banner

17 – الديمقراطية في العالم العربي بين المطلب النخبوي والنفاق الأمريكي

بقلم: كريم السّــمعلي

اذا كانت لنظرية الفوضى (Théorie du chaos) الفيزيائية الأصل تطبيقات في مجال العلوم الانسانية والسياسية فان زمننا العربي الراهن هو خير مجال لاستجلاء صحتها. فهل يمكن أن يولد نظام جديد من خلال الفوضى العامة الحالية؟ فالعرب اليوم في أسوأ حال: احتلال مباشر، تخلف اقتصادي وسياسي وعلمي و تكنولوجي والأدهى وأمر حالة احباط معممة، استقالة ولااكتراث بالأمر العام وفقدان الأمل بالمصير أو القدرة على تدارك التخلف واللحاق بالأمم المتحضرة. وفي هذا الجو العام تواجه الرقاع العربية تحديات مصيرية واختيارات صعبة:

(1) الدمقرطة المفروضة كمطلب أمريكي لتفادي المواجهة

(2) التطبيع مع اسرائيل وعدم معاداة السياسات الأمريكية

(3) التدخل الأجنبي في الشؤون الدّاخلية عن طريق القوة كما وقع في افغانستان والعراق.

ولا احد يستطيع التنبّأ بما سيؤول اليه الأمر. لكننا اخترنا في هذا المقال  التطرق الى العنصر الأول وهو هل أن العالم العربي مهيأ للديمقراطية؟ ولماذا يرفضها؟ لا ينكر أحد أن هذه الأزمة و الاختيار الصعب المفروض يأتي في ظرف عالمي يتميّز بتظافر ثلاثة عوامل:

(1) النظام العالمي الجديد اي استفراد أمريكا بالهيمنة والتأثيرالآحادي على السياسات العالمية في شتى المجالات.

(2) العولمة وهي المنظومة الاقتصادية والثـقافية التي تسند هذا النظام العالمي الجديد

(3) الحرب ضد الارهاب وهي الذريعة الأمنية لفرض النفوذ العسكري بدعوى وجود عدو جديد هو الارهاب والدول الراعية له.

فان كانت أمريكا في سياستها الدّاخلية ديمقراطية من أعرق الديمقراطيات في العالم الحديث فانها على النطاق العالمي دكتاتورية من أعتى الدكتاتوريات. والفروق بين التنظيم الداخلي والتنظيم الخارجي هو مفهوم سنتطرق له بالتحليل.

 (1) حقيقة المطلب الأمريكي:

ان الصفعة والجرح النرجسي العيق الذي تلقته الولايات المتحدة في 9/11 أشعرها بالاهانة العميقة وأيقض فيها روح الثأر والانتقام خصوصا وأن الادارة الأمريكيةالحالية معروفة بطموحاتها الامبريالية والسيطرة على العالم والتأثير على مجريات الأحداث في كل رقاع العالم. وان كانت الحرب ضد طالبان منطقية ومفهومة رغم أن رد الفعل لا يساوي أبدا الفعل الأصلي حجما ووسيلة وانعكاساتا فان الحرب ضد العراق كانت استنادا على مبررات واهية ومتناقضة تثبت يوما بعد يوم تفاهتها. فبسبب مهزلة أسلحة الدمار الشامل أصبح بوش وبلير أضحوكة العالم. كما أن رفضهم بالتسليم بأطماعهم الاقتصادية من البترول العربي هي ايضا مدعاة للسخرية. لكن ما يهمنا هنا هو ذلك الشعار حول ضرورة دمقرطة العالم العربي لقطع السبيل على دكتاتوريات يمكن أن تهين شعوبها وتجرم في حقها وفي حق الانسانية من خلاله. فماهي حقيقة هذا المطلب ومصداقيته وكيف يتفاعل معه العالم العربي؟

الواضح والأكيد أن ثمة نفاق وتناقض كبير في هذه الدعوة الأمريكية. فلم تكن أمريكا أبدا راعية المحاولات الديمقراطية في العالم العربي بل بالعكس راعية الدكتاتوريات مادامت في خدمة مصلحتها. وعلى الصعيد العالمي كذلك، ففي الشيلي تآمرت الـ CIA لاسقاط نظام منتخب وحاربت كل المنظمات المناهضة لسياستها في أمريكا اللاتينية. مما يجعل هذه الدعوى مجرد مساحيق تطلي بها وجه نواياها الحقيقية وهي نوايا امبريالية. فالمواطن الأمريكي المدجن بوسائل الاعلام الغاسلة للأدمغة يعتبر نفسه أولى وأحق من هؤولاء الرّعاع المتوحّشين الذين يسكنون العالم العربي باستعمال البترول والثروات الباطنية. ولقد قالها بوش الأب ايذانا بحربه الأولى ضد العراق اذ صرّح  » لن أتنرك صدام حسين يهدد القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي »

والوعي بهذا النفاق لا يخفى على النبهاء في العالم العربي وغيره مما حدا بمفكربقامة هشام جعيط بالتصريح بانه يتمنى أن تكون الدعوة الأمريكية مطمحا نزيها وصادقا. ونحن نوافقه في هذا التمنّي مع الوعي المسبق بأنه ليس للمبادىء دور في تحديد سياسات الولايات المتحدة. وهذا الأمرمتجذر في الهيكلة القيمية والأخلاقية التي بُنيت عليها أمريما وقد أشرنا الى ذلك في مقالنا المكتوب باللغة الفرنسية L’ethique entre l’utilitarisme et l’école du droit naturel.

فلماذا لا تريد أمريكا للعام العربي ديمقراطية كديقراطيتها؟ الواضح أن هناك وعي أمريكي بأن الشعب العربي اذا أتيحت له فرصة الانتخاب الحر والمساهمة في اختيار سياساته -وهذا ما لم يحصل قط ُّ- فان الغلبة لن تكون للموالين لأمريكا بل بالعكس وذلك لأن هناك حقد كبير على أمريكا نظرا لمساندتها المفضوحة واللامشروطة لاسرائيل الولاية 51 والطفل المدلل لكل الادارات الأمريكية ديمقراطية كانت أم جمهورية. فهذه الدعوة اذن واجهة وخطاب تسويقي لا أكثر ولا أقل متبوعة بخطوات محتشمة لحفظ ماء الوجه في هذا المجال. ثم ان المبادىء السامية لم تكن أبدا المحرّك لاختيارات الادارات الأمريكية وانما المصالح الجيوسياسية و ذلك لتعميق الغلبة والهيمنة على موارد العالم. وهذا لا ينفي أنه هناك من يؤمن بدقرطة العالم العربي والعمل على ذلك في مختلف مكونات المجتمع المدني او حتى السياسي الأمريكي.

(2) ماهي الديمقراطية؟

لكن ماهي الديمقراطية المطلوبة في العالم العربي؟ لقد كُبت الكثير عن كنه ومعنى وآليات الديمقراطية لكننا نريد هنا بايجاز تلخيص أهم مبادىء الديمقراطية. فهي من الناحية السياسية تشمل حرية التفكير والاختلاف وحرية التعبير عن ذلك الاختلاف وحرية الصحافة والتنظم السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما تشمل نزاهة الانتخابات والتداول السلمي على السلطة. أما من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وهذا مهم جدا لأنه غالبا ما تُختزل الديمقراطية في تعبيراتها السياسية،  فهي ضمان مبادىء أساسية كالمساواة في الحظوظ (تعليم، صحة، ملكية …الخ) و الفردانية بمعنى أن الفرد هو المرجع والمقرّر فيما يخصّ  شؤونه كحرية التفكير والمعتقد والضمير. وعلى الصعيد الاقتصادي فهي حرية المبادرة الاقتصادية وحرية التنظم و بلوغ أهداف خارج بوتقة السلطة والادارة.

ثم اننا نلاحظ أن ممارسة هذه المبادىء في البلدان الغربية ادّى  الى ديناميكية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثـقافية الفنية. وهو ماجعل من هذه الشعوب قادرة بالفعل على تقرير مصيرها وعلى التأقلم مع معطيات محيطها الداخلي والخارجي. زد على ذلك امكانية مساءلة المسؤولين السياسيين مما يجعلهم فعلا في خدمة المواطن و ليس العكس كما يحدث في العالم العربي. فحتى الملوكيات العريقة الأرستقراطية الأصل تطوّرت وتأقلمت. فملك الدانمارك مثلا يتجول في عاصمة بلده على دراجة هوائية للمحافظة على المحيط و يقضي أموره كأيها الناس.

(3) الديمقراطية في العالم العربي: طموح نخبوي أم مطلب شعبي؟

لقد وعى رجال النهضة الأوائل (الأفغاني، عبده، الطهطاوي) بعمق الهوّة بين العالم العربي المصدوم بالاستعمار والعالم الغربي المتفوّق. فهذا الجبّ السحيق الذي بدا في أول وهلة تقنيا وعلميا هو بالأساس تفوّق حضاري على جميع الأصعدة حتى على صعيد السلوكات والأخلاق التي طالما تباهى العرب بأنهم روّادها بلا منازع  ومرجعها الانساني. ومنذ ذلك الوعي المُزلزل والعالم العربي الاسلامي يترنح و يتراوح بين تجارب لم يفلح أغلبها ليضعه في مدارٍ وفلكٍ يسير به نحوالحداثة التي تجعله في مرتبة الرّيادة لا مرتبة التبعية. فان كانت صدمة الاستعمارأدت الى بعث حركة وطنية وقومية حديثة لاسترداد السيادة السياسية عبر الكفاح من أجل الاستقلال فان صدمة القرن الحادي والعشرين مازالت في بدايتها و لا أحد يمكن أن يتكهن بما سيترتب عنها.

فالاستعمار الأول كان تحت راية المدنية و التنوير للشعوب المُستعمَرة من ظلمات التخلف والصراعات القبلية والاثنية. وكان في حقيقته امتهانا ثقافيا واستغلالا اقتصاديا. ولقد رفضته القوى الوطنية كشكل وطريقة عسفية للتمدين والتحديث بالغصب لكنها تبنت مضمونه وقيمه النظرية. فكل حركات التحرر مشرقا ومغربا رفعت شعاراللحاق بالرّكب وولوج الحضارة الحديثة حالما تحصلت على استقلالها. وحققت هذه الحركات نوعا من الانجازات لكنها لم تحقق الهدف المطموح اليه مقارنة مع اليابان مثلا. ولقدحاولنا استجلاء أسباب هذا الفشل في مقالنا عن أسباب فشل المُحاولات الاصلاحية في العالم العربي.

لكن التحدي الجديد ما بعد 9/11 و ان لم يكن تهديدا باستعمارمباشر وكاسح، نظرا لتكلفته و لبروز قوة جديدة مضادة هي المجتمع المدني العالمي، فان له من قوّة الرّدع والاهانة (intimidation) ما جعل المهدّدين به يقرؤون له ألف حساب. فمنطق التدخل الأمريكي الجديد يطابق المثل الشعبي التونسي: »اضرب القطوسة تتربّي العروسة » و تعريبه هو « اضرب القطة لتعتبرالعروس وتستحي ». فالاستراتيجية الأمريكية مبنية على الضغط المستمر على جميع الأصعدة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. ولقد آتت هذه الاستراتيجية أكلها مع ليبيا كليا و مع ايران جزئيا في نوع من التكتيك السياسي لسحب البساط من تحت أرجل دعاة الحرب الشاملة ضد « محور الشر » كما سماه بن لادن الأمريكي « بوش ».

فاذا تجردنا قليلا عن مجريات الأحداث كما نعيشها وكما تبدو لنا عن طريق البروباغندا الأمريكية (CNN, FoxNews) والبروباغندا المعاكسة (الجزيرة، القدس العربي، بي بي سي) وحاولنا أن نفهم أسباب عـقدة الديقراطية في الوطن العربي يمكن أن نستجلي مايلي كأسباب للرفض المعلن والخفي للديمقراطية كنظام تسيير سياسي واجتماعي واقتصادي:

3.1) البعد التاريخي والثقافي: (لم توجد أبدا في الماضي لكي توجد في الحاضر)

اذا كانت الديمقراطية لاتوجد اليوم قط في أطراف هذا العالم العربي الفسيح مساحة ً الضيّق على سكانه بانعدام الحرية فلأنها لم توجد أبدا في الماضي. فالتاريخ الاسلامي والعربي عموما هو تاريخ استبداد وتكفير وازهاق أرواح من أجل المخالفة في الرأي. »اني أرى رؤوسا أينعت وقد حان قطافها » كما يقول الحجاج ابن يوسف الثـقفي ومازال الكثير من خلفائه يسيرون على نفس الدرب. وحتى من يعتقدون بأن الشورى هي الديمقراطية مخطؤون. فلا علاقة للشورى التي هي ادماج أهل الحل والعقد في اتخاذ القرار لاتعدو ان تكون ممارسة أوليقارشية (pratique oligarchique et corporatiste) وهو ما يتنافى مع روح الديمقراطية في أن كل فرد بقطع النظرعن طبقته ومكانته صاحب القرار.

فكأنه هناك خاصيّة تاريخية و ثقافية في العالم العربي تجعل أرضه جدبا و بورا لا يمكن أن تنبت فيه نبتة الديمقراطية و ترعرع وسط هذا التصحـّر الفكري والثقافي الثابت والمتحدّي لكل ماحوله من تغييرات. ان الذين يقدّمون هذا الطرح محقون الى حد ما. و هذا الحدّ هو كون ماوَصَلنَا من تاريخنا ومانعرف عنه في حاجة للدرس والتمحيص بأعين و رؤى جديدة.

فان كان التاريخ مكتوبا بحبر المنتصرين كما يقال الا أنه عبر مراحل تخلفنا، التي طالت، أصبح ما نفهم مما يصلنا منه مضخما في السلبية أوفانتازميا في الايجابية. فاما منحى العظمة والكبر واما جلد الذات و السلبية المُفرطة. ثم ان الديمقراطية الحديثة عمرها ثلاثة قرون تقريبا، اي أنها ظهرت للوجود حين كان العالم العربي رازحا تحت ظلمات التخلف ولم يجد الفرصة بعد لاستيعاب قيمها والوعي بانها طريق للخلاص لأنها المنظومة الوحيدة التي تمكن المجتمع من الاستفادة من كل قواه الحية دون أن تضرب هذه القوى بعضها بعضا من أجل سيطرة أحدها على أساس أنه الماسك بمفاتيح الجنة. ان في الاستناد الى ظلمات الماضي التي نالت المفكرين الأحرار و دعاة العقلانية الأوائل كابن رشد لتبرير مستقبل أظلم و رمي المنديل نهائيا في حلبة الصراع الحضاري تجنٍّ واضح. فلا شيىء مكتوب في مستقبلنا لأننا وحدنا القادرون بنور البصيرة ونقاء الضمير واعمال العقل الخلاق على تدارك أخطاء الماضي، وان لم يكن هناك اليوم في واقعنا ما يبرر هذا التفاؤل. وهذه النظرة الايجابية مرتبطة بناموس كوني أثبته تاريخ الشعوب من حولنا و نفذ له حس الشاعر، النبي المجهول:

اذا الشعب يوما أراد الحياة        فلا بد أن يستجيب القدر

الماضي يعيننا على فهم حاضرنا لكنه لا يسجننا في مستقبل هو تواصل ذلك الماضي، الا بارادتنا. وان كل شيىء يخضع لقانون التطور بما في ذلك الثقافة والهوية والقيم حضارية كانت أم أخلاقية. وهذا العمل لا يتحقق في برنامج انتخابي أو عبر مؤَلـّف لمفكر مُلهم انما هو نتاج وعي وعمل فردي في اتجاه واحد تتساوى في المصلحة الفردية بالمصلحة الجماعية. وهذا العمل بلا طائل اذا لم يستند الى حرية الاختلاف كمحرّك لتوليد الأفكار والابداع وجعل العموم أي الشعب المحك لكل ما يخصّه في الشأن العام.

3.2) البعد الطبقي ( النخبة مقابل الجماهير)

يبدو مطلب الديمقراطية في العالم العربي كحلم رومنسي للطبقة المثقفة والمطلعة على ما يحدث في مختلف الأصقاع. وهذه الطبقة متشبعة بقيم الأنوار والثورة الفرنسية. في حين يدّعي الماسكون بالطرف الآخر من العصا الغليظة، والمبررون لتغييب الديمقراطية بشتى الحيل، أنه لا يمكن أن توجد ديمقراطية مع المعطيات الديمغرافية والتنموية الحالية (نسبة الأميّة، المدخول الخام، الاهتمام الشخصي). فالشعب حسب هؤولاء ليس في حاجة للديمقراطية بقدر حاجته لخبز يومه وأمنه وارضاء كل الحاجات الغريزية التي صنفها أبراهام ماسلو في نظريته الشهيرة.

ولا شك من أنّ الثقافة العربية مبدعة فيما يخص الخطاب التبريري منذ زمن بعيد. وهذا المنطق التبريري الذي غالبا ما تتبناه أشباه الديمقراطيات الرسمية (لاننسى أن اثنين على عشرين من الدول العربية أقحمت لفظ الديمقراطية في تسميتها الرسمية منافسة بذلك الصين الشعبية والكونغو-الزائيري)  هو من عمق منطق الوصاية المنافية منافاة صريحة للمبادىء الديمقراطية. فلا معنى للديمقراطية اذا حذفت منها الحرية في الممارسة. فمتى كانت الحرية بذخا لا يحتاجه الانسان العربي الذي لم يرق بعد الى الى رتبة المواطن بسبب المنظومات السياسية المبنية على الزبائنية.

ثم ان ما يسمى  بالنخبة ذاتها منقسمة و قطاعات منها تدعو للديمقراطية بشروط. شروطها هي بالطبع. وهي ديمقراطية نخبوية  ليست الكلمة الأخيرة فيها لصندوق الاقـتراع اذا ملؤه الرعاع من الأميين الذين يسيرون وراء عواطفهم. فهناك نوع من العصاب عند الديمقراطيين العرب. فهم مع الحريات اذا كانت تدعم تصوراتهم وأفكارهم وهم يفضلون الدكتاتورية النخبوية « المتنوّرة » على القرارات الشعبية. وفي ذلك بعض الحكمة لأن الدكتاتوريات وجدت فهي معروفة لكن القرارات الشعبية لم تر النور بعد ويمكن أن تفتح الأبواب للمجهول. وأطراف هذا العصاب هو الشعب كما هو والشعب كما ينبغي أن يكون. معنى ذلك أن لهذا النوع من مدّعي الديمقراطية من ناحية تصوّرا خياليا للشعب يجعل منه مرآتهم وامتدادا لهم أو هكذا يتصوّرون ومن ناحية أخرى هم يحتقرون العامّة والرّعاع لسهولة التأثيرعليهم عن طريق العواطف الدينيـّة والقومية والعرقية. مما حدى باحد المرشحين الى الانتخابات الجزائرية (سعيد سعدي) بالقول بعد هزيمته ونيله نسبة ضئيلة من الأصوات بأنه اخطأ شعبهُ.(je me suis trompé de peuple)

وهذه الديمقراطية الاستثنائية الاقصائية تذكرنا بديمقراطية أثينا التي كانت ممارسة في رحاب الأغورا بين أحرار القوم بعد استثناء العبيد والنساء وهو ما يعادل تسعين بالمائة من مجموع السكان. فهذا الاقصاء ليس حكرا على الثقافة العربية. فكما أشرنا سالفا في الولايات المتحدة ذاتها من يعتقد اعتقادا راسخا بأن الديمقراطية غير متاحة الا للجنس المسيحي الأبيض. ونعيد التذكير بقناعتنا بأن أمريكاهي من أقدم وأعرق الديمقراطيات في العالم اذا درسنا سيرها الداخلي وطرق تنظيمها وهيكلتها، لكن بمجرد أن تتحول الى فاعل في الساحة الخارجية فهي أعتى الدكتاتوريات وهذا مرتبط بحكم مسبق و نزعة ثابتة أن هذا النظام هو امتيازداخلي. فالداخل شيىء (الوطن القومي) والخارج شيىء (المحيط العالمي) ولا يمكن تطبيق القوانين التي تحكم التنظيم الداخلي على التنظيم الخارجي. وهنا أعيد وأكرر أهمية نظرية هنري لابوريت في كتابه La nouvelle Grille كمرجع لتحليلي.

وقد حلم الانسانويون بأن تصبح الأمم المتحدة يوما حكومة العالم حيث تكون كل دولة ممثـلة فيها عبارة على مواطن في هذه الدولة العالمية يتمتع بنفس الحقوق وله نفس الواجبات المواطنية لمواطني الدول الديمقراطية. ومالبث أن تلاشى الحلم مع بداية القرن الحادي والعشرين والنقطة الفاصلة فيه 9/11.

3.3) البعد الاجتماعي و السياسي

المجتمع العربي سلطوي في هيكلته وتكوينه. فحتى ان تركنا جانبا المؤسسات السياسية لنعني بالنظر والتمحيص هيكلة المجتمع وعلاقاته نجد أن القيم الديمقراطية بعيدة عن ممارساته. وهذا ما أسهبنا في تحليله في مقالنا عن أسباب فشل المُحاولات الاصلاحية في العالم العربي.

أما على المستوى السياسي فالأنظمة لا زالت تعمل كتنظيمات مغلقة وبمنطق مغلق يكرر سلوكاته الى مالانهاية حفاظا على السلطة وامتيازاتها. ومع هذا السلوك لا مجال أبدا لأي ديمقراطية. وبالرجوع دائما الى نظرية الأنظمة فالديمقراطية عبارة على مجموعة معلومات مترابطة عن طريقة السير والتنظيم موجودة في المحيط الخارجي للأنظمة السياسية العربية. فاذا تم استيعابها وادماجها في في الهيكلة الداخلية مثلت فرصة لاعطاء دفعة حضارية جديدة لهذه الأنظمة. لكن اذا تم التمادي في تجاهلها فانها تسبب لا محالة ظمور هذه الأنظمة ونهايتها اما باستعمار جديد يلغي السيادة الوطنية – وقد يكون هذا الاستعمار في شكل آخر وغيرمرتبط بالاحتلال العسكري في حد ذاته- أو بتعميم الفوضى عبر انفجار داخلي للمنظومة كما وقع في الصومال على سبيل المثال.

وللمقارنة فحسب فقد وقعت مثل هذه الظاهرة في مجال التنظيمات الاقتصادية حيال مايعرف في علوم الادارة بموجة الجودة الشاملة (TQM: Total Quality Management). فالمؤسسات الصناعية التي لم تنخرط في هذه الموجة فقدت منتوجاتها الأسواق وتحولت نظرة المستهلكين عنها الى بضاعة أكثر جودة وأقل سعرا. وهذا الذي حصل في السوق العالمي للسيارات في الثمانينات من القرن الماضي عندما اكتسحت الموديلات اليابانية الأسواق العالمية وهزمت الموديلات الأمريكية تجاريا حتى في عقر دارها. وهذا التفوق الياباني هونتاج طريقة تنظيم الشبكة الانتاجية فيما أصبح يُعرف فيما بعد بالمنهج التويوتي الياباني مقابل المنهج الفوردي الأمريكي. (Toyotism VS Fordism)  فان كانت فلسفة وتطبيقات منهج الجودة الشاملة هي طريقة التنظيم لخلق و صنع بضائع و مواد مقبولة ومرغوبة من طرف المستهلكين فان الديمقراطية في فلسفتها وتطبيقاتها هي طريقة التنظيم السياسي والاجتماعي الذي يفضي لصنع قرارات عادلة ومقبولة ومرغوبة من طرف المواطنين الممولين للدولة عن طريق عملهم ودفعهم للضرائب ليكون لتلك الدولة و ذلك النظام الوجود. والفرق واضح بين الذي يدفع أمواله ويهب من وقته وجهده لأجل دولة تخدمه و بين الذي يدفع أمواله وجهده لدولة تجلده و تهينه فقط لأنها ممسكة بطرف العصا.

(4) الخصوصية و القيم الكونية:

 كطريقة تسيير يمكن تصوير الديمقراطية كآلة تنظيم باردة تنتج العدل والمساواة والقرارات المهضومة شعبيا حتى وان لم تكن صائبة. فللشعوب حق ارتكاب الاخطاء ولحكامها كذلك على أن يكون ذلك عن حسن نية وبدون عواقب وخيمة. لكن نجد أن رد الفعل العربي على الدعوة للديمقراطية هو صمّ الآذان دونها سواء كانت دعوة داخلية أم خارجية. وهو رد فعل انفعالي يرمي الرضيع بمائه كما يقول المثل  الفرنسي. فهناك عشوائية في رد الفعل و خلط في المفاهيم وانفعالات عاطفية تتغذى بكره الجماهير ورفضها للهيمنة الأمريكية فكأننا بالعرب يقولون:

– » كل ما يأتي من أمريكا فلا حاجة لنا به لأنه لا بد من مطامع وراءه »

– « ليتركوا ديمقراطيتهم عندهم فنحن لسنا بحاجة اليها »

– « لايمكن أن تكون أمريكا ديمقراطية وهي التي زرعت الدمار في شتى أنحاء المعمورة وبنت حضارتها على ابادة أكثر من عشرين مليون هندي أحمر ولم تتوانى على القصف بالقنبلة الذرية على هيروشيما و ناكازاكي بدون داع لذلك لأنها كانت قد ربحت الحرب ضد اليابان لكنها أبادت حوالي 300.000 نفس بشرية هكذا، امعانا في تفوقها و جبروتها »

– « كيف تكون أمريكا ديمقراطية وهي تدعم دولة اسرائيل في حربها العرقية والعنصرية على العرب »

وهذا الخلط خطير حسب تـقديري. فكون أمريكا دولة ديمقراطية هذه حقيقة سياسية وسوسيولوجية لا غبار عليها. وكونها ديمقراطية لا يمنعها من أن تكون دولة ذات ممارسات لا أخلاقية على صعيد تأثيرها العالمي على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالديمقراطية ليست نظاما يسود الجنـّة وملائكتها وسكانها الأبرار. هي نظام بشري و أين ثمة الانسان فثمة الطابع والجانب الشرير منه بطبيعته فالانسان ذئب للانسان كما يقول الفلاسفة. وكما يقول الكنديون: (Là où il y a l’homme il y a l’hommerie) . فالديمقراطية هي نتاج كوني وانساني وليست بضاعة أمريكية.

أمريكا كحضارة و بلد وان كانت ديمقراطية فهي لا تخلو من نزعة استبدادية وفي داخلها قوى ضد-ديمقراطية وهذه نزعة انسانية. لكن كما أشرنا اليه في مقالنا الحداثة أو الموت هناك خلط في الثقافة العربية بين ماهو ذاتي خصوصي و بين ماهو كوني. و هذا الخلط متأت بالأساس من الانحباس في سجون الهوية التي تغلق علينا في دائرة مفاهيم متكلـّـسة كما أشرنا اليه في مقال الخروج من سجن الثقافة .

فالاعتقاد بأن الديمقراطية منتوج ثقافي أمريكي لا حاجة لنا به لأنه ياتي من عدو لم يُخف عداءه لنا كثقافة ودين هو رديف للقول بأننا لا نحتاج لدواء البنيسيلين لمعالجة مرض السكري لأنه دواء أمريكي. فالجسد السياسي كما الجسد البيولوجي يتقاسم مع جميع الأجساد الأخرى خصائص مُوحّدة بقطع النظر عن الثقافة والخصوصية الحضارية. عندما نفهم ذلك يمكننا أن نمشي في طريق حضارات أخرى نجحت في ولوج أبواب الحداثة السياسية والرقي الحضاري مع المحافظة على خصوصياتها وتطويرها كاليابان والبلدان الشرق آسيوية. لكن الشخصية العربية و نزعتها العصابية الانفعالية واللاعقلانية لا زالت غارقة في الخلط والانزواء والانكفاء على الذات وجراحاتها النرجسية التي خلفها سقوطها في أسفل سلم الحضارة.

فيمكن القول نعم للحداثة، نعم للديمقراطية، نعم للهوية الديناميكية والجدلية وحتى ان جاءت الدعوة من أمريكا مع علمنا المسبق بالنفاق الذي يتخفى وراءها. « الحكمة ظالة المؤمن أنــّا وجدها فهو أحقّ بها » و أنــّا التي تعني المكان لم تستتثني أمريكا أو غيرها. والحكمة اليوم هو القدرة على محاكمة الذات وفهم ما يحصل حولنا لأنه من مصلحتنا الأكيدة المحافظة على وجودنا كثقافة و حضارة.

خلاصة:

« عندما يشير الحكيم الى السماء باصبعه فان الأبله يرّكز نظره على الاصبع » هكذا تقول الحكمة. وحالنا اليوم أننا مركزون على الاصبع أي الظرف السياسي، تفاصيل الحرب على الارهاب، الصورة المقيتة التي النا اليها في العالم وتجاهلنا السماء:الأفق التاريخي والحضاري الذي بدأ ينسد وخصوصا مسؤوليتنا في أن نكون أو لا نكون وأن نقتلع مكانا في ملعب الحضارة لا في مدرجها لنكون من المشاهدين. ان الفعل هو المسؤولية. و لم تُبنى حضارة قطّ بروح الانهزام والانتضارية. والضربة التي لا تقصم ظهرك تقوّيك أو تدفع بك الى الأمام كما يُقال. ثم انه لم تبق لنا اختيارات عدة في محيط ايكولوجي و سياسي ضيق يتطوّر في منظومة متشابكة. ان التطوّر الانساني يمشي في اتجاه واحد لا رجوع فيه للوراء. فاما أن نتسلق قطار الحضارة وهو يمشي واما أن نتركه يفوتنا، ليتركنا على محطة التيه والانحدار الحضاري. فكل الاحتمالات ممكنة ووحده الفعل قادر على تغيير المسار.

قراءات
العرب والديمقراطية الامريكية – عبد الباري عطوانلماذا يبدو الانفتاح السياسي مستحيلا في العالم العربي؟  برهان غليون

المبادرات الأميركية لدمقرطة العالم العربي برهان غليون

مونتريال  فيفري 2004

 

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire