيمة (سعر البضاعة) هو نتاج تنافس حر بين العرض والطلب. فالسعر العادل لأي بضاعة يمثل العقد بين البائع والمشتري / العارض والطالب / المنتج والمستهلك. وهذا العقد يفترض الحرية الكاملة واللامشروطة للتعاقد. فالنزعة الطبيعية للسوق هي هذه العدالة في الالتقاء التي تعتمل فيها اليد الخفية التي تعدل باستمرار التفاوت الحاصل بين العرض و الطلب.

 هذا نظريا. أما تحديات الواقع فلها رأي آخر. وهذا ما سنحاول تبيانه من خلال مثلين هما السوق الاقتصادية والسوق السياسية. وسنأخذ البترول مثالا للسوق الاقتصادية والانتخابات الرئاسية الأمريكية مثالا للسوق السياسية.

السوق العالمية للنفط

هل يمكن القول بأن سعر البرميل الخام من النفط هو سعر عادل لأنه يمثل عقدا حرا بمقتضى القانون الطبيعي للعرض والطلب؟ والجواب: قطعا لا. فالحرية تقتضي تساوى القوى بين العرض والطلب في حين أن تكافؤ الفرص غير موجود بتاتا بين الدول العارضة  -وهي في مجملها دول فقيرة تعتمد على النفط كمورد وحيد أو مهيمن على مدخولها ومستواها الاقتصادي-  والدول االدول الطالبة وهي دول صناعية قوية لها حاجات هائلة للطاقة لكي يستمرعمل ماكينتها التصنيعية في الدوران بلا هوادة. وأمريكا على رأس قائمة تلك الدول. ان اختلال القوى وعدم تكافؤها على الصعيد السياسي والعسكري والتأثير الجيوستراتيجي يؤثر كامل التأثير في مستوى عدالة السعر. فالدول المُنتجة الواقعة تحت التأثير السياسي الأمريكي (السعودية وبلدان الخليج) ترفع وتخفظ انتاجها لتحديد السعر لا فقط من خلال تـقره منظمة الدول المصدرة للبترول أو تفرضه حاجياتها وانما أيضا أوخصوصا من خلال حاجات البلد الراعي لها ولمصالحها العسكرية والسلطوية أي أمريكا.

فحتى أزمة النفط لسنة 1973  ورغم تأثيرها السلبي على الاقتصاد الغربي على المدى القصير فان عدم تكافؤ القوة الاقتصادية حوّل طبيعتها لتكون أكثر ايجابية للدول الغربية المصنعة. فبصفتها مصدّرة للتكنولوجيا لمجموع البلدان السائرة في طريق التصنيع وهي ذاتها البلدان المصدرة للنفط تمكنت من عكس اتجاه البخار ليكون لصالحها. فسرعان ماوقعت الزيادة في أسعار لبضائع التكنولوجية المُصدَّرة للعرب مما جعل ماربحه العرب باليد اليمنى اثر ارتفاع أسعار البترول يخسرونه باليد اليسرى لأنهم مضطرون لشراء البضائع الصناعية والتكنولوجية الأساسية في دورة اقتصادهم الداخلي. فقد تضاعفت الأسعار مرّات، زد على ذلك التفاف ثعبان المديونية وانخراط الاقتصاد العربي في دوامة المضاربات المالية العالمية التي ليست لهم فيها أدنى تأثير. مماجعل أموال العرب جميعها موظفة في أمريكا وأوروبا مغذية بذلك الاقتصاد الغربي أكثر من نفعها للاقتصاد العربي ذاته.

السوق المحلية للسياسية ألأمريكية : مثال الانتخابات الرئاسية

أما مثالنا الثاني فهوالانتخابات الرئاسية الأمريكية كمثال على الديناميكية المغشوية لقانون السوق. فالنظرية الليبرالية تقتضي بأن الانتخابات هي سوق بين العارضين من مرشحين و بين الشعب أي جمهور الناخبين/ المشترين. أما البضاعة فهي الصورة والخطاب والبرنامج السياسي الذي يطابق تطلعاتهم ومصالحهم كدافعي ضرائب ومواطنين لهم الحق في ادارة تحافظ على امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية وتعمل على تقوية قدرتهم الشرائية وتوفير البرامج الاجتماعية التي تكرس وحدة المجتمع وأمنه. فان كان عدم تكافؤالقوة بين العرض والطلب هو معوّق « اليد الخفية » في مثالنا السابق عن السوق العالمية للنفط فان التفاوت في قوة التمويل والاشهار والدعم اللوجستي هي التي تؤدي الى تعطيل « اليد الخفية » في السوق السياسية. فالفيصل اذن هو المال والاستراتيجيا المستعملة للتأثيرعلى المستهلك / الناخب عن طريق وسائل الاعلام والحملات الدعائية التسويقية وتجنيد أبواق البروباغندا. وهذا الأمر يختلف عن استعمال المال لشراء الولاء والأصوات كما يحدث في بعض « التعدديات المتخلفة ».

 فالترشح الذي يسبق الانتخابات هو نفسه مغشوش لأن الانتخابات هي مبادرة اقتصادية قبل أن تكون سياسية وهذه خصوصية أمريكية بحتة. ففي فرنسا تمكنت عاملة ونقابية مثل آرلات لاقويي الى الترشح وخوض 3 دورات انتخابية رئاسية. فقوة التمويل والتسويق لصورة المرشح وبرنامجه من خلال الحملة الدعائية السابقة للانتخابات هي أهم ما يميز مرشحا عن آخر. فالحملة الانتخابية في كل مراحلها ووسائلها حملة دعائية تسويقية لبيع بضاعة المرشح للرئاسة وخصائص صورته الشخصية كالزعامة والكاريزم القادرين على خلق التفاف حوله وحول برنامجه. وفي هذا المجال يكون ما قدّمناه في مقالنا الحريـّة بين بعدها الفلسفي ومعوّقاتها الموضوعية كامل التطبيق حيث ترادف المنافسة عن منصب الرئاسة المنافسة بين شركتي المشروبات البيبسي كولا والكوكاكولا لاحتلال مكانها في ثلاجة المستهلك.

 نستنتج اذن من خلال هذه الأمثلة ان الواقع -عبر خصائصه- يحتوي على بذور تكذيب النظريات وماتقدّمه من معادلات افتراضية سليمة من ناحية البناء المنطقي الداخلي. فان كانت الديمقراطية في العالم العربي غير موجودة -وان وجدت بعض مظاهرها كالتعددية الحزبية- فهي مهددة بالدكتاتورية العمياء فان الديقراطية في أمريكا والعالم الغربي هي أيضا مهددة. و يكمن  مصدر تهديدها في النزعة الأوليقارشية كما فسر ذلك المفكر الكندي جون صول في كتابه « الحضارة اللاواعية » ويُمكن أن يلاحظ ذلك جليا في الادارة الأمريكية الحالية حيث استولت مجموع مصالح خاصة غالبها من حقل البترول والتصنيع الحربي على دواليب القرار وهو ما أدى الى الوضع العالمي المتأزم.

4. البناء النظري في الدين وتحديات الواقع

 قد يتساءل البعض: لكن الدّين ليس بنظرية؟ فهوعقيدة وسلوك موافق لما تنزل من وحي على الأنبياء وهو اتباع للنص المقدّس. نعم. لوكان ذلك كذلك لما وجدت في كل ديانة مذاهب وشيع مختلفة يواجه بعضها بعضا بعصا التكفير نظريا وبالحروب وتشريع القتل وازهاق الأرواح تطبيقيا فقط لأجل الاختلاف في قراءة المقدس وادعاءا لحماية الصفاء والنقاء العقائدي. وبطبيعة الحال فلكل مذهب مفهومه الخاص للصفاء والنقاء. فكل يُدافع عن نقائه وصفائه، ومن هنا كان الفعل الانساني مهما وراء تكوين المذاهب والمدارس. فاذا أسلمنا بقداسة النص فان الوسطاء يجدون لهم مكانا دوما بين النص والعامة لتفسيره وتحليله واعطائه الصبغة التي تنطبق مع فهمهم للنص وسبل تطبيقه في الواقع وهذا ما نقصد به التنظير في المجال الديني. فان كان القرآن مثلا متكونا من 114 آية منزلة فان آلاف وملايين الكتب التي أنتجت على مدى 14 قرنا من وجود هذا الدين ليست منزلة انما هي عمل انساني بحت و هذا الذي يهمنا هنا. فكل ماينطلق من المقدّس أو يتعلق به لا يصبح في حد ذاته مقدسا لمجرد الاقتران.

فالتحديات التي يرفعها الواقع في وجه النظريّات المتعلقة بالمقدّس تكمن في (1) الطبيعة الانسانية ذاتها ثم (2) في تطور القيم الأخلاقية عبر الزمان والمكان.

الطبيعة الانسانية

نظريا تأتي تعاليم الدين لتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر أي لتدعو الى اتباع ما تعارف الناس عليه من خير وتنهى عن عكسه. ويكون جزاء اتباع تلك التعاليم وعد بالجنة والخلود في النعيم. لكن الانسان مدفوعا بأهوائه غير قادر على سلوك « الصراط المستقيم » في هاته الحياة لأنه كما بينه علم النفس التحليلي له نزعة الايمان بخلوده في هذه الدنيا وانكار حقيقة الموت وهذا ماكان وراء بناء الحضارة الانسانية كما نعرفها اليوم. لو كان الانسان قادرا على نقاء العقيدة والامتثال للأمر الالاهي لما خرج آدم من الجنة وما قتل قابيل هابيل. فطبيعة الانسان تدفعه الى الأنانية والعدوان في السلوك لتحقيق مصلحته واهدافه فتبقى القيم الدينية قيما طوباوية نحاول ان نقترب منها دون أن نبلغها أبدا. فهل يكون شرف الانسان في المحاولة كما يقول المسعدي؟ كان يمكن أن تكون الاجابة بنعم لو لم يتسلط على الدّين من يدّعون الحرص على تطبيقه واحترام تطبيقه من الآخرين وجعله نظاما شموليا كليانيا مفروضا على المنضوين تحته باختيارهم أو من غير اختيارهم.

فعندما نرى كيف أن امارة طالبان اسست وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستوحات من التنظيمي الميليشي « للمطوّعين » في السعودية الوهابية نتساءل عن مدى كون الدين قناعة ذاتية واختيارا حرا أو نوع من الايديولوجيا الثيوقراطية التي تدجن السلوك بأبشع طرق غسل الدماغ والسلوك الشرطي. ان الطبيعة الانسانية تقتضي حرية الاختيار في كل شيىء أما الاجبار والفرض والالزام القسري لاتباع سلوك أو معتقد هو من أبشع الجرائم في حق جوهر الكائن البشري وهو الحرية.

ثم ان نظرية اللاوعي في منحييها النفساني والاجتماعي السلوكي تضعنا أمام مسألة فكرية ووجودية شائكة حول مدى مسؤولية الفرد على أفعاله ومدى قدرته على أن يكون حرا في اختياراته. لكن الايديولوجيا الاسلاماوية لم تقرأ أيّ حسبان لذلك فهي كما لم تستوعب فكر الأنوار لم تستوعب الانجازات العلمية -خصوصا في مجال العلوم الانسانية – للقرن العشرين وبقيت معزولة منكفئة على بعض الأفكار والكتابات العقائدية الخارجة عن تاريخيّة فهم الانسان و كنهه.

تطور القيم الأخلاقية

النظريات الدينية لم تفهم و لم تستوعب أهم قانون وقع اكتشافه والبرهنة عليه في علوم الجماد والأحياء والانسان وهو قانون التطوّر. لذا تكلست المفاهيم وتكلست معها الأحكام القيمية المتعلقة بالأخلاق مما جعل العالم الاسلامي يعيش في معزل عن العصر والتاريخ. ولقد أشرنا في مقالنا: الخروج من سجن الثقافة  أن القيم الثقافية سابقة للدين ومنتصرة عليه اذ تمكنت الثقافة من استعاب الدين عبر استمرار الحياة في قيمها وعمق ترسّخها. والمعروف مثلا أن الاسلام لم يحرّم صراحة العبودية ولم ينه عنها ولم يجعل حدودا لمن يمارسها بل جعل اعتاق الرقاب ككفارة عن الذنوب مثل الصوم والصّدقة. كذلك حرّم النص الرّبا والخمر ولم يحدد عقوبات زجرية ضد ذلك. فهل يمكن أن نفهم هذا من غير نظرية تطور القيم الأخلاقية في المكان والزمان؟ لا. فهل يُعقل أن تُرمى نساءٌ اليوم بالحجر حتى الموت في بلدان صارت فيها النظريات الدينية العمياء قانونا للعقوبات المناقضة لما وصلت اليه الانسانية من بديهيات من خلال الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهي سقف أدنى في حين أن الذي مازال يمارس العبودية والحرية الجنسية مع « ما ملكت اليمين » يُعترف له بأنه من أشراف القوم وأكثرهم طاعة لتعاليم الدين. وهل يمكن أن يُكـفـّر من يجتهد في المنع القانوني لتعدد الزوجات ثم يغضّ الطرف عن أصحاب الفتاوي الذين يبيحون القتل باسم الردّة؟

ان الامتناع عن اعمال العقل وفهم أنّ القيم، كل القيم حتى الأخلاقية منها، تتطوّر بتطوّر المجتمعات الانسانية هو من أهم أسباب لا تاريخية الحضارة العربية التي وصلت اليه اليوم أي خروجها من الفعل والتأثير الحضاري والنظر اليها بازدراء من طرف الحضارات المتحكمة في مصائر العالم. والانكفاء على الذات والتمسك بمعتقدات وسلوكا خارجة عن قيم العصر وروحه هي من مخلفات الجرح النرجسي العميق الذي اصيبت به الحضارة العربية الاسلامية منذ وقعت في الهوة السحيقة التي تفصلها عن العالم الحديث وذلك منذ نهاية الامبراطورية العثمانية ومواجهة حقيقة الاستعمار.

فان كنا نظريا خير أمة أخرجت للناس فالواقع هو عكس ذلك تماما. وان كنا أنظف أمة لأنها جعلت النظافة عنصرا من عناصر الايمان فان الواقع وأنت تتجول في عواصم هذا الوطن العربي هو تماما عكس ذلك. وان كنا أمة مهيأة لريادة العالم كما يحلم البعض نظرا لقوة عقيدتها وصحتها فيكفي تتبع الأخبار التي تعلمنا بعكس ذلك. هذا بالنسبة للمتبصرالواعي أما من يعتقدون بأن الماعز يطير فسوف يظلون على اعتقادهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وما لم ننزل من البرج العاجي للخيلاء المرضي والنرجسية الهدامة والاثنومركزية المعوّقة وننظر للواقع كما هو ونحدد موقعنا فيه فان هذه السكيزوفرينيا بين مانتصوّر أن نكون و ما نحن حقيقة وواقعا لن يؤدي الا الى الاندثار حضارة و ثقافة وأفرادا.

خلاصة:

 هل هناك فشل نظري وفشل عملي؟ هل يمكن أن تكون لنا أحسن نظرية وأحسن ايديولوجيا ثم نفشل في تطبيقها أشنع فشل؟ و هل العكس ممكن؟ هل ينبغي للنظرية أن تخضع للواقع أم أن الواقع الاجتماعي ينبغي أن يخضع ويتشكل حسبما تمليه النظرية لكي تـّأتي هذه الأخيرة اُكلها المرجوّ؟

لقد سبق وأشرنا في مقال سابق أنا أفــكـّر اذن أنت موجود أنّ هناك نوعين من الناس: المفكّرون بأنفسهم لأنفسهم والمُفكـــّرُ لهم. أما المفكرون فان حركة تفكيرهم ونقدهم للفكر واستقراء الواقع مستمرّة بدون انقطاع. وأما المُفكـــّرُ لهم فهم يعتمدون على الايمان والتصديق باستعابهم منظومة فكرية تتمثــّل في بناء ستاطيقي لمجموع من المفاهيم والعلاقات. فمجرّد نقد وتشكيك في مفهوم أو علاقة استبطنوها هو بالنسبة لهم هدمٌ لكل ما آمنوا به وصدّقوه. وهذا الأمر يصلح لكل البُنى المعرفية الثقافية ولكل النظريات والايديولوجيات والمعتقدات الدينية. فنجد مثلا من الماركسيين (الصنف الثاني) من يبرّرون سقوط المنظومة الشيوعية بخيانة نقاء النظرية والايديولوجيا من طرف ممارسيها كستالين. ولا يقرّون بأن من خان هذه الايديولوجيا هو الواقع ذاته. فكيف يمكن لنظرية بعمق المادية التاريخية أن تهمل بأن الثورة التي هي تغيير نظام بنظام لا تغير في الحقيقة من شيىء من طبيعة ممارسة السلطة وانما تغير فقط طبيعة الخطاب الايديولوجي المبررللمارسات السلطوية الجديدة. فالنظام الشيوعي المتأتي من الثورة البلشفية لم يغيّر الطابع الدكتاتوري للحكم القيصري بل أبقى عليه لكن بخطاب تبريري مختلف. لكن من الصحيح أيضا ان هدف الايديولوجيا الشيوعية لم يكن القضاء على الدكتاتورية في حد ذاتها انما تغيير وجهتها. وكل ايديولوجيا لا تجعل ممارسة الحكم الدكتاتوري عدوا لها سيكون مآلها نفس مآل المنظومة الشيوعية لأن الدكتاتورية منظومة هادمة في ذاتها ولذاتها في حين أن القيم الأخلاقية السياسية تجاوزتها.

ان أي نظرية وأي ايديولوجيا هي مجموعة مقاربات آنية و نسبية ولا يمكن أن تكون بطبيعتها حقائق سرمدية خالدة. فمن الناحية العلمية كل نظرية صالحة الى أن تأتي نظرية تفنّدها وتعوّضها. وأي نظرية هي مقاربة للواقع ان كان ذلك الواقع مستقرا نسبيا كما بالنسبة لعلوم الجماد والأحياء أو متغيرا كليا كما بالنسبة للواقع الاجتماعي والانساني. فالواقع لا يُخطىء لأن الواقع هو الواقع أما نظرتنا اليه ومقاربتنا له فهي بطبيعتها متحوّلة مقاربة أحيانا ومجانبة أحيانا أخرى لحقيقة ذلك الواقع. والاعتقاد بأن الواقع اذا خذل تصورنا النظري له فلأننا لم نطبّق النظرية في نقاءها وصفاءها والعناد في محاولة الاعتقاد بأن النظريات حقائق مطلقة هو من باب « معيز ولو طاروا ».

ان التمشي العلمي والمنطقي، وهو خلاصة القفزة الابستيمية التي حققتها علوم القرن العشرين، يفرض علينا المراجعة المستمرة للنظريات والايديولوجيات من خلال تجليات الواقع واعادة اكتشافه في صور مختلفة. ولقد صارت هذه الاكتشافات سريعة النسق بقدر ما توفــّر من تقنيات ومناهج بحث وتكنولوجيات جاوز مداها قدرة العاملين في شتى الحقول المعرفية على استعمالها والاستفادة بكل ماتوفـّره من سبل.

مونتريال  ديسمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire