banner

2من دفاتر الثورة التونسية

فرادة الثورة التونسية

يجب الاقرار بأن الثورة التونسية مختلفة عمّا سبقها من ثورات. فهي ليست مثل الثورات العالميّةالجوهرية (الثورة الفرنسية والبلشفيّة والايرانية) كما أنها لا تشبه الثورات المخمليّة في أوروبا الشرقية و بقايا الاتحاد السوفياتي.

فهي تمتاز عن النوع الأوّل في كونها (1) لم تـَنتـُج عن صراع طبقي (2)لا تهدف الى هيكل جديد وغير معروف سياسة
ًوثقافة ً واقتصادًا. ففي 14 جانفي يناير التحمت كل الفئات، الشعبية منها والبورجوازية، لتلعن النظام القائم وتعلن عن الرغبة في نظام آخر دائم في حين كانت الثورات الجوهريّة بالأساس تغييرا عميقا لهيكلة المجتمع عبر انشاء منظومة قيميّة/اجتماعية/ سياسيّة/اقتصادية جديدة. فالثورة الفرنسية حققت تحوّل منظومة الحكم من الطبقة الارستقراطية الى البورجوازية و الثورة البلشفية من منظومة الحكم الملكي الاقطاعي الى الحكم الشيوعي في حين كللت الثورة الايرانية بتغيير المنظومة المَلكية الرأسمالية بحكم استبدادي ثيوقراطي. وفي كل هذه الثورات دفع
الشعب ضريبة الدّم لسنوات عديدة دون تحقيق أهدافه المبدئيّة.

ولقد اكتفت الثورات المخمليّة بتغيير رؤوس النظام في مسار استقطاب النظام الرأسمالي الذي لم يعد يقبل بدكتاتوريات من المنظومة الشيوعية أو القومية السابقة. ولقد وقعت هذه الثورات بمساعدة ظاهرة أو خفية من القطب الأمريكي (جورجيا مثلا) متعاقدا مع القوى الدّينية (دور الفاتيكان والبابا يوحنـّا بولص الثاني في بولونيا) ولقد كانت لهذه الثورات المخمليّة قيادة واضحة ومؤطــِّرة.

وحظوظ الثورة التونسية يكمن في اختلافها هذا. فحظها الأوّل أنـّها لا تنشد تغييرا جذريا في المنظومة القيميّة/الاجتماعية/ السياسيّة/الاقتصادية انّما تصحيحها اذ أنها كانت في عهد ماقبل الثورة مغشوشة بالكامل. يكفي أن نذكر أن بيان الفجر الكاذب، ذات سابع من نوفمبر، تمّ تطبيقه بعكس تام لحذافره وأنّ الخطاب الخشبي للتضامن والتنمية المستديمة والانجازات الاقتصادية الخ كانت نفاقا بائنا. لذلك عندما بلغ السيل الزبى خرج الشعب على بكرة أبيه ليقول لا لكل ذلك الزّيف وكل ذلك الضّحك على الذقون.

وحظـّها الثاني أنـّها بدون قيادة. فهي تلقائيّة شعبيّة وبذلك لن تـُمكــّن لأحدٍ ركوبها أو المنّ عليها. وهو ما سيعطيها فرصة التواصل لأنها عبّرت عن لحظة وعي تاريخي فريدة التحمت فيها الجهات والطبقات الاجتماعية والاقتصادية من أجل ارساء منظومة واحدة: ديمقراطية تقدّس الحريّة وعدالة توفـّر مساوات الفرص للجميع بدون محابات ولامحسوبية. وتواصلها سيكمن في مراحلها المستقبليّة بعد أن تنشأ دستورها الذي تريد. وينبغي ان يتجسّد هذا التـّواصل في انخراط الشباب في العمل السياسي والجمعياتي/الانساني وتيقـّـظه عبرعبر كل أشكال الاتصال لحماية ديمقراطيته الحقيقية والذود عنها من الأخطار المترصّدة. ولعل المناداة اليوم بديمقراطية برلمانية تقطع مع الرئاسويّة خير دليل على ذلك.

ومن فرادتها أيضا أنّها الثورة الوحيدة التي تصبح في مدى قصير اُنموذجا في استراتجياتها وأهدافها. فلولا ثورة تونس لما حصلت ثورة مصر- باعتراف المصريين- ولا حصلت ثورات ليبيا واليمن والبحرين ويبدو أن هذا الطوفان لن يدّخر دولة عربية وأنّ المسألة مسألة وقت فقط. فأبيات الشابي عن ارادة الحياة أصبحت عملة عربية مُوحّدة وشعار « الشعب يريد … » أصبحت حاملا للبرنامج السياسي المستقبلي للوطن العربي.. ولا غبار على ذلك.

لكن هل نجحت هذه الثورة … ماهي احتمالات فشلها وماستكون تداعياته؟

– يتبع –

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire