banner

2 – الخيال الشعري في الفن الشعبي وعلاقته ببُنية العلاقات الاجتماعية (تونس مثالا)

بقلم: كريم السّــمعلي

اذا أردنا اعمال آليات التحليل النفسي لاستجلاء معالم الشخصية الفردية و طبيعة العلاقات الانسانية في مجتمعنا العربي فان الفن الشعبي يمكن أن يكون مدخلا مهما ومادّة ثرية للبحث. لكن الأغنية الشعبية ظلّت مهملة لعدّة أسباب ربما يكون أوّلها استنكاف الباحثين باعتبار هذا الفن سوقي و  غير جدير بالبحث. أما ثانيهما فقد يكون فقر الاهتمام بالبحوث الاثنولوجية و الاثنوغرافية ذاتها خصوصا اذا تناولت نفس الثقافة التي ننتمي اليها. وقد يكون ثالثها عدم القدرة على التجاوز والتجرّد عن ظواهر لازالت حديثة و ذات مكانة في المجتمع. والأغراض الشعرية في الغناء الشعبي تكاد تنحصر في مرتبة اولى على التعبير عن المشاعر نحو الحبيبة و المعاناة العاطفية للعاشق المحروم من لقيا من يحب. وفي مرتبة ثانية عن الاحساس بالغربة و الوحشة و الغربة الناتجة عن مفارقة الأهل و الأحبة سواءا كانت هذه الهجرة داخلية (نزوح من الريف الىالمدينة) او خارجية (مغادرة الوطن للارتزاق) ثم في مرتبة ثالثة التعبير عن المشاعر العاطفية نحوالأمّ و الأهل.

الأغنية العاطفية

أمّا في الغرض الأوّل فالملفت للانتباه هو (1) التعبير الدائم عن الحرقة و توهج الأشواق (2) الظلم الاجتماعي المسلّط على المحبيبن (3) الرموز و الايحاءات الجنسية (érotique) عن طريق الأشياءْ كالحلي و الملابس الخ.

(1) الحرقة و توهج الأشواق : ان المتأمل في التعابير و الصّور الشعرية المعبّرة عن اللـّوعة و الحُرقة يجد كثيرا من تكرار نفس الصور. فهي تدور حول الكبد المشوي و الفؤاد المحروق (ربّما بعد طول اشتواء) و الأحشاء الممزقة و كأني بكل هذه التعابير كتبت يوم عيد الاضحى حيث يكثر الشـّواء و طهي الأعضاء الداخلية لكبش الفداء. فالعلاقة بين الحرقة الداخلية وهذه الصّور في درجة دنيا من الخيال الشعري. لكنها تـُعبّر عن ألم لا يُعبّر عنه في الثقافات الأخرى بنفس هذه المبالغة، اذ يصير الحب اندفاعا و جنونا حدّ المهالك فتكتب مراسيل الغرام بالدم القاني ويكتئبُ الأحبّة ان لم يُكتب لهم اللقاء و الوصل. لكن لا يمكن أن نفهم هذه اللوعة و هذه المبالغة خارج الاطار الاجتماعي الذي يحكم العلاقات. فحتي النصف الأول من القرن العشرين وخصوصا في المجتمع الريفي كان الحب ، و ربما لا يزال، علاقة محضورة و مُريبة بل و يُعتبر كارثة اذا علم أهل الفتاة بذلك. و من هنا جاءت العبارة الشعبية تهمت فلانة بفلان أو العكس. ففي غياب علاقة تعارف واقعية لا يُمكن أن يُبنى حب علاقاتي (amour relationnel) وانما يشيع ويستبد الحب الشاعري(amour poétique) على حسب تصنيف السيكولوجي و المفكر الأمريكي ايريك فروم (Eric Fromm). و من خصائص الحب الشاعري التخيّل و ارقاء المحبوب الى مستوى خيالي من الجلال و العظمة و النقاء.

(2) الظلم الاجتماعي: الحب ممنوع و محضور في المجتمعات العربية و الاسلامية. واذا كنا نتحدث عن تونس في النصف الأول من القرن العشرين حيث كتبت معظم الأغاني التي نتناول صورها الشعرية بالدرس فان الأمر معاصر جدا في المجتمعات العربية و خاصة الشرقية منها حيث تحضى المرأة بمكانة دونيّة. فيكفي مطالعة وثائق هيئة الاذاعة البريطانية  BBC أو التلفزة الكندية RDI عما يسمى في الأردن و الباكستان و الهند بجرائم الشرف لادراك مأساة الفرد المحكوم بالقيم القبليّة البدائيّة التي لا زالت تحكم الكثير من مجتمعات العالم الثالث الغارقة في الميزوجينية. فالحب لا زال اذا اثما و خطيئة يُعاقب عليها المحبّون و خصوصا النساء بالتزويج من رجل يختاره الأب عقوبة للبنت الشاذة عن قوانين القبيلة هذا ان لم تُقتل اذا شُـك ّ في امر اقامتها علاقة مع من تحب. انّ عقلية الأفراد و هيكلة المجتمعات االريفية و الحضرية في العالم العربي لم تتطوّر كثيرا و بقيت رهينة سلّم قيمي يمكن ارجاعه للجاهلية أي ماقبل الاسلام. وهذه العادات و التقاليد البائدة التي تضطهد الفرد هي التي تغذي الصّور الحاقدة و القبيحة التي يستغلها الاعلامي الصهيوني الأمريكي لتشويه صورة العرب. فلا يملك الفرد الاّ أن يُصعق وهو يطالع على الموقع الالكتروني لــBBC  زاوية النقاش و الآراء الحرّة حول ما يسمى بجرائم الشرف. اذ أن هذه الآراء و نوع الخطاب القيمي الذي تحتويه بدائي وعصابي الى أقصى درجة ويكرّس عدم المساواة بين الجنسين ازاء قوانين القبيلة. و للرجوع الى مستوى الأغاني فان التذمرات من ابعاد الحبيبن و تدخل الأهل للتفرقة تشكل ثاني أهم أسباب التعبير عن اللوعة و الحرقة في الحب التي تؤجج المشاعر التي لا تخبو الاّ عندما يأخذ الاكتئاب مسيره للأرواح. لكن من الناحية السوسيولوجية يمكن التأكيد أن الفرد ليس صاحب القرار في حياته انما العائلة أو القبيلة عبر القيم و القوانين المخفية (implicites). و هوما يجعل الفرد انسانا مكسور الارادة مُحجّما في فعله على الواقع لتغيير أمره أو تغيير مجتمعه. فباسم القيم التقليدية واحترام ارث الأجداد و القيم الشائعة و المُتوارثة يُقتل في الفرد روح الابداع و التطلّع و التصوّر لأن الحريّة كُــل ّ ٌ لا يتجزّأ لا فرق في ذلك بين الحريّة في الحبّ و كل الحريّات المدنية و الاجتماعية و السياسية.

(3) الرموز و الايحاءات الجنسية (érotique) : يمر التصوير الشعري في الفن الشعبي دائما عبر رموز للتعبير عن مكنون المشاعر. فللتعبير عن الرغبة و الحب لجسد المرأة المخفي تحت ملابس فضفاضة لا تُظهرُ شيئا من محاسنها يمرّ عبر ما يُرى خارجيا.  فالأغاني التي تتناول الخلخال و « اللحفة » والسفساري و القفطان لا تُحصى و لا تُعدّْ. ولا يخفى على أحد أنّ المقصود من وراء كل هذه الرّموز  مع شاعريتها و محاولتها التجرّد هو ذلك الجسد الممنوع المرغوب. فان صوّرهُ فنـّانو النهضة الأوروبية عاريا ملائكيا حينا و جنسيّا احيانا أخرى فان الثقافة العربية تمجّ ذلك و ترفضه نظرا لما للجسد من مكانة في الدين و التقليد اذ هو أداة المتعة في الجنة و العقاب في الناربحسب ما يُمْـتـَـنعُ عن هذه المتع في الحياة الدنيا. فيضطرّ الفنانون اذا الى الالتواءات التعبيرية لأن المسكوت عنه في الثقافة العربية ثقيل الوزن على ضمائر الشعراء و الفنانين احتراما للذوق العام أولا ثم لأنهم منخرطون في نفس تلك الثقافة. فلا غرابة اذن في أن يكون مصدر تجاوزهذه المحرّمات المتعارفة في التعبير من طرف الأقليات الاثنية التي  و ان كانت تساهم في نفس الثقافة فانها تعتبر نفسها حِلاّ من المعتقدات الدينية للأغلبية. مثلا طاح تخبل للشيخ العفريت أوقفطانك محلول لبلون بلون.

مكانة الأم في الشعر و الغناء الشعبي

ان العاطفة نحو الأم و ان كانت انسانية فان لها خصائص فريدة في الأغنية الشعبية التونسية.(صالح الفرزيط، الكحلاوي التونسي، المنصف عبلة الخ) فالمشاعر نحو الأم في الشعر الشعبي هي أقوى من أي مشاعر أخرى يمكن أن تربط بين شخصين. و هي تأليهية عُـصابية في آن (أغنية عزّرني و اضرب بالكف ،يامّة – سمير لوصيف) و لا غرابة في ذلك اذ هي تعكس مكانة الأم في التكوين النفساني للفرد. فمن الناحية الاجتماعية الثقافية فهذا الحب الأمومي يصل درجة الحب الأعمى خصوصا من طرف الابن و الحب الامتلاكي(amour possessif) من طرف الأم وغالبا ما يسبب هذه الطبيعة القوية مأساة للاثنين. فوحدها الثقافة العربية الاسلامية تقرن الجنة برضاء الوالدين و خصوصا الأم ( الجنة تحت أقدام الأمهات). لكن الأم العربية، الأقرب عاطفيا لأبناءها من الأب لأسباب اجتماعية (فالرجل غائب عن البيت لجلب القوت) ونفسية (الرجال لا يُظهرون عواطفهم و لا يتحدثون عنها). و هذا القرب في الزمان و المكان يتبعه نوع من التعلّق بالأم عن طريق التأثيم (processus de culpabilisation) أي بثّ شعور الاثم و المسؤولية في الابن عن الأم الوالدة الحاضنة المربية التي تحرم نفسها من كل متع الحياة للتضحية في سبيل سعادة أبناءها. و في هذا المجال ثشابه كبير مع الثقافة اليهودية و مكانة الأم فيها. والأفراد يبقون في عائلاتهم و أسرهم حتى سن الزواج فلا تُقطع الصرّة رمزيا الاّ عبر هذا الحدث. ومنها تبدأ الصراعات بين الأم و زوجة الابن وهو بالأساس صراع سياسي حول النفوذ والتأثير في قرار الابن لأنه يبقى اقتصاديا مصدر التمويل (فيلم مفيدة التلاتلي : موسم الرجال). فكل ابن يبحث عن زوجة تكون أما له كما يقول فرويد و هذا عمليا أمر مستحيل.وان كان هذا الأمر انسانيا في درجة أولى الا ّ أنه في الثقافة العربية يصطبغ بكثير من الخصوصيات.ففي المجتمع العربي التقليدي و كثيرا من مجتمعات العالم الثالث مازال للأم الدور الرّئيسي في في البحث عن زوجة للأبناء. وغالبا ما يقع الاختيار بالطبع على الزوجة الأكثر تناسبا للأمّ لكي يبقى أولادها و زوجاتهم تحت  النفوذ الأمومي عاطفيا واجتماعيا. أمّا عن الأغنية فهي تعكس تحديدا طبيعة العلاقات السائدة وبنية المجتمع من حيث الصراع على النفوذ و الصراع بين الأشخاص كما قيم التعاضد و البناء الاجتماعي في صلابته و هشاشته.

مشاعر الغربة

ان احساس الغربة مقترن أساسا بمغادرة الوطن الأم للارتزاق و العيش. وقد تكون هذه الهجرة داخلية من مسقط الراس الى كبرى المدن دائما لتحسين الحالة المعيشية و فرارا من ظروف البادية القاسية اقتصاديا. و أغاني الغربة في الفن الشعبي دائما حزينة و بكائية لأنها تمثل بالأساس الحنين للطفولة ببراءتها و سعادتها من حيث اللاوعي و اللااكتراث بمصاعب الحياة.

وأغاني الغربة اذ تُصوّرُ قسوة الحياة خارج الوطن أو بعيدا عن مسقط الرأس و الأهل و العشيرة التي عبرها تشكلت عواطف الحميميّة الأولى فانها دائمة التغني بالجنــّة الضائعة. وبما أنّ الجنة لم تكن أبدا جنـّة الا ّ لأنـّها ضاعت فالأحاسيس المنقولة عبر هذه الأغاني هي بالأساس نوستالجية. ( في الغربة فناني – صليحة.سلّمت أنا فيك يا بلادي– رؤول جورنو. Moi, je suis d’un pays – تفكرت بلادي – سليم هلالي. مقدّرلي نعيش – لطفي بوشناق  تسفر و تتغرّب – الشيخ العفريت و البراني– لطفي جرمانة و القائمة تطول)

والأكثر مرارا في هذه التعابير العاطفية عن الحنين و التوق للجنة الضائعة هي استحالة الرجوع اليها. فانّ هذه الصّور والأحاسيس هي نتيجة ما ما يُسمّى في التحليل النفسي بالتثبيت (Fixation) أي التعلق بصورة ثابتة تسكن الخيال و لكن وجودها في الواقع شيىء من الوهم. و يحصل هذا التثبيت خلال التطوّر العاطفي للفرد.فمن ناحية أولى يشكل اقتلاع الجذور من الوطن الأم ّمع استحالة التجذر في الوطن المُستقبِل هو سبب  ذلك الألم الدائم والمعاناة من الغربة. ومن ناحية أخرى فأن جمال الطفولة وذكرياتها هي في حد ذاتها جنة ضائعة حتى لمن بقوا في أوطانهم. فاذا اقترنت بتغيير المحيط الاجتماعي و المادي الذي وجدت فيه فانها تُضخم من ذلك الاحساس بغربة الوطن/مسقط الرأس. ولكلّ جنته الضائعة

مونتريال  أكتوبر 2003

ملحوظة: الأغاني المرفقة بهذا المقال لا تعبر عن ذوق مؤسس الملتقى أو الخط الفني الذي يدافع عنه انما هي شواهد ثقافية و مادة للبحث و التحليل. فيجب الاستماع اليها بروح تحليلية و فكاهية نظرا لموستواها.

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire