banner

19 – في البحث عن السعادة

بقلم: كريم السّــمعلي

توطئة:

قد يكون مفهوم السعادة من أصعب المفاهيم فهما وتحديدا. لكنه يبقى أهم المفاهيم على الاطلاق اذ يرتبط بكنه الانسان وغاية وجوده وسلوكه اليومي على جميع المستويات: الجسدية والروحية، الفردية والجماعية، الرمزية والمادية، الاجتماعية  والاقتصادية. هل السعادة ممكنة؟ هل وُجد الانسان لكي يكون سعيدا؟ هل أن السعي الواعي نحوها هو مطمح الانسان وغاية عمله اليومي؟ هل الأخلاق والقيم والضوابط تساعد على سعادة الانسان أم بالعكس تكبحها؟ هل الوعي والضميرمصدر للسعادة أم سجن لها؟ هل السعادة مفهوم انساني كوني مطلق أم أنه ذاتي ثقافي في أحسن الأحوال؟ ماهي أنواع السعادة ان وجدت؟ هل يمكن عبرالتكنولوجيا والعلوم الصيدلية أن نخترع يوما ما وصفة كيميائية للسعادة كما نجد اليوم وصفات لتخفيف الألم الجسدي والنفسي جدّ فعّالة؟

الأسئلة الفلسفية من هذا النوع لا تحصى ولا تُعد. وليس هناك اجابة واحدة لهذه المعظلة الفلسفية ناهيك أنها ليست علمية أي أنه ليس هناك قياس موضوعي. لهذا سنحاول التطرق لهذا الموضوع من خلال عدة زوايا واختصاصات كبيولوجيا الأعصاب، علم النفس، علم الاجتماع، الاقتصاد وعلوم السلوك وكذلك من خلال مكونات الثقافة كالدين والقيم الأخلاقية.

عندما يخرج المولود من ظلمة الرحم ودفئه فان أوّل سلوك يقوم به هو البكاء والصراخ. انه الوعي الأول بابتداء الحياة ورحلة العمر التي سوف تنتهي الى ظلمة أخرى في نفس الظروف. فلم نسمع أبدا بمولود ضحك ملىء شدقيه بمجرّد نزوله الى الأرض. ويستمر البكاء كوسيلة تعبير عن الحاجة والألم الى أن يكتسب الطفل القدرة على الكلام والتعبير. ثم تستمر الحياة بحلوها ومرّها حتى تنتهي. وكما بدأت تنتهي بالألم الجسدي والنفسي. وبين هذين الحدثين المؤسّسين للوجود تصير رحلة الانسان في الحياة كسباق حواجز يحاول خلاله أن يخفف من آلام الوجود وأن يستغل كل الفرص السانحة للفرح والبهجة ويعمل على تكرارها كلما كان ذلك بيده.

فماهي السعادة؟ هي بالأساس احساس ايجابي بمتعة الوجود. والانسان السعيد هو الذي تستمر لديه هذه الحالة في أغلب أوقاته. واننا في هذا التحليل نتبنى مفهوم السعادة على أساس أنها تواتر الاحساس بالمتعة من خلال تلبية الحاجات الطبيعية والانسانية، الفطرية منها والمكتسبة اجتماعيا. فلا متعة بدون حاجة تلبّى ولا سعادة بدون متعة، هذا من ناحية. لكن السعادة من ناحية أخرى تتمثل في الهروب من احساس الخوف الناتج عن الوعي بالحقيقية المُطلقة الوحيدة في الوجود: الموت، والتهوين من آلام النفس، وجودية المصدر. فمعظلة الوجود الأولى هو وعي الانسان مبكرا بأن الموت هو الحقيقة المطلقة الوحيدة وأن المجهول أي مصير الروح والجسد هما وراء آلامه وحيرته التي لا يمكن تجاوزها حسب سيقموند فرويد الا بتسخير الطاقة الجنسية في بناء الحضارة وهو ماجعل الانسان انسانا.

1. العناصر المكونة للملكية:

يمكن اعتبارالمحيط المكوّن والمُهيأ لسعادة الانسان أو متعته متكونا من ثلاثة عناصر ينضوي تحتها كل ما يهم الوجود الانساني. ويسعى الانسان لامتلاك ومراقبة هذه العناصر والتحكم فيها لاستمرار سعادته وهذه العناصر هي: الأشياء، الآخرون  والرّموز.

1.1.الأشياء: هي مايميّز النوع البشري عن بقية الحيوانات. فالانسان صانع للأشياء مُمتلك لها ومُتبادلها وهذا هو أساس الهيكلة الاجتماعية منذ بدء الانسانية. فالاقتصاد مبنيّ ٌعلى انتاج وتبادل البضائع والهيكلة الاجتماعية والسياسية هي نتاج ملكية وسائل الانتاج  طريقة وتوزيع الثروة الناتجة عنها. فنزعة الملكية متأصّلة في الكيان الانساني ويكفي مشاهدة سلوك الأطفال بخصوص ممتلكاتهم من لـُعب لكي نفهم أن النزعة الأولى هي التملك واحتكار الأشياء بل وحرمان الآخرين منها للتميّز كل ذلك لارضاء الحاجة الأنانية الفطرية. فلا عجب أن الملكية الخاصّة في اللغتين الفرنسية والانجليزية مشفوعة بلفظ (privé. private) وهي أسماء لفعل معناه الحرمان حرمان الآخر. ولا أريد أن أدخل هنا في نقاش ما اذا كانت هذه النزعة طبيعية جينيّة أم انها نتاج تدريب ثقافي. المهم أنها هنا ويمكن ملاحظتها واستجلاؤها في سلوك الانسان كما في سلوك الحيوان.

وهذا السلوك الطفولي المشار اليه سابقا هو نفسه الذي يجعل بلدا أقوى يسطو على بلد أقل قوّة لاستملاك ثرواته لأنه يعتبر نفسه أحق بها. ويجعل من حضارة تدّعي علوّها وامتيازها تهيمن على حضارة أخرى في نطاق تبادل تجاري تلعب فيه موازين القوى دورا في تحديد المستفيد الأول من تلك العلاقة اللامتكافئة. فسوق رؤوس الأموال الاستثمارية و سوق الطاقة عالميا تخضع لنفس قوانين اللعبة لكن بلبوس حضاري وخطاب عقلاني يُخفي غريزة الهيمنة والغطرسة من خلال الامتلاك.

2.1. الآخرون: هل يمكن الحديث عن امتلاك الآخرين كعنصر من عناصر السعادة؟ وهل يمكن الحديث عن هذا الامتلاك خصوصا وقد وقع تحرير العبيد أي خروجهم من مفهوم الشيىء الى مفهوم الذات الحرّة المساوية لكل الذوات قيمة وواجباتا وحقوقا؟ الجواب: نعم.

ان الاشارة الى انتهاء العبودية أمر مهم جدا لأن تاريخ الانسانية الى عهد قريب جدا (ماذا تساوي ثلاثة قرون في تاريخ بقدر ببعض عشرات الآلاف من السنين؟) كان يـُـتصرّفُ في الذوات، كالعبيد والنساء والأطفال، تصرفه في الأشياء المُمتلـَكة. فان أفضت الحضارة الحديثة الى الحريّة وأوصلت لما يكرّسه اليوم الاعلان العالمي لحقوق الانسان من مجموع مبادىء مشتركة وكونيّة فان مخلفات وتداعيات تلك الحقبة الغابرة مازالت موجودة في السلوك والعلاقات الانسانية ولقد أوضحنا ذلك في مقالنا: الميزوجينية بين الثقافة والدّين .

لكن الذي يهمنا في هذا المقال هوتعريف ملكية الآخر وكيف تكون مصدرا للسعادة. فماهي الملكية أساسا؟ وماهي تداعياتها في العلاقات الاجتماعية؟ وسنلجأ لاختصاص الحقوق لاعانتها في هذا التفسير. فينبغى الاشارة الى أنّه في لغة الحقوق المدنية والتجارية هناك فرق بين الملّكية (possession) والامتلاك(propriété) ففي اللغة الحقوقية يتكون الامتلاك من ثلاثة عناصر نقدمها بلغتها اللاتينية الأصلية:

الاستعمال (USUS): وهي امكانية استعمال الشيىء حسب ارادة مُمتلكهِ أي أنّا وكيف بدى له.

الاستثمار (FRUCTUS): أي ملكية الثمرالمتأتي من ذلك الشيىء وكل ما يُنتجه من مردود.

التفريط (ABUSUS): وهي امكانية التفويت أو البيع أوالتخلي عن ذلك الملك بمقابل أو بغير مقابل.

ففي حين ينبغي أن تتظافر كل هذه العناصر لتحديد صفة الامتلاك (propriété) فان الملّكية (possession)تقتصر على العنصرين الأولين. فطوعا أو كرها تمثـل العديد من العلاقات الانسانية نوعا من الملكية ولا تستقيم الا بها. فعلاقة رب العمل بالعامل هي علاقة ملكية مؤقتة ومحددة بعدد ساعات العمل. وعلاقة الزوج بزوجته هي علاقة ملكية لكن لها الخاصية التالية وهي أنها في المجتمعات الانسانية المتقدمة حضاريا ملكية متبادلة من طرفين. في حين أنها لازالت في المجتمعات المتخلّفة علاقة ملكية من جانب واحد وما تكريس تعدد الزوجات الا خاصية من خصائص تلك الملكية ويكفي الرجوع الى ما يسمى بجرائم الشرف في بلدان كالأردن والباكستان لاستجلاء ذلك بوضوح.

ففي ملكية الآخرين عبرالعلاقة الاجتماعية، وان كان غطاء تلك الملكية الحب والمودّة كما في الصداقة والزواج أو الهيمنة والسلطة كما في علاقات رب العمل بالعمال أو صاحب السلطة والنفوذ بمعاونيه وأتباعه، سعادة تكمن في امكانية التعويل على الغير وعدم الانزواء في الوحدة وممارسة السلطة. فالسلطة هي أقوى مثير جنسي كما يحلو لهنري كيسنجر أن يردّد. (Power is the gretest aphrodisiac for a man)

 

3.1. الرّموز: هي الأفكار والقيم والمعتقدات وطرق التنظيم والتسيير وكل ماهو ليس بمادي ملموس أو بعلاقة اجتماعية واضحة التصنيف. فان الأبحاث في مجال السعادة تبين يوما بعد يوما بأن المؤمنين بعقيدة ما -مهما كانت- هم أكثر سعادة من غيرهم وكذلك الممارسون للشعائر الدينية سواءا كانوا بوذيين أو مسيحيين لأن  الطمأنينة التي يبعثها الايمان لها مفعول مباشرعلى الحالة النفسية المقاومة للخوف الوجودي وبالتالي على التركيبة الكيميائية الدماغية المسؤولة على احساس الفرح والحزن. كما تمثل الهوية والانتماء الوطني أهم مصادر السعادة ويتجلى ذلك في المناسبات الاحتفالية أو المنافسات الرياضية حيث تنصهر كل الخلافات والحزازات مؤقتا تحت علوّ راية الوطن المنتصر وان كان هذا الانتصار رمزيا لا طائل مادي أو استراتيجي من ورائه.

فكما أن الانسان مبدع الأشياء فهو مبدع الرّموز والأمران صنوان لا يمكن الفصل بينهما فأي شيىء كانْ، لم يكن له أن يكون الاّ اذا سبق تخيّله كفكرة يعني كرمز. فمن أجل الرموز الوطنية أو الدينية أو الايديولوجية تحوّلت وجهة الانسانية وقامت الحروب ومات الملايين. فمن أجل فكرة ومن أجل احساس انتمائي اُرِيدَ له أن يُفرض قهرا على الآخرين دَعّمت رموز الحضارة فلول المستعمرين الصليبين أو الفاتحين باسم التنوير الحضاري.

ولاغنى عن التذكير بأن هذا التحليل التفكيكي مهم جدا للفهم لكن هناك تداخل كبير بين جميع هذه العناصر ولايمكن فصلها و قياسها على حدة. فغزو العراق من طرف أمريكا مثلا له دوافع كثيرة ومتشابكة يمكن تصنيفها حسب الأبعاد الثلاثة. فرمزيا هي فرصة فرض الايديولوجيا ونمط الفكر والعيش الأمريكي كرموز منتصرة على العدو القديم -الشيوعية- والعدوّ الجديد -الارهاب- تحت راية  الحرية والديمقراطية. وماديا هي فرض نفوذ اقتصادي له مردود على الحالة الاقتصادية الأمريكية فالعراق سـُـلـّح من طرف أمريكا قبل غزو الكويت والعراق دمّر بعد الحربين المتتالتين بأسلحة أمريكية مُنتجة من طرف شركات هي جوهر الاقتصادالأمريكي والعراق سيُبنى من طرف مؤسسات أمريكية (غالبا نفسها التي ساهمت في دماره) والعلاقات الاقتصادية التي سيقيمها العراق تحت الهيمنة الاقتصادية الأمريكية ستكون حتما لصالح المنتصر في الحرب. واجتماعيا فان علاقة القوة المُقامة الآن كوّنت علاقات جديدة مع دول الجوار حيث تـُوّجت اسرائيل كحليف استراتيجي لا غنى عنه وكل المرشحين للرئاسة الأمريكية يخطبون ودّ اسرائيل وجعلت العلاقة مع سوريا وايران تخضع فقط للتهديد والمراوغة. كل ذلك لأن هناك اعتقادا أصيلا بأن تحول أمريكا من دولة عظمى الى امبراطورية -وهو ما يحصل الآن- سيوفـّر السعادة  والرفاه للمواطن الأمريكي أولا  وأخيرا وذلك على جميع الأصعدة رمزيا وماديا  واجتماعيا.

2. أنواع السعادة:

1.2. السعادة المادية والاقتصادية:

لقد حسم اقتصاديّو وفلاسفة الفكر الليبرالي الأمر وذلك باختزال مفهوم السعادة في متعة الامتلاك والاستهلاك. ومنهم آدم سميث ودافيد هيوم أباطرة الفكر الرأسمالي. فالملكية و تقوية القدرة الشرائية باستمرار هو غاية المثلى لمواطني الحضارة الغربية المبنية أساسا في قيمها كما في هيكلتها على الانتاج والاستهلاك تلبية ً للحاجات. هذا وقد بنيت كل النظريات الاقتصادية حول مفهوم الانسان الاقتصادي (Homo economicus) في محاولة عقلنة السلوك الاقتصادي المؤدي لجعل المصلحة والنفع يبلغان ذروتهما وراء كل سلوكياته الاقتصادية انتاجية كانت أم استهلاكية.

ولقد نجحت الرأسمالية في تجديد الحاجات المُكتسبة عن طريق الاشهار ووسائل الاعلام الاستهلاكية وبالتالي وسائل تلبيتها التي تدير عجلة التصنيع والانتاج. فان كان من طبيعة الأشياء أن الحاجات الأساسية من أكل و شرب و جنس سهلة التلبية والاشباع في الثقافة الغربية الا أن هاته الأخيرة تنفرد بتوليد أو خلق حاجات مكتسبة جديدة مقترنة بالحاجات الأساسية. فالانتماء الطبقي والتجربة الذاتية كالأسفار وحب الاطلاع وتنويع مصادر الذوق كلها مُجنّـدة لكي تضفي على الحاجات الطبيعية حاجات جديدة أكثر رمزية. ويمكن أن نلاحظ ذلك من خلال الاشهار للخمور مثلا فتجد نفسك عبرالاشهار تسافر الى جبال التوسكان الايطالية الجميلة وتعيش ثقافتها وتعاشر أهلها من خلال ثلاثين ثانية من فلم اشهاري كل صوره مدروسة. ويحصل الأمر حتي للبيتزا اذ يسافر بك الماركة الاغريقية الى جذور اليونان حضارةً وتاريخًا. فتكوين هذه الحاجات وهذه الصّور عبر الاقتران بين مفاهيم وصور ذهنيّة (conditionnement par association) هو من ابداع الاشهارين وأخصائي التسويق الذين وعوا بان أهم شيىء لنيل انتباه المستهلك، وبالتالي مافي جيبه، يمرّ أساسا عبر الصّور والرموز. الصّور التي تلبي حاجته في التخيّل واكتشاف مناطق جديدة من قدرته على التمتع. وهذه القدرة هي دائمة التكوين والتطور وهذه طبيعة انسانية مفروغ منها.

ولقد بلغت هذه الممارسة التجارية أقصاها في ميدان الجنس لا لأهميته في التسويق عن  طريق نفس منطق المتعة بالاقتران فحسب وانما أصبح الجنس في حد ذاته بضاعة تكدّس منتجاته المصنعة في سوق جدّ مُربحة وهو ما يسميه أخصائيو التسويق « لـُعب الحب » (objets ou jouets d’amour). فلقد نجح الغرب في فصل الجنس عن الزواج والانجاب والقيم العائلية منذ تطور تكنولوجيا منع الحمل. فصارت المتعة الجنسية محررة من الممنوعات الاجتماعية والمحرمات الأخلاقية فوجدت بذلك سوقا مهولا من متعاطي الجنس الفردي الباحثين عن المتعة بطريقة متحررة من الالتزامات العاطفية والاجتماعية التي تقترن بها عادة.

فالسعادة عبر الاستهلاك هي اذن سباق في بلوغ ذروة المتعة وتدريب الجهاز العصبي على المزيد من التمتع بشتى الوسائل وغالبا ماينتهي الأمر الى الادمان والمخدرات في بحث دؤوب عن المزيد والمزيد من امكانيات الجهاز العصبي وهو ما يؤدي في النهاية الى عكس النتيجة المرجوة. فالقناعة لا وجود لها في هذه المنظومة القيمية بل عكسها تماما (اللهفة والادمان) هو ما يدفع الناس في نُظم تفكيرهم وسلوكهم. فيمثل الامتلاك و التكديس مسلكا لأمرين: القدرة الدائمة على الاستهلاك وصمّام أمان ضد غوائل الزمن لأن الثقافة الفردانية وتفكك قيم العائلة والتكافل الاجتماعي العضوي المفقود جعل من الفرد نقطة الانطلاق ونقطة الرجوع في دورة اختياراته الحياتيّة. فهو اذ يمارس كل الحرية في اختياراته فان له كل المسؤولية في تحمّل تبعات تلك الاختيارات. ولقد تحرر الغرب كذلك خصوصا في شقه البروتوستانتي الأنقلوساكسوني من تأثيم الملكية و السعي وراء الرّبح والاثراء وهو ما ساعد كثيرا في نمو النظام الرأسمالي كمنظومة قيمية (بنية فوقية) وكممارسة اقتصادية (بنية تحتية).

أما عن الثقافة العربية والشرقية عموما فيكفي التلميح هنا الى أن السلوك الاستهلاكي قد استشرى من خلال تقارب وسائل الاعلام والغزو التجاري للبضائع الواردة والغزو الثقافي لقيم الاستهلاك مما جعل المواطن العربي يخضع لنفس حملات غسيل الدماغ الاشهارية لنفس البضائع مع الفارق أنه يستهلك دون أن يُنتج ماعدا ماتجود به أعماق الأرض من بترول. فيكون بذلك الاستهلاك مباراة بين الأفراد والعائلات والطبقات الاجتماعية في استعراض ثرائها وقيمها الاستهلاكية الجديدة محاباةً  ومحاكاةً للنموذج الغربي من باب « المغلوب مولعٌ أبدا بتقليد الغالب » كما يقول ابن خلدون.

2.2. السعادة الاجتماعية:

لقد برهن السوسيولوجي الشهير ايميل دوركايم (Emile Durkheim) من خلال أبحاثه العلمية الميدانية في منتصف القرن المنصرم كيف أن تطوّر المجتمعات الغربية اثر الثورة الصناعية الأولى أدّى بها الى تحلـّل التكافل العضوي (Solidarité orgnaique) المبني على حميمية العلاقات العائلية والقبلية ليظهر مكانها نوع جديد من التكافل  الميكانيكي (solidarité mécanique) وذلك من خلال ظهور مؤسسات وجمعيات تقوم بما كان مفروضا أن يقوم به التكافل العضوي بطريقة عفوية. ولقد أدّى هذا التحلل الى ارتفاع حالات الانتحار كمؤشر لسعادة وتعاسة المجتمع. وتكمن عبقرية دوركايم في أنه تمكن من جعل احصائيات الانتحار مؤشرا موضوعيا لقياس مدى سعادة أو تعاسة مجتمع ما عبر سعادة أو تعاسة أفراده المنخرطين فيه. ومن المعروف أن الانتحار لا يحصل هكذا بين عشية وضحاها انما هو نتيجة معاناة نفسية واكتآب قد لا تنتهي آلامه الا بالنهاية الارادية للحياة ذاتها. فلا شك اذن أن تطوّر البُنى الفوقيّة للاقتصاد الرأسمالي كان سريعا وجذريا مما جعل من الهيكلة وطبيعة العلاقات تتغير بسرعة لا يمكن مواكبتها من طرف الكثيرين.

ولقد شرّح رولون جاكار في كتابه « المنفى الداخلي: السكيزويديا والحضارة » أسباب هذا الفتور والتـفتت للعُرى العاطفية الاجتماعية انطلاقا من مجتمعه السويسري. فالفردانية أدّت الى صعوبة متزايدة في اقامة علاقات اجتماعية حميمية تلبي حاجات الانسان العاطفية والاجتماعية وجعل الناس يخيّرون الوحدة والعزلة على الاختلاط والحميمية بما تحمله أيضا من سلبيات.

فهل يعني هذا أن السعادة الاجتماعية في ظل القيم المُهيكلة للحضارة الغربية غير ممكنة أو صعبة المنال؟ هناك مؤشرات تدعم هذا الاتجاه في التفكير منها مثلا:

(1) كمية المهدئات العصبية والمنوّمات التي تحتل فرنسا المرتبة الأولى في استهلاكها أوروبيا (2) نسبة الطلاق في مقاطعة كيبيك الكندية اذ أن 50 بالمائة ممن يعيشون تحت سقف واحد يقررون الزواج. و50 بالمائة من الذين يتزوجون يطلـّقون مما ينتج عنه أن العائلة بمفهومها التقليدي أي أب وأم متزوجان ويعيشان مع أطفالهم تقل عن 20 بالمائة من جملة الاشكال العائلية الاخرى (عائلات مركـّبة، عائلات ذات ولي واحد، أشخاص يعيشون دون قرين) (3) وفاة أكثر من 15.000 مسن في فرنسا لأنهم اُهملوا من طرف عائلاتهم.

وخلافا لهذه المؤشرات الموضوعية فان الملاحظ يستنتج أن الاهتمام الاقتصادي للأفراد سعيا وراء سعادتهم المادية الاستهلاكية وما تأخذه من وقت و جهد حوّل العلاقات الاجتماعية الى علاقات مصلحية ظرفية لا أسس عاطفية لها. فكل ّ ٌ مشغول بأزهار حديقته وبنظافة بيته ومسبحه وبحياته الخاصة أكثر من انشغاله بمدى سعادة جيرانه ومشاركتهم أفراحهم ومآسيهم كما يحصل في الثقافة العربية. فالعمل ليس مجالا لربط علاقات اجتماعية حميمة ولا الجيرة. ومع ذلك هناك قدرة خارقة في المجتمع الغربي للتنظم لبلوغ أهداف اجتماعية. فالعمل التطوعي منتشر والمؤسسات المُعتـنية بتلبية الحاجات الاجتماعية عديدة ومنتشرة لكنها تؤدي خدمات اجتماعية لسد حاجات المحتاجين لكن بدون عاطفة و بدون روح فهي كالميكانيكا الباردة، فعّالة لكن دون دفء انساني. فالعلاقات الاجتماعية هي عبارة عن شبكة علاقات مصلحية لتبادل الخدمات حسب محاور اهتمام معينة.

ان ما اسبقناه لا ينفي وجود صداقات وعلاقات اجتماعية حميمة لكنه يستنتج قلـّتها و صعوبتها وانحسارها. فالسعي الدائم وراء النجاح و التفوق الاجتماعي والاقتصادي مناف للسعادة الاجتماعية لأن العلاقات كي تثمر عاطفيا ينبغي استثمار كثير من الوقت والجهد في بناءها ورعايتها. وبما أن الوقت هو المال فان الناس يخيّرون استثمار وقتهم لتوفير أموالهم على استثماره في علاقاتهم الحميمية. كما أن مفهوم النجاح يقتضي المنافسة ولا يمكن أن يكون منافسك صديقك في نفس الوقت وان كان ذلك فليست صداقة صادقة لأنه لا يمكن أن نصف أي علاقة حميمية بالصداقة لأنه في المنافسة تنطبق أيضا جدلية هيغل بين السيد والعبد فلا بد من أشباه اصدقاء لكي يمكن أن نستمتع بنجاحنا وتفوّقنا المقارن.

ولعل هذا الضعف في امكانيات السعادة الاجتماعية يرجع الى تراجع ذلك الشعور بالملكية للآخرين عن طريق العواطف كما سبق أن حللنا في بداية هذا المقال. فليست هناك علاقة عضوية أو ملكية بين العامل ورب العمل اذ أن السوق الحرة تجعل كل طرف من العلاقة في حِلّ من الطرف الآخر اذ يحتكم الجميع الى السوق الحرة وآلياتها الباردة. كما أن المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل واحتكامهم كذلك لسوق محررة من القيم الأخلاقية التقليدية وهيمنة الجانب الجنسي المُتعوي في العلاقة جعلت مفهوم ملكية الآخر مفهوما تجاوزه زمنُ حضارة مابعد الحداثة. فحتى الأبناء ليسوا ملك آبائهم ووالديهم اذ تتدخل هيئات حماية الطفولة (DAS في فرنسا وDPJ في مقاطعة كيبيك) لتفتكّ الأبناء من آبائهم اذا أساؤوا معاملتهم من حسب قيم السلوك المعترف بها. فتجد مثلا أن أبناءا يشكون آباءهم لضربهم لهم فتقوم المؤسسة الحكومية بعزل المشتكين عن عائلاتهم وتسليمهم الى عائلات مُستبنية أو دور احتضان المراهقين.

والغرابة تكمن في الابن في الثقافة العربية يحن على أبويه خصوصا عند شيخوختهما ويتكفل بهما عند بلوغهما سن العجز على رغم الضرب المبرح الذين تلقاه وهو صغير (يبدو أنها مسألة ثقافية « ضرب الحبيب زي أكل الزبيب »  كما يقول المصريون) في حين أنك تجد الابن في الثقافة الغربية بالرغم من أن أبواه لم يضربانه او يقسيان عليه طوال طفولته وحياته يُسلـّمهما الى دور العـُجّز والمُسنين ولا يزورهما الا في المناسبات تاركا اياهما ينهيان حياتهما في الوحدة الاجتماعية القاتمة و في أحضان المؤسسة البادرة.

3.2. السعادة الرمزية:

ونعني بها كما أسلفنا تقديمه سعادة امتلاك رموز: ثقافية، حضارية، دينية، روحية أوانتمائية عموما. والحضارة الغربية واعية بتفوّقها العلمي والتقني والعسكري ومزهوّة بذلك التفوّق. وينعكس هذا الوعي على الصعيد الفردي بالاعتقاد الراسخ لكل الأفراد بأن طريقة تفكيرهم  وعيشهم متفوّقة على ماعداها في البلدان والحضارات الأخرى ومن هنا تتأتي سعادة الانتماء والهوية وهي سعادة رمزية. وحتى المسيحية كدين بالرغم من خروجها من الميدان السياسي عن طريق اللائكية لازالت تؤثر تأثيرا مُعتبرا في الحياة الرمزية وفي ثقافة الأفراد. لكن الحريّة التي تمثل قيمة عليا بُنيت عليها الحضارة الغربية كما التسامح في المعتقد أدّى بالكثير للبحث عن آفاق روحية بعيدا عن الديانات التقليدية كفلسفة الزّان وممارسة اليوغا وبعض التعاليم البوذية حيث اصبح الدلايلاَما نجما في الدول الغربية للحكمة الجديدة التي يحملها للغرب.

لكن تحرر الثقافة الغربية من ثقل المُحرّمات الدينية وضغط الكنيسة المباشر على السلوك الفردي أدّى الى ظهور مشكليات أخلاقية جديدة كالمساعدة على الانتحار أو انهاء الحياة الطوعي لمن لا أمل في شفائهم أو الاستنساخ فأصبح بذلك الانسان الحر مُقرّرا لحياته ولنهاية حياته من حيث الكيف والاوان. (شاهد فيلم – غزو البرابرة Les invasions barabares – Denis Arcand)

وتلعب الفنون مرتبة مهمة في تلبية الحاجات الرمزية الجمالية ويطغى عليها طابع الترفيه والتسلية بجميع اشكالها. فالسنمائيون يُعرّفون مهنتهم على اساس أنهم بائعي أحلام، والحلم رمزي بطبيعيه. وقد تهيكلت الفنون في شكل سوق ضخمة اذ تمثّل صناعة الترفيه في الولايات المتحدة الأمريكية ثاني أهم صناعة من حيث الاستثمار والدّخل بعد الصناعة الحربية بما في ذلك تكنولوجيا الطيران. وان لذلك دلالة كبرى. فالمساحة التي تراجع فيها تأثير الدين تقدّمت فيها الفنون لتحتلـّها موفـّرة للمستهلكين تلبية حاجاتهم الرمزية (أحلام، فانتازم، شعور بالقوة والعظمة الخ) فلا عجب اذن أن هذا التبضيع -تحويل الفن الى بضاعة استهلاكية- من أهم اسباب الاحتراز على العولمة الثـقافية.

أما بالنسبة للثقافة العربية فيبقى الدّين والتاريخ الحضاري من أهم الرّموز الفاعلة في المخيال الجماعي لاستدراج ذلك الفرح والفخر المخفي وراء رداءة الواقع و سوداويته. فالسعادة الرمزية تواجه في واقع الحضارة العربية تحديات عظمى تتمظهر للأسف في نوع من الانزواء والتقوقع على مقوّمات الهويّة والمجد التاريخي المُتخيّــَل في مواجهة زعزعة الكيان الثقافي العربي الذي أورثته الهزائم  وأنظمة الحكم المتخلّفة.

تأليف:

مقايضة السعادة المادية بالسعادة الاجتماعية:

لقد اعتمدنا الى حد الآن على تفكيك أنواع الملكيات المؤدية لأنواع السعادة المختلفة على الأصعدة المادية والاجتماعية والرمزية. لكن الحقيقة أن السلوك الفردي يعتمد منذ تشكله في الطفولة الأولى على المقايضة بين هاته الملكيات الثلاثة حسب الثقافة ونوع الشخصية الفردية. ولننطلق من أمثلة محسوسة ومعروفة للبرهنة على ذلك. نزعة الملكية والأنانية المفرطة ظاهرة جلية ومُلاحظة في جمهورالأطفال نحو سن الثالثة مثلا. فتراهم متشبثتن بملكيتهم (مجموع اللـّعب والأشياء) ولايقبلون التسليم فيها حتى وان مجّوها ولم تعد تعن لهم شيئا. فكثيرا ما نشاهد طفلا في هذا العمر مُهمِلا لعبة أو شيئا ينتمي اليه، لكن بمجرّد أن يدخل طفل آخر في فضائه ويسعى الى استعمال لعبته المُهملة يفقد الطفل المالك صوابه ويردّ بكل عنف لاسترجاع ملكية لعبته « المُغتصبة » وبمجرّد ان يسترجها يُهملها من جديد. وللتخفيف من هذا السلوك الأناني يعلـّم الأباء أطفالهم عن طريق الفهم والخطاب الموجّه لملكتهم الرمزية الحديثة عبر كلمات يمكن أن يتقبلها ذهن الطفل في ذلك العمر بأن سلوكه غير مستحسن وأنه اذا تمادي فيه سيبقى وحيدا بدون أصدقاء زد على ذلك أنه سيفقد حب واحترام والديه. وأنه من ناحية أخرى بمشاركته اللعب مع أصدقائه سيجني سعادة اجتماعية تعوّضه عن فقدان ملكيته للشيىء وأنه لا سبيل لهذه السعادة بدون التفريط في بعض ممتلكاته والحد من أنانيته. وزد على ذلك أن أبواه سيكونان فخورين به اذا ماهو تصرّف بالطريقة التي أشاروها عليه. وقد يكون عقاب الطفل اذا لم يفهم ولم ينصع لهذا الاقناع عن محض اراداته حرمانه من كل لعبه وعدم توجيه الكلام اليه وهو من أشد العقوبات قسوة في ذلك العمر. ففي نفس الوقت الذي يقايض فيها الطفل سعادة الملكيّة المادية بسعادة اجتماعية من خلال علاقة مبنية على اقتسام ممتلكاته آنيّا ينفذ الى لاوعيه مجموعة من القيم الرمزية متعلقة بالاقتسام ورفض الأنانية وحب الآخرين وتقديرهم المتعلق بالسلوك. فتُكتـَـنزُ تلك القيم في لاوعيه على شكل رموز أخلاقية وقيمية جديدة مُمْتلكة يكون اليها الرجوع في المواقف المشابهة.

مقايضة السعادة المادية بالسعادة الرمزية:

أما مثالنا الثاني فيتمثل في سلوك آخرمنتشر في كل الثقافات والأديان وهو الهبة والصّدقة. فما الذي يدفع انسانا مهما كانت درجة ثرائه لكي يُعطي من ماله للآخرين بدون مقابل أي خارج منطق السوق « خذ واعط » ويفضلون أن يبقوا نكرات. والمعروف انه ليس الأثرياء بأكثر الناس كرما. ونرى ذلك في الهبات لبناء المساجد والكنائس أو دور العجّز أو الصدقة على الفقراء. انها بطبيعة الحال مقايضة سعادة مادية (ملكية المال) بسعادة ملكية رمزية سواء كانت دينية عـَـقديّة أوانتمائية. ان الملكية المادية ينبغي أن تُستثمر من أجل ان تستمر وتربو ويكون ذلك عن طريق ميكانزمات الاستثمار المتعددة. والملكية الاجتماعية كذلك لا بد لها من استثمار لكي تستمرّ وتقوى. وهذا الاستثمار يتم عبر التواصل والاهتمام بالآخر وتقاسم مشاغله واهتماماته، أفراحه وأتراحه وتطوّره ككائن وكآخر. كما يقول المثل العامي التونسي « اللي عندو نوّارة يسقيها ». نفس الأمر ينطبق على ملكية الرموز. فهي، افكارا كانت أم عقائد أم أحاسيس، ينبغي الاستثمار فيها كي تربو وتنمو. فالناجون من مرض السرطان كما الذين فقدوا أحباء لهم بسبب هذا المرض تراهم يعطون من أموالهم للمؤسسات العاملة في البحث عن أدوية أو حتى فهم ميكانزمات هذا المرض المستعصي. وهم لا يجنون شيئا من ذلك العطاء سوى تغذية احساس الرضى عن النفس بالمشاركة في دفع عجلة البحث الى أمام لكي لا يُنكب آخرون ويعانوا الألم بفقدان حبيب من جراء هذا الدّاء. وان لم تكن النتيجة آنية الا أن السعادة الرمزية بالانتماء وبالفعل كافيـَيـْن لوحدهما لتعويض تلك « الخسارة » المادية.

ونفس الأمر ينطبق على المتبرّعين في حياتهم أو بعد موتهم بممتلكاتهم للجامعات التي تخرّجوا منها في نوع من الاعتراف بالجميل للجامعة التي جعلت حياتهم تؤل الى ما آلت اليه ولكي تبقى جامعاتهم مشعة في محيطها. وجامعة ماك جيل الكندية دليل واضح على ذلك اذ أن جزءا كبيرا من ميزانيتها متأت من الهبات.

ويندرج تحت هذا النوع من المقايضة أيضا ما يلجأ اليه الشخصيات السياسية والاقتصادية من خدمات « صناع الصورة » (faiseurs d‘image) من أجل تلميع صورتهم واصباغ بعد رمزي واجتماعي انساني على ذواتهم تمكنهم من نيل بعض الاحترام بعد صرف أموال مهولة تذهب في جيوب أخصائيي التسويق و العلاقات العامة.

مقايضة الملكية الاجتماعية بالملكية الرمزية:

يحصل أن بعض الأفراد عندما يحققون مطمحهم الذين يسعون اليه بالارتقاء من طبقة اجتماعية الى أخرى عن طريق العمل، أوالبخت الذي يجلب لهم ثروة مفاجئة، يعمدون الى قطع علاقاتهم الماضية أوحصرها. ذلك أن انتمائهم الجديد يقتضي منهم مراجعة علاقاتهم وفحص ما اذا كانت تساعدهم على تعزيز انتمائهم الجديد والصورة التي يسعون الى معانقتها. ذلك هو حال بعض الأغنياء الجدد وأصحاب العلاقات المصلحيّة أي السطحية.

كما أن هناك مثالا لنوع آخر من الناس الذين بقطع النظر عن العامل المادي الاقتصادي فانهم ينقلبون في علاقاتهم الاجتماعية نتيجة تغيير جذري في معتقداتهم وممارستها. فهناك من يلجأ الى التديّن بعد حياة مليئة بالترف والمتعة فتراه يغيّر علاقاته مع أصدقاء الأمس ويقطع معهم قطيعته مع حياته السابقة. ثم يقيم علاقات جديدة مع أصدقاء يُقاسمونه منظومته الرمزية الجديدة ويدعمون أسسها بالتماثل في الفكر والمعتقد.

وعكس هذا المثال صحيح أيضا فهناك من يخرجون من بوتقة التديّن المتزمّت الى حياة فكرية ورمزية مبنية على قبول الاختلاف وتشجيعه باعتباره ثراءا فيغيرون صداقاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية لتدعيم منهاجهم الجديد في الحياة. والأمثلة يمكن أن تتعدد في هذا المجال ويمكن أن نلاحظ ذلك بصورة جلية عند الخروج من سن الطلب العلمي والدخول الى معترك الحيات العملية.

خلاصة:

أهم شيىء يجب فهمه هو أن هذه الميكانزمات تصبح بفعل الاستبطان والتدريب لاواعية لكنها مع ذلك تـُوجّه سلوك الفرد حسب شخصيته، أي حسب مجموع قيمه الذاتية. فلا يمكن القول بأن للسعادة، وهي احساس ذاتي ونسبي، وصفة محددة. فالغارق في ملذات الحسّ، اي الاستهلاك والملكية المادية، ليس بالضرورة الأسعد من الغارق في دنيا من الرموز والجماليات الروحية والفنية أو من المستثمر جهده في بناء علاقات اجتماعية (عائلة، صداقات، عمل تطوعي او عمل سياسي) لا على أساس المصلحة وتبادل الخدمات وانما على أساس الصدق و المحبة والخدمة.

فان كانت الأنانية هي حب الذات وايثارها المرضي لنفسها على على كل الذوات المحيطة واعتبار الفرد نفسه مركز الكون وصرّة العالم فلأن الأنا المادي الاستهلاكي (وهي الطبيعة الطاغية في المجتمعات الحديثة) منغلق على نفسه لا يرى ماعداها ولأن طبيعته تقوّت بفعل القناعة الواعية أو اللاواعية بأن كل ما يحيط ذلك الأنا يجب أن يُسخّر لخدمته.

لكن المجتمعات الأكثر روحانية تحاول أن تغرس الآخر كجزء من الأنا وكشرط لافقط لاستمرار المجتمع وانما كشرط للسعادة وذلك بجعل الفرد عنصرا في مجموعة تكون امتداده  ومصدر اطمئنانه من خلال التدعيم الايجابي لكل سلوك جماعي. ومن هنا يبدو تباين المجتمع الغربي بقيمه الفردانية والمجتمع الشرقي بقيمه الجماعية. وليست هناك وصفة جاهزة للسعادة في كلتا المنظومتين لأن لكل منهما ايجابياته وسلبياته.

مونتريال  فيفري - مارس 2004
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire