banner

3من دفاتر الثورة التونسية

الثورة بين احتمالات النجاح والفشل

ان نجاح الثورة مُرتهَنٌ بتحقيق أهدافها. وما دامت هذه الأهداف واضحة ومتناسقة داخليّا فسوف تبقى قوّية. لكن هذا لا يكفي. لقدعرفت كلّ ثورة من الثورات العالميّة المعروفة انتكاسات مُميتة غالبا. فما عدا العامل الدّاخلي للثورة فان العوامل الخارجية مهمّة جدّا في كسرها واحباطها ان علّتها الهشاشة وفي صقلها وتقويتها ان كانت تحمل في ذاتها طاقة كامنة لا يمكن امتصاصها أو تحويل وجهتها. ويبدو لي أن الثورة التونسية وما حملته في قيم و ممارسة هي أقرب للصلابة من الهشاشة وذلك لا ينفي تعرّضها لتحدّيات في المدى القصير والطـّويل

: فمن العوامل الدّاخليّة التي يمكن أن تصيبها هي

  1. انتفاخ الذوات الفردية ومن ثمّ الذات الجمعيّة التي قد تفقدها واقعيّتها وتوازنها. فنحن في بداية هذه الثورة وأصعب ما فيها ليس رحيل دكتاتور و تفكيك منظومة استبداده بقدر ما هو بناء منظومة بديلة قادرة على الاستمرار. انّ الغرور هو أبرز أعدائها الدّخليين.

  2. الالتفاف الدّاخلي : صحيح أنها ثورة فريدة وأنـّها لا زالت قويّة لكن لنحذر من الوهن الذي قد يصيبها اذا حاولت فئة أو أفراد الاستئثار بها أو الظهور في مظهر الأبطال. أننا بذلك نكرر أخطاء الاستقلال الأوّل الذي حققه شعب والتفّ عليه شخص نرجسيّ « نسخ » ما جاء قبله.

  3. الفشل في تحويل العاطفة الثوريّة العاصفة الي برنامج ومنظومة عقلانية وهيكل سياسي/اقتصادي/اجتماعي/ قيمي يضمن لها الدّوام.  » بعد السّكرة بتيجي الفكرة » كما يقول اللبنانيّون وبعد « التخميرة الثوريّة » تأتي مرحلة التأسيس والتطوّر المطــّرد بالاستغلال المتـقن للموارد عبر خطط وأهداف يمكن قياس نجاحها و مراجعتها في كل حين لاعادة تصويبها نحو الهدف اذا زاغت عنه.

ومن العوامل الخارجية التي يمكن أن تهدّدها:

  1. الثورة المُضادّة وهي ليست مقترنة فحسب بالمنظومة السياسية من هياكل وقوانين بقدر ماهي مربوطة بالسلّم القيمي الذي رسّخه نصف قرن من الوصاية على الفرد وحرّيته في الابداع. والابداع ليس حصرا على الآداب والفنون بل يتجاوزها أساسا الى ميدان القيم والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي لخلق الثروة وعدالة توزيعها. فلقد خلقت الدكتاتورية طبقة اجتماعية نفعية ذات نفوذ اقتصادي لها القدرة على التشويش على مبادىء الثورة. وهي تتحرّك في جميع الاتجاهات للمحافظة على منافعها بنوع من غريزة البقاء المستميتة والأحداث الموثـّـقة والمؤرّخة شاهدة على ذلك.

  2. الضغط الاقليمي والعالمي: قد يفوت البعض في غمرة حماسِ ثورةٍ لم تكتملْ بعدُ أنّ نجاحها لا يكمن فقط في كونها صارت أنموذجا للعالم العربي على المستوى الاقليمي بل أنها ثورة عالميّة. وعالميّتها تكمن في أنّها ان نجحت ستغيّر حتما ميزان القوى بين الشمال والجنوب، بين العالم العربي و أوروبّا ومن ثمّة أمريكا. انها نظريّة المنظومات أو ما يُعرف بــ »رفــّة أجنحة الفراشة ». فالبوعزيزي فراشة تونس المحترقة أضاءت عتمة العالم العربي وهي مرشــّحة بأن تفيض أنوارها على ماهو أوسع. لكن حذار من الغرورْ وسرعة الاستكفاء باللسّرورْ. ان طريق البناء الجديد ستكون أصعب وأطول من هدم الدكتاتوريات المتهاوية في عدّة أسابيع. والعالم الذي لم يرى ولم يتكهّن بما حصل يُدرك أن ميزان القوى سوف يتغيّر وليس حتما لصالحه لكنه يعمل على أن يكون عكس كذلك. فكما بالنسبة للقوى الدّاخليّة التي تقاوم للمحافظة على امتيازاتها التـّي وفّرتها لها منظومة الهيمنة القديمة فانّ القوى الخارجيّة تحاول من نفس المنطلق أن تحافظ على منظومة الهيمنة التي أسّستها في ظلّ علاقة لا متكافئة مع مُجمل العالم العربي.

أنّ فشل الثورة سيكون حتما انتكاسة على جميع المستويات. لقد أوصلتنا الدكتاتورية الى طريق مسدود فلم يكن هناك بدّ سوى كسر أسوار الخوف وفتح طريق عبر الثورة لطرقات جديدة. ورغم أنها تبقى محفوفة بالمخاطر فانها أحسن بكثير مما سبق لأنـّها تـُعطينا فرصة أخرى لابداع المستقبل بعيدا عن الوصاية. لقد أخرجتنا الدكتاتورية وثقافتها من التاريخ وقد كنـّا على شفى هوّة لكي نكمل الخروج من الجغرافيا لكن هذه الثورة أعادت وضعنا على الخريطة. فان لم نبدع جماعيا أشكالا جديدة من ثقافة التعايش من أجل البقاء وان لم نبدع منظومات جديدة فسوف تكون هذه الثورات بالنسبة للعالم العربي بمثابة رقصة الديك الذبيح الذي يمكنه أن يجري وحتّّّى يطير من شدّة ألم الذبح لكنه يقع في النهاية. ولا نريد لثورتنا مثل هذه النهاية. فهي تحمل في مبادئها وعزم شبابها وتوق شعوبها الى حريّة هي من طبيعة أشياء هذا الكون اليوم بذرة الاستمرار وعودة الرّوح للشخصيّة العربيّة التي ستعود لفلك الابداع لتـُبهر العالم من جديد.

-انتهى-

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire