banner

3 – الأغنية الملتزمة بين فخّ الاحتواء الايديولوجي و قيمتها الجمالية

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد أشرنا في مقالنا الفن الغنائي بين الابداع والاستهلاك أنه يمكن التأريخ لنمط الأغنية الملتزمة في العالم العربي و ارجاع ظهورها الأول الى ثنائي بيرم التونسي و الشيخ سيد درويش. ثم ترسّخها و تبلورها كمدرسة فنية قائمة بذاتها مع الثنائي أحمد فؤاد نجم و الشيخ امام ثم من تلاهم في العالم العربي.في هذا المقال نحاول أن نتناول بالتحليل علاقة هذه الظاهرة/النمط بمحيطها الاجتماعي و السياسي و خصوصا ظهور و أفول بعض الايديولوجيات التي تنازعت العالم العربي. فمنذ عصر النهضة أي نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين مع جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ومحمد رشيد رضا من الناحية التنظيرية و عبد الله النديم و عُرابي من الناحية التنظيميّة السياسيّة تنازعت العالم العربي أساسا ثلاثة ايديولوجيات ادّعت أنها الحل و الخلاص من الكبوة الحضارية التي آل لها العالمين العربي و الاسلامي. وهذه الايديولوجيات هي بالطبع اليسارية/ الماركسية و القومية / العروبية و الاسلامويّة / الأصولية. هذا بطبيعة الحال قبل أن يعمّ طوفان الليبرالية الأمريكية بعد سقوط جدار برلين و انهزام المعسكر الشرقي اقتصاديا و ايديولوجيا.

ولن نتناول هنا بالدرس هاته الايديولوجيات و كيف ترسّخت في الواقع الاجتماعي و السياسي و لكن سنحاول أن نستجلي ماهية العلاقة بين هاته التيارات الايديولوجية والصبغة الفنية للأغنية الملتزمة. وللتذكير فاننا في موقع الملتقى تبـنـّـيـنا كامل ظاهرة الأغنية الملتزمة دون تفرقة أو تمييز لأنها تهمّنا كظاهرة في حدّ ذاتها. ومن هنا جاءت الجملة المذكورة في ركن ماهية الموقع : « واننا في هذا الموقع نريد أن يكون هذا النتاج الفني خالصا و متخلّصا من الأيديولوجيات التي رافقته او تنازعته. فما يخلّد العمل الفني هو انسانيته في الوصف و التعبير عن المعانات بجماليّة تتجاوزالحدود الضرفية الضيقة لتجعل منه عملا فنيا ذا قيمة« .

أن هذا الاهتمام اثنوغرافيّ ٌ أساسا من حيث تصوير الظاهرة من داخلها بدون اصدار أحكام مسبقة عليها وتصنيفها من دون ترتيبها من حيث قيمتها الفنية و الابداعية. و قد كان القصد طرح أكبر كمّ ممكن لتكون مادة درس و تحليل و استجلاء لمن يهمّه الأمر. فمن داخل ظاهرة الأغنية الملتزمة ذاتها هناك من حافظ على خطّ ايديولوجي معيّن و هناك من « تورّط » في نوع من الحزبية وهناك من « نجا » من هذا و ذاك بالانحياز للهموم الجماعية بدلا عن التبنـّي الايديولوجي أو الحزبي لتلك الهموم في خدمة مشروع سياسي معيّن و هذا ما يهمّنا درسه في هذا المقال.

فأشعار بيرم التونسي لم تنخرط في منهج ايديولوجي معين وانما كانت تعبّر عن وطنيّة فطريّة و انحياز تلقائي لساسة المجتمع وقادته للتخلّص من ربقة الاستعمار البريطاني في مصر أو الفرنسي في تونس. وكان ماأخذه السيد درويش من أشعار بيرم لتلحينها أغاني وطنية خالصة (أنا المصري، بلادي بلادي الخ) أي أنها موجّهة للعامة من خلال شعورالانتماء الى مجموعة وطنية واضحة المعالم و الحدود.

أما الشيخ امام فقد تولّد فنّه عقب هزيمة 67 كردّ فعل يُحمّل  القيادة السياسية المصرية مسؤولية تلك الهزيمة العسكرية و آثارها الانتكاسية على روح الشعب. و يُمكن أن نجزم اليوم بشهادة من رافقو مشواره الفني و بشهادته شخصيا في مذكراته بقلم أيمن الحكيم بأنه لم يـنتم الى أي حزب سياسي أو حتى ايديولوجيا خلاف التصاقه بآلام الشعب و آماله من خلال شعر نجم و الآخرين. و قد نفى أن يكون اعتنق المذهب الشيوعي يوما أو فكّر في ذلك. و العارف لفن الشيخ امام يجد أن روح الوطنية و القومية شديدة الحضور و التمظهر دون أن يعني ذلك الانخراط في المنظومة القومية بفصائلها الايديولوجية و الحزبية. وصاحب الحسّ الرهيف يجد أنه غنى من الأغاني الصّوفية والأغاني ذات الشاعرية الدّينية  دون أن ينخرط في الخطاب الاسلاموي المتشدد الذي عُرف به اسلاميو مصر. هذا علاوة على أنه الفنان العربي الوحيد الذي غنى لثورة ايران من كلمات نجم.

ان قيمة الشيخ امام اذا هي في أنه كان فنان الشعب ولم يقع في فخ التحزّب و التيارات الايديولوجية التي يدّعى جميعها وصلا بليلى، أي تبني محن الشعب و الانطلاق منها كمدخل لبرامجها السياسية. فلا غرابة اذا أن يكون من عشاقة القوميّون و الماركسيّون و الاسلاماويّون (بعضهم ممن ليس لهم مشكلة مع تحريم الفن و تجريمه). فالشيخ، عبّر عبْرَ فنّه عن انتمائه الخالص للناس و للقضية مبتعدا عمّن يدّعون امتلاك الحلول الجاهزة. فلقد أظهرت الحلول الجاهزة و التبسيطية (simpliste) عقمها عن تغيير الواقع لأنها مُسقطة عليه بعنف. فالحل ينتمي ديمقراطيا للشعب. ففي عهد عبد الناصر الزعيم القومي الأول حُكم عليه بالسجن مدى الحياة و لـُفـّـقت له قضية ترويج الحشيش وهو الضّرير. ثمّ لاقى أشدّ أنواع العسف و التجويع (طالع الأغاني في المغاني للنابلسي).

ولقد افلح غير الشيخ امام برغم انتماءاتهم الحزبية زياد الرحباني (الحزب الشيوعي اللبناني) و مارسال خليفة (الحزب الاشتراكي) من أن يبقى فنّهم منحازا للناس أكثر من انحيازه الى طائفة حزبية أو دينية أو ايديولوجية. و هذا أمرٌ مهم لأنّ الفنان له كلّ الحق كمواطن اختيار اتجاه معيـّن كالايمان بايديولوجيا أو ببرنامج حزب سياسي. لكن الخطر المحدق بالفن الملتزم هو انخراطه في صراع حزبي و ايديولوجي و تحويله الى أداة بروباغندا. لماذا؟ لأنّ الفنان مُبدعٌ  و الحريّة هي وقود الابداع. والانخراط في رؤية حزبية من شأنه أن يُفقد الفنان وقوده الابداعي. ان التطبيل الحزبي يُفقد الابداع كنهه و معناه، فهومن الأغنية الملتزمة ما تمثله الأغاني الاشهارية للفن التقليدي: الاستعمال للتسويق و البيع و الرّبح ان كانت البضاعة تجاريّة أو سياسيّة. و هذا الاستعمال هو أشرّ ما يمكن أن تتردّى فيه الأغنية الملتزمة. و نجد أن هذه الزّلاّت وقعت هنا و هناك و هي لا تخدم حسب رأيي هدف الأغنية الملتزمة مثل أغنية الحزب لفرقة الطريق العراقية أو النشيد الأممي المأخوذ من مانفستو الحزب الشيوعي العالمي من غناء مجموعة البحث الموسيقي.

أن الفن ينبغي أن يبقى مساحة تلاقي لجميع الطوائف و الأجناس و كلّ الناس مهما اختلفت انتماءاتهم الايديولوجية و السياسية. و التناطح بين فنان و فنان على أساس « ايديوليجتي خير من أيديولوجيتك » هي لعمري من باب الطـّفولـيّة(enfantillage) « أبي أقوى من أبيك و منزلنا أحسن من منزلكم… الخ ».  و لقد أسهم الأستاذ محمد القرفي من تونس في تحليله للأغنية الملتزمة التونسية في هذا التحليل اذ اعتبرها ذات منحيين منحى يساري و منحى اسلاموي و هذه حقيقة لا تخفى على أحد رغم محاولة كل الفرق و نجاحها نسبيا في عدم الانخراط في الحزبية قبل أن يختفي أغلبها عن الساحة لأسباب تستحق البحث. و لا ضَيْر في أن يكون الصّراع الايديولوجي منخرطا في صراع تاريخي بين رُؤيتين (الحداثة/الأصالة مثلا) لأنه مُـثـر للحوار و محرّك لديناميكية التطوّر. لكن الممقوت هو الدخول في صراع ديكة هدفه الانتصار و طرح الخصم أرضا.

و من الناحية الجمالية البحتة فمن الخطر أن تقع الأغنية الملتزمة في فخ الشعاراتية و التهييج على حساب روعة الابداع وجمالية الجملة الموسيقية المخاطبة للذوق. ان الحضارة العربية أساسا كلاميّة اذ أنّ الكلام شعرا و نثرا و فكرا و أدبا هو المُهيمن على باقي الأشكال الفنية. فمن ثمّ كانت صعوبة الفصل في الأغنية بين جمالية النص الشعري و جمال الموسيقى و اللحن.

وفي نهاية المطاف يمكن أن نلخّص القول بأن القيمة الفنية للأغنية الملتزمة تخضع لنفس المنطق و نفس المعايير الجمالية لأي نمط آخر من الأغاني. لكن هناك من يكون تعلّقه بالكلمة و الموضوع المُغنّى لأسباب سياسية أو ايديولوجية بحتة أكبر من تعلّقه بالأغنية ذاتها في قيمتها الفنية الجمالية. و هذا لعمري أمر ذو عيوب.

فلا ينبغي أن ننسى أنّ الأغنية الملتزمة بانخراطها في واقعها الاجتماعي و السياسي تلعب دورا توعويا و تعبويّا و من ذلك خطر وقوعها في الشعبويّة. ان الفنان المستنيرصاحب الرؤية الواقعية و الممحون بمحون شعبه المختلفة لا ينبغي أن ينساق وراء التهييج الشعبوي. فان سيكولوجيا المجموعات (psychologie des groupes) أثبتت لنا أن الكثير من السلوكات الجماعية تخضع لمنطق يُغيَّبُ فيه الوعي و حريّة الاختيار و التروّي في الأحكام. (ما يُعرف بوعي القطيع).

فمن الأفضل أن يكون الفنان (شاعرا أو مغنيا) معاكسا للتيار عن قناعة من أن يكون مسايرا له بدون اقتناع هائما بذلك في دنيا ردود الأفعال الشعورية و اللاشعورية. و ليست هذه دعوة لاعتلاء برج عاجي و مراقبة العامة عن بُعد على اساس أنّهم الرّعاع. انما دعوة للحرية و لكي لا يُتفى الوعي الذاتي باسم الانخراط في الحركة. ومن هنا تتأتّى العلاقة الجدلية بين الفن و الحدث، بين الرؤيا و رد الفعل.

مونتريال  أكتوبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire