banner

18 – الأغنية الملتزمة وعشاقها: تشريح حالة صمت مُعلنْ

La chanson engagée et ses inconditionnels: eutopsie d’un silence

بقلم: كريم السّــمعلي

في شهر نوفمبر من عام 2002 بدأت العمل على محتويات موقع الملتقى بنوع من الغبطة نظرا لتوفر ظروف الانجاز أخيرا. لقد كان الهدف الأساسي واضحا وجليّا بالنسبة لي: الوفاء لفن الشيخ امام والعمل على نشره واحيائه. ومع مرور الزمن امتدت الفكرة واتسعت لتشمل مجموع الأغاني الملتزمة في الوطن العربي ومختلف التعبيرات الفنية شعرا ومسرحا ورسما و أدبا وفكرا حتى أصبح الملتقى عبارة على مكتبة صوتية افتراضية. ولقد كان الرهان جَرُّ النوايا الطيبة الى هاته الحضيرة كسرا للعزلة والتفافا حول مجموع قيم جماليّة فنيّة وثقافيّة. ومن هاته الناحية يمكن اعتبار أن الرّهان قد كُسب فعلا. ففي ظرف وجيز تساوت كميّة المُحتويات المُتأتية من مجموع المساهمين مع المحتويات الشخصية أو تجاوزتها.

ومنذ 5 فيفري 2003 قمت ببعث مجموعة الحوار على ياهو لتكون سندا للموقع و ذلك للسعي لتحقيق هدفين: (1) خلق مساحة تبادل وجمع محتويات جديدة تضافُ وتُضيفُ الى الموقع (2) خلق مجموعة تبادل أفكار وحوار حول محتويات الموقع. ولقد كان اقتراح أحد أعضاء المجموعة ramarin2003 يصبّ في كنه ما اُسـّست مجموعة الحوار من أجله اذ دعى للنقاش والحوار عن واقع وآفاق الأغنية الملتزمة في الوطن العربي في مواجهة الرداءة الفنية المتعاقبة على ردهة من الزمن. لكن ظلت هذه الدعوة العميقة كصرخة في وادي.

واليوم و بعد مرور عام عن هذا التأسيس آخذ بعضا من الوقت لاجراء فحص وتحليل عن مدى النجاح في تحقيق هذه الأهداف أو الفشل فيها. فاحصائيا يعد نادينا قربة الثمانين عضوا وثلاثمائة رسالة وقع تبادلها على مدى العام. لكن الأعضاء المشاركين والفاعلين أقل بكثير من الأغلبية الصامتة والمتلقيّة تلقيا سلبيا. فهذا ما دعاني لكتابة هذا المقال في محاولة متواضعة لاستجلاء وفهم هذا الصمت. وليس لي من المعطيات الموضوعية ما يمكنني من التحليل والجزم. وليكن الأمر واضحا من الآن: ليست هذه محاولة لاصدار حكم قيمي سلبيا كان أم ايجابيا أو لتأثيم أعضاءنا الأعزاء المنخرطين في لوائح المراسلة. هي فقط محاولة استجلاء عبر طرح عدد من الفرضيات لا تدّعي لها صحة قطعية. والهدف من وراء هذا كله هو محاولة التحسين وتصويب الوجهة اذا كان ذلك سيوفر أكثر منفعة لأعضاء نادينا أو أكثر متعة.

فلنبدأ القول اذن بأن الهدف الأول لمجموعة ياهو قد تحقق بصفة نسبية جدا اذ تمكنا من الاطلاع على مقالات صحفية بعث بها المنخرطون وعلى أخبار وأحداث فنية كالاحتفال الأول بذكرى الشيخ كما تحصلنا على صور مائية لصديقنا شاديكوف. والقول بأنها نسبية جدا متأتّ من أن جلّ ما وصلنا من مساهمين بالمحتوى جاءنا عن طريق البريد الاكتروني وعن طريق تبادل المعلومات (أغاني، أشعار، مقالات) خارج اطار مجموعة الحوار.

أما الهدف الثاني فيمكن بأن نـُقرّ بأننا فشلنا في تحقيقه وهذا المقال مخصص لسبر الفرضيات المحتملة والأسباب التي تقف وراء هذا الفشل كما أن فيه محاولة للاجابة عن الحوار المرغوب حول ضمور ظاهرة الأغنية الملتزمة في الوطن العربي.

الفرضية الأولى: عدم وضوح الهدف والرؤية: قد يكون أول الأسباب هو عدم وضوح الهدف وعدم اقتسام قيمته من طرف جميع الأعضاء. فمن المفروغ منه أن أي فرد وأي مجموعة لا تستطيع تحقيق هدف ما لمْ تتفق عليه وتتقبله وتتبناه. ففي هذه الحالة تقع المسؤولية على عاتق منشط هذا الحوار لأنه لم ينجح في الاتصال أي ايصال الفكرة والعمل على تبنّيها من الجميع.

الفرضية الثانية: غياب الدّافع والحماس لدفع عجلة الحوار. فقد يكون الهدف واضحا لكن الحماس غائب لعدة أسباب منها (1) عدم الاقتناع بجدوى الحوار (2) عدم التفرّغ للكتابة لابداء الرأي والاكتفاء بقراءة المساهمات ان وجدت (3) السلبية والانتضارية في التقبل وعدم الجرأة في الاسهام من باب أن « الأمور واضحة ولا تحتاج الى كلام كثير » أو من باب  « لايمكن أن يقال أحسنُ مما قيل ».

انه من الطبيعي ألاّ نشترك جميعا في نفس قوّة الحماسة وعمق الاهتمام بأمر ما. لكن لتعلموا أني من خلال هذا الموقع أمارس حاجة ذاتية للتعبيرعن الذات وعن الايمان بأهمية وجدوى الفعل الثقافي والفني. والايمان بأن الفن والفكرالملتزم هو ابداعٌ في حركة دائمة وهو الوحيد القادر على اعطاء معنى للحالة الحضارية التي نحن فيها. وكل فرد هو حامل حضارة و مساهم فيها مهما كان موقعه وأنا متحمس لذلك. لكنني أعي في نفس الوقت أن هذا هو اختياري شخصي وخلاصة مسيرة ذاتية لا يمكن أن تُفرض على الغير. ولا أعتبر الملتقى متحفا  للأغنية الآيلة للانقاض لأنني أعتقد برغم كل التفكك الذي نعيشه أنه لا بد للذكاء العربي من وقود والالتزام في الثقافة والفن هو ذلك الوقود.

أما عن ظاهرة الأغنية الملتزمة وأسباب ازدهارها وظمورها فاني لا زلت أعمل على جمع الأفكار والتحاليل وأعدكم بمزيد العمل في هذا المنهاج. ولافضل لي في ذلك فهو عمل يوافق اهتماماتي التي تعز على نفسي. فلولا الايمان بقدرة الفن الملتزم على الانبعاث لما كان موقع الملتقى. لكن كأي ظاهرة لها مراحلها وهناتها و تاريخيّتها. ولا يمكن فصل تحليل هذه الظاهرة عن أغلب الظواهر الأخرى في العالم العربي اليوم. فليس الفن هو المعني بالضعف والرداءة فكل أحوالنا علما وبحثا وفكرا وسياسة وصحافة في نفس الدّرك من الحضيض. فان لم أكن أنا و لم تكن أنت ولم نكن نحن ولم يحصل الفعل على مستوى كل فرد فان الحالة ستستمر في تقوية سلبيتها.

الملتقى يقول لا للرداءة الفنية والثقافية المعممة و يقدم أحسن ماجادت به ثقافتنا ويحتضن كل الأشكال الفنية ذات القيمة الجمالية والتعبيرية ولا ينحصر في الشكل الملتزم النضالي منها. وهنا وجب التوضيح بأن اعتناءنا بالفن الشعبي والغناء القديم هو من باب الحفاظ على فن مهدد بالانقراض ليكون لنا وللأجيال القادمة شاهدا على اهتمامات عصره و قيمه الجمالية. وان الاستماع اليه بأذن انتروبولوجية يعطيه كل بعده كما يرتبه في المرحلة التاريخية من تطور الأغنية العربية أو ماوصلنا منها من تسجيلات. فالتساجيل بالنسبة للغناء هي كالكتابة بالنسبة للتاريخ. اي الفاصل بين الماقبل والمابعد. وقد يُعزى ضعف انتاج وانتشار الأغنية الملتزمة الى عدّة عوامل نتناولها بالدرس فيما يلي.

1. فتور الحلم الثوري:

قد يُعدّ فتور الحلم الثوري والايديولوجيات اليسارية التي كانت تغذيه في الستينات والسبعينات أحد هاته الأسباب. فليس من باب الصّدفة أن تتزامن مرحلة الفتور هذه مع العشرية الأخيرة للقرن العشرين أي نهاية الحرب الباردة. فالنخبة المثقفة العربية في أغلبها يسارية معتنقة للحلم الثوري. فنظرا للفشل الذريع « للثورات » العربية – التي لبست في الحقيقة لبوس الثورة في حين أنها كانت مجرّد انقلابات سلطوية مدعومة بايديولوجايت هي خليط من القومية والاشتراكية- لم يعد هناك مجال لتعبير فني يدعم هاته الخسائر والانتكاسات الداخلية. ولم يكن الفن الملتزم غالبا بوقا للدعاية والبروباغندا الحزبية بل كان دائما معارضا وحالما وهكذا ينبغي أن يكون. لكنه كان يلاقي الدّعم من جملة تنظيمات هي ذاتها متخندقة في الشق المضاد للسلطة كأحزاب معارضة واتحادات شغالين واتحادات طلاب ونقابات مهنية الخ.

2. حالة الاحباط المُعمم:

وقد يكون السبب الثاني هو تعميم حالة الاحباط والاستسلام في الشارع العربي. وهذا الاحباط متأت من (1) تواتر الهزائم العسكرية أمام العدوّ مما أدى الى حالة نفسية انهزامية معممة (2) قمع كل مظاهر التعبير. وانعكاسات حالة الاحباط هذه هي عدم الاكتراث بالشأن العام وانكفاء كل شخص على ذاته وعلى مشاكله الشخصية وغياب الاهتمام بكل كماهو سياسي. وحتى مَنْ تبقى من المهتمين المناضلين فلم يعد لهم اطار ايديولوجي صلب كما كان ذلك في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فانخرطوا في موجة التصدّي للعولمة والانساناوية أي في موجات رفض بدون بديل حقيقي كما كان عليه الأمر ابان الحرب الباردة اذ كانت الاشتراكية السوفييتية تمثل بديلا قائما ومُجرّبا. فمأساة القرن الحادي والعشرين هو آحادية البديل وانفراد المنظومة الليبرالية بالهيمنة دون منازع يكون في مستوى التأثير، حتى على صعيد نظري.

وحالة الاحباط هذه لها تداعيات عدة فيما يخصّ الفن الملتزم وانتشاره مما تمثـله هذه الحالة -مثل الاكتئاب على الصعيد الفردي- من فقدان امكانية التـقبل والتأثر والتفاعل والتناغم في حين أن غاية الفن هو استنهاض الهمم. فعندما يُفقد الأمل في الفعل الحقيقي يُفقد الاهتمام بكل ما يؤدّي الى ذلك الفعل. والفعل الفني هو بالأساس فعل على المستوى العاطفي والنفسي. فهل يُمكن أن تنطبق هاته الحالة على مجموعة النقاش لموقع الملتقى؟ ربّما. مجرد احتمال. و ان كان ذلك كذلك فلا ضير. لكن يبقى من الصعب تفسير صمت منخرطين اختاروا أن يكونوا هنا بمحض ارادتهم وقدرتهم حتى على الغاء الانخراط أنّى بدا لهم.

3.انتصار القمع والحصار:

أما السبب الثالث المُفترض فيتمثل في انتصار القمع والحصار والمنع الرّسمي على ظاهرة الفن الملتزم الذي انتهى ممارسوه وهواته الى رمي المنديل واستبطان المنع والصنصرة كمعوّق للابداعْ. وهذا الحصار يتمثــّل في غلق وسائل الاعلام الرسمية في وجه الفنانين وفي غلق مساحات التعبير الغير رسمية كالجامعات والنقابات والمنظمات الغير معترف بها أو المغضوب عليها رسميا.

لقد نجحت هذه العوامل الثلاثة متظافرة في دفع بعض الفنانين الملتزمين للاعتزال(الهادي قلة، الأزهرالضاوي، المستاوي) وبعض الفرق الى التحلل والاختفاء مرحليا أو كليا (البحث الموسيقي، عشاق الوطن، أمازيغن، المرحلة). هذا اضافة  الى الجانب المعيشي والاقتصادي اذ يضطر الفنان الملتزم من جعل فنه هواية لا يمكنه العيش من مردودها الاقتصادي. فليس كل الفنانين بقادرين على سلوك حياة مثل حياة الشيخ امام والتضحية بالجانب المادي من الحياة. والفنان الملتزم مناضل ولايمكن فصل الصبغة الفنية عن الصبغة النضالية فيه. ولأنه لا بد لكل مناضل من قضية فقد كانت قضية فلسطين في واجهة قضايا الفنانين الملتزمين. فهل يمكن الافتراض بأن أنصاف الحلول التي آلت اليها القضية كأوسلو وما تبعها قد خفـّضت من الوهج الثوري والحماس للشعراء والفنانين؟ ثم أتت حرب الخليج الثانية والثالثة على ما تبقى من أمل وحماس للقضية العربية عموما. فلم نستمع و لم نلاحظ أي أغاني ملتزمة ذات قيمة تتناول هذين الحدثين و كأننا بالفن الملتزم قد أضاع قضيتة ولم يبقى الا « السّاركازم » طريقة للتعبيرعن عمق هذه الحالة (انظر كلام الليل حول حرب الخليج).

ولايمكن في هذا التحليل الهروب من الواقع الأليم الذي يمثله انقسام العالم العربي اليوم حول ما يحصل في العراق:

فهناك من يعتقد أن نظام صدّام حسين كان شرّا مطلقا وأن الاحتلال الأمريكي أهون الشرّين لسببين (1) لا أحد يعتقد بأنه كان يمكن انتهاء النظام الصدّامي بدون تدخل خارجي اذ أن هذا الرجل قتل أي روح معارضة جدية عن طريق الرعب والجرائم البشعة وأنه لم تكن هناك بدائل اذ أن الرجل كان يعّد ابنيه لخلافته الفعلية. (2) ان الاحتلال الأمريكي هي فرصة ولادة عراق جديد رغم آلام الولادة تلك. فالاحتلال وان كان شرّا فلا يمكن أن يدوم الى الأبد خصوصا وأنه رهين السياسة الأمريكية وتقلباتها الانتخابية. فقد كان نهاية الحرب العالمية الثانية فرصة لانبعاث يابان جديد رغم القنابل الذريّة ورغم التدخل الأمريكي المباشر. وقد كان الأمر كذلك بالنسبة لألمانيا. فهل يمكن للعرب أن يتعلموا من تاريخ الأمم الأخرى؟

لكن هناك من يعتقد أن الاحتلال هو أبشع ما يحصل الآن في العراق. وهو مؤذن بحرب أهلية لتشريع استمراره وتحكـّمه في الثروة الداخلية وأن نظام صدام حسين كان خير الشرّين.

ففي أجواء هذا الانقسام وهذا الاحباط المهيمن ما يمكن لفنان أن يغني غير بكائيات عن فقدان الوطن والحرية والكرامة وخبوّ الأمل. فهل يمكن أن يكون الفنانون الملتزمون يخيّرون الصمت على ادلاء رأي في أمور تفرّق العرب أكثر مما تجمّعهم؟ ففي هذه الأجواء، أجواء الانسحاب والعزلة، تُرك المجال فسيحا لظواهر غريبة مثل شعبان عبد الرحيم (أنا أكره اسرائيل – محمد الدرّة) هي من السماجة وقلة الذوق والضحالة الفنية والجمالية بمكان. كما ترك المجال لأصحاب رد الفعل المناسباتي الشبه رسمي لامتصاص الاحتقان كأغنية الشعب العربي فين؟ وكأن لا أحد يعرف الاجابة ليطرح السؤال. أو ملحمة الحلم العربي.

ان الاحباط وعدم المبالاة هي الأضداد اللغوية والفعلية للالتزام. فهل تكون استقالة الفنانين الملتزمين هي مرآة لاستقالة المواطن العربي من همومه العربية وانشغاله عنها بالجري وراء الخبزة؟

مونتريال  فيفري 2004
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire