banner

4 – العولمة و العالم العربي- عودة ذهنية المُستعمَرْ

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد كان أهمّ تداعيات انهيار جدار برلين هو انتهاء الحرب الباردة بهزيمة الحلف الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وهذا الحدث يمثل أهم منحنى تاريخي في القرن العشرين بما فيه من انعكاسات على هيكلة الصراع العالمي و موازين القوى السياسية و الحضارية. انّ انهيار النظام الشيوعي على جميع الأصعدة نظريا/ايديولوجيا وعمليّا/اقتصاديا خلـّف فيما بعد فراغا في موازين القـُوى لصالح امريكا التي استفردت بالسيطرة على دواليب السلطة عالميا. لكن العالم الغربي « الحُـرّ » لم يكن نفسه متهيئا لهذا الانقلاب المفاجىء. فافلاس النظام الشيوعي أو الاشتراكية العالمية حدَثَ في فترة جدّ وجيزة و من الدّاخل. و ازاء هذا الفراغ ظهرت عبارة النظام العالمي الجديد دون أن يقع أي تحديد لمحتواها عدا الاعتراف بواقع أحادية السيطرة على النفوذ العالمي الجديد و ضرورة تغيير قوانين اللـّعبة السياسة العالمية لضمان بعض التوازن.فمنذ حرب الخليج الثانية التي وقعت عقب انهيار الجدار – و ربما ما كانت وقعا لو أن الحرب الباردة استمرت- اتضحت معالم هذا النظام العالمي الجديد بالتدخل العسكري المباشر لفضّ النزاعات لمصلحة المنتصر في الحرب الباردة. و بدأ مصطلح النظام العالمي الجديد يُنسى منذ أن بدأت تتشكل ملامح المشروع العولمي في منتصف التسعينات حيث مكنت ثورة الاتصالات و الانترنيت خصوصا من اعطاء المهد و الدعامة التكنولوجية لمفهوم العولمة. و لا بدّ من التوضيح أن المفهوم و الممارسة المقرونة بالعولمة ليسا جديدين. ففي كليات التصرّف و علوم الادارة تُدرّسُ المواد حول الادارة العولمية للمؤسسات متعددة الجنسيات منذ عقدين على الأقل. لكن الجديد هو تعميم هذا المفهوم ليصبح ايديولوجيا متكاملة و متناسقة في مفاهيمها و أدواتها و مشروعا ممكن التطبيق و التعميم « نظريا » – على حساب البلدان الضعيفة و النامية التي تفقد حكوماتها قدرة القرار على المسائل الاقتصادية. فمنذ عقود كان البنك العالمي و صندوق النقد الدولي الوسيلتين الأساسيتين لنشر الهيمنة الأمريكية عبر الارغام على تنفيذ خطط اقتصادية أمريكية بعيدة كل البعد على الحياد الايديولوجي بُعدها على الحاجات الحقيقية للبلدان النامية. فايديولوجيا هاتين المؤسستين الماليتين منخرطة كامل الانخراط في المدرسة النيوليبرالية الملاصقة لما يُعرف في الولايات المتحدة بمدرسة شيكاغو بريادة ميلتون فريدمان (المتحصل على جائزة نوبل للاقتصاد 1975) و رفاقه.

ان الفراغ الايديولوجي عالميّا و الانهزام الساحق و المخجل للمنظومة الشيوعية جعلت الميدان مفتوحا على مصراعيه لتعميم نفوذ المنتصر خصوصا وأنه امتلك من التكنولوجيا و قوّة الاقتصاد وفعالية آلته الحربية كل « الوجاهة » لفرض سيطرته و نفوذه. و لم يجد أمامه من ضد سوى مؤسسات المجتمع المدني. و العولمة ليست في حقيقة الأمر غير الأمْركة على كلّ الأصعدة لكن بمساحيق جديدة و خطاب جديد لا يستمدّ قوة وجاهته و اقناعه الاّ من غياب مخيف لخصم يكون ندّا و بديلا ايديولوجيا و اقتصاديا و عسكريا.

فاذا كان العالم الغربي وأوروبا ذاتها في غفلة عن تداعيات سقوط جدار برلين فمابالك بالعالم العربي الغارق في صمت القبور الخارج عن أي حركية تاريخية. فمن المُفزع أن أحداث 9/11  رفعت عنه الغطاء و كشفته كعدوّ جديد « للعالم الحُر » و رمت به في قلب صراع جديد ضد ما يسمى الارهاب و هو ما لم يكن مهيّـآ له بالمرّة. فهل يُمكن بعد حرب افغانستان و العراق و حروب أخرى قد تأتي على سوريا و ايران أن نفهم أن النظام العالمي الجديد على اساس غير أنه عودة الاستعمار المباشر باسم الوصاية على دول و شعوب لم تتمكن من اكتساب مناعة تُبعد عنها التدخل الأجنبي المباشرمهما غـُـلـّـفت هذه الحقيقة بخـُطبٍ تدّعي عكس ذلك.

لقد كشـّرت القوّة الحقيقية عن أنيابها و انتهى زمن البروتوكولات و القفازات البيضاء. و مصائب العالم العربي من خلال هذا الصراع الذي أُستدرج اليه دون أن يكون مهيّآ لهُ عديدة و عميقة اذ تشمل كل الأصعدة حضاريا و اقتصاديا و ثقافيا و سياسيا.

(1) على الصعيد الحضاري:

 لم يستفق العالم العربي من تداعيات الاستعمار الأول من أواخر القرن التاسع عشر. فبعد نيل الاستقلال تعددت المشاريع النهضوية وجُرّبت كل الايديولوجيات قومية و شيوعية و اسلاماوية و أصيبت كلها بدون استثناء بفشل ذريع. لكن في المقابل كان المنتصرالأوحد وبدون منازع هو تأصّل روح الدكتاتورية والاستبداد مشرقا و مغربا و تطور أساليبهما التكنولوجية. وهذا الفشل الذريع مردّهُ تغييب الفرد كقوّة خالقة للقيمة على جميع الأصعدة و تكلـّس الهياكل الاجتماعية و الاقتصادية و تعميم سلـّم قيمي لا علاقة له بروح العصر.

فلا يزال العالم العربي مترددا باحثا عن هويته و مكانته في الكون فاقدا لأي مشروع حضاري و فاقد للثقة في النفس تمكـّنه من تجاوز العقبات السيكولوجية لكل الهزائم و الارهاصات المتتالية التي أتت على معنوياته. فالفرد مغيّب و لا قيمة له و الجماعة تعيش انفصاما حادا بين العصر و مقتضياته و بين فهم سلفي للقيم الحضاريّة.

(2) على الصعيد الاقتصادي:

العالم العربي سوق استهلاكية. لكنه غائب من العرض كامل الحضور في الطلب من حيث معادلة السوق. فلا بُنى تحتيّة و لا بنى فوقيّة قادرة على المنافسة و اثبات الوجود أو احتلال مكان ما في سوق معولمة تعدّد عارضوها.

لقد بنى العالم الغربي ازدهاره و تقدذمه على مبدا ثابت: الانسان الفرد هو مصدر القيمة و لذا وجب الاهتمام بالفرد و تنميته لتنمو القيمة. فالانسان الغربي مهما كان موقعه في آليات الانتاج يفتخر بانتمائه الى مجتمع مُنتج و مصدّر للقيمة. و هو يشعرُ أنه يستحق عن جدارة ما وصل اليه من رغد العيش و من رفاهة يريد أن يورثها للأجيال اللاّحقة. و هو واع بأن وضعيته رهينة المكانة التي تحتلها بلاده في السوق العالمية.

أما الانسان العربي ففخره بانتمائه لا يتأتّى من واقعه و عمله المُعتَـبر « شرا لابد منه » و انما من تاريخه أو مايتصوّر أنه الصفحات الناصعة من ذلك التاريخ. لكن على الصعيد العملي لا يوجد أي شعور بأن الانسان الفرد هو صانع الثروة و أن له قيمة أساسية في دورة الاقتصاد. حتى وعيه بأنه دافعُ الضرائب و مُفوّض السلطة لتنوبه في خلق و التصرّف الخير العام ليست موجودة. فهو في احسن الأحوال موظف ذو دخل يطمع في معاش يمكنه من شيخوخة آمنة. فنسبة البطالة في العالم العربي مهولة بشكل لا يمكن حتى للاحصائيات الجادة من تحديدها بدقّة. و لازال العمل يُعتبر الطاقة العضلية التي يمنحها الأجير لرب العمل لمدة معينة من الوقت. وواقع الطبقة الكادحة من العمال واقع مزر و مشين اذ أن الثقافة السائدة لا تـُعطي مكانة للعمل أو للعمّال. فعلى صعيد العولمة و تداعياتها من حيث هي نظام توزيع العمل على صعيد عالمي فليس للعالم العربي موضوعيا ما يُأهّلهُ  لربح رهان العمالة الرخيصة نظرا لقلة التحكم في التكنولوجيا و المستوى المعيشي المرتفع نسبيا مقارنة مع البلدان المنافسة في آسيا و أروبا الشرقية.

(3) على الصعيد الثقافي:

لقد أثبتت سوسيولوجية التنظيمات (sociologie des organisations) أن الثقافة معطى فاعلٌ في الانتاج و كسب رهان التحوّلات. و يجب أن نفهم الثقافة هنا من  منظورها الأنثروبولوجي على أساس أنها مجموع الأساطير و التقاليد و القيم المتقاسمة بين مجموعة بشرية ما. أما الثقافة كنتاج فني و أدبي و فكري فسنتعرض له في ما بعد. فالقيم الثقافية السائدة في العالم العربي لا تأهله في هذا الظرف التاريخي من المضيّ قـُدُما على طريق التقدم و الازدهار. فالفرد رهن ثـقافة المجموعة وهي لازالت ثقافة مُراقبة مُعاقبة(coércitive) كلّ هدفها هو ابقاء التماسك الاجتماعي  في ظل فقدان الحريّة الفردية أو حصرها. أما العمل فلا قيمة ثقافية متقاسمة له بل و يُعتبر من مخلّفات العبودية التي لم يتخلّ عنها العالم العربي الا حديثا (مع  وجود يقايا لها لكنها مُـقنّعة في بعض الملوكيات).

أما عن التكنولوجيا و المهارات التقنية والمسك بزمام المبادرة تَـبــنٍّ و خلقـًا فهي تكاد تكون غائبة و يكفى الرجوع الى نسبة تمويل البحث العلمي في ميزانيا ت الدول العربية للبرهنة على ذلك. حتى أن الكفاءات التقنية العربية سرعان ما تضيق ذرعا بانسداد الأفق و قلة التقدير و الاهتمام و تظطرّ للهجرة لتجد حظها في الغرب حيث تكافؤُ الفرص والتشجيع. ويكفي الى  الرجوع الى الاحصائيات عن هجرة الأدمغة و الكفاءات للاستغناء عن جدوى البرهنة في هذا الأمركذلك. فعلاقة الثقافة العربية بالتكنولوجيا علاقة ريبة و استنكاف و لا غرابة في ذلك اذ لا يزال المنطق الخرافي الغيبي اللاعقلاني يسيطر على مجمل الطبقات الاجتماعية (انظر مقالي د. شاكر النابلسي في موقع ايلاف). فلا مكانة للثقافة العلميّة و التقنية في مناهج التعليم الا مؤخرا في مراحل الدرس حيث التخصص. كيف لا و كل الوعّاظ وأشباه الفقهاء لا يبدؤو خطبهم الا ّ بــ « كلّ مُحدثة بدعة و كلّ بدعة ظلالة و كلّ ظلالة في النار » قاتلين بذلك روح الحداثة و الابداع في المهد .

أما عن الجودة و الاتقان في العمل الصناعي أو ميدان  الخدمات فحدّث و لا حرج. ليس هناك وعي صناعي بأن الجودة، وهي احترام ذوق المستهلك أيا كان و حاجته لمستوى معين من خصائص المنتوج، هي من أهم أسلحة المنافسة عولميّا. والغالب في الأمر أن يكون مردّ عدم الاكتراث بالجودة ناتجة عن عقلية الوصاية المستشرية في الثقافة العربية: وصاية الرجل على المرأة و الكبير على الصغير والوالد  على المولود و الحاكم على المحكوم و المنتج على المستهلك. فحتى العلاقات الانسانية محكومة بقيم و سلوكيات تطغى عليها العواطف الشخصيّة و الانفعال أكثر من العقل و المصلحة اذ لا تفرقة في عموم الثقافة العربية بين العلاقات الشخصية و العلاقات العملية (relation d’affaires) سواء كان ذلك بين العامل و رب العمل أو بين أرباب العمل أنفسهم. من ذلك أن قطعة اللحم أو نوعية الخضر التي تشتريها من عند الجزار أو البقال هي أكثر ارتباطا بمزاجه ذلك الصباح و بطريقة تحدثك معه و علاقتك الشخصية به منها بمواصفات جودة موضوعية. و ليس المقصود العلاقات العملية تغليب المصلحة و المنطق فحسب انما أيضا التعامل العقلاني مع الأحداث في نطاق العلاقة و اعْمال بروتوكول سلوكي محايد دون أن يكون مجرّدا من القيم الانسانية و الرؤية البعيدة المدى.

أما الثـقافة من حيث هي انتاج أدبي و فني و فكري فهي تخضع حرفيا الى المقةلة الخلدونية: « المغلوبُ مولع أبدا بتقليد الغالب » . لكن المشاهد للساحة الفنية خصوصا يأسف لكون هذا التقليد هو تقليد بلا فهم او استيعاب أو هدف عدى مسايرة الموضة الشائعة و الدخول في منطق سوقي انهزام: » مادام قد قدم من الغرب فهو جيد و ينبغى أن يُحتذى به ». فلقد  قلـــّدت أمم أخرى الغرب المنتصر تكنولوجيا و اقتصاديا و عسكريا لكنه تقليد ذكيّ و منها اليابان و الصين و عدة بلدان آسيوية. لكن التقليد في الوطن العربي ناتج عن احتقار للذات وتعظيم للآخر بطريقة خرافية وفي كثير من الأحيان بدون مُوجب. و هذا هو الدّاء العُضال الذي يُمكن أن يستفحل من خلال عولمة المنتوج الثقافي لأن بذوره موجودة منذ ردهة من الزّمن. فمن يشاهد افلام عبد الوهاب في الأربعينيات لا يمكن أن يقرن احداثها و قيمها بالمجتمع المصري بل أكثر بالمجتمع الباريسي أو النمساوي.

(4) على الصعيد السياسي: بدون تعليق.

خلاصة:

قد يتساءل القارىء لما كل هذا التصوير المُحبط لواقعنا؟ أو ليس هنالك بصيص من الأمل ليسترد العالم العربي بعضا من امكانياته و يُوظـّفها لنهضته في مدى تاريخي وجيز كما حصل مع امم اخرى؟ و الجواب هو التالي: انّ أيّ مشكلة كانت رياضية أو فيزيائية أو طبية/ بيولوجية لا تجد طريقها الى الحل دون تحليل موضوعي هادىء مبني على الوقائع و القرائن المسندة له. و لا أعتقد أن تحليلا كالذي احاول تقديمه و ان كان رماديا/سوداويا من شأنه أو من أهدافه احباط العزائم و تعميم الاكتئاب. فالأحداث و الواقع هما المُحبطان الحقيقيان و ليست الكتابة أو محاولات التشخيص . فاننا لم نكن في العالم العربي أكثر اكتئابا و احباطا مما صرنا عليه بعد سقوط بغداد و بناء جدار الميز العنصري في فلسطين.

 وهذا التحليل ليس ايضا من باب استـلذاذ جلد النفس (autoflagellation) لكنه ينطلق من الفكرة الثابتة بأنه لا يمكن تجاوز واقعنا بالعواطف و بردود الأفعال الانفعالية أو الاعتقاد ببطل خرافي (المهدي المنتظر أو عودة صلاح الدين) سيخلّصنا مما اِلـْنا اليه بتبصّره و قيادته الحكيمة. فهذا وهم. أن الثقافة العربية، بل  الكيان العربي جُملة مهدد في وجوده ومستقبله و ليست ردود الفعل العاطفية و المقولات الثورية العنترية التي تتوهم امكانية التغييرالجذري و خلق انسان جديد بين عشية و ضحاها بفعل فاعل هي طريق الخلاص. و الثقافة العربية مهددة بالانقراض و الذوبان ان هي استمرّت في تكلسها و انسداد آفاقها وعدم قدرتها على الدخول في مرحلة الأخذ و العطاء مع الثقافات الأخرى و هذا الأخذ و العطاء هو الذي حعلها في مامضى رائدة و ليس العكس.  فلقد جُرّبت عديد من الايديولوجيات وباءت بالفشل الذريع. و من هنا ينبغي وقف الاعتقاد بأن هناك حلا سحريّا أو ثوريّا أو غيره.

بداية الحل هو الاعتراف بتشخيص موضوعي يكون نواة لدينامكية مساءلة الذات بطريقة مستمرة و اعادة الثقة في الانسان الفرد محور الوجود. فلا خلاص بدون تشريك جميع الناس، كلّ من موقعه، بروح مواطنية لاعادة بناء الحضارة العربية أو انقاذ ما تبقى منها على اسس عقلانية حديثة منخرطة في روح العصر و جسده التكنولوجي و الاقتصادي و السياسي. و اعادة البناء ليس قرارا سياسيا تفرضه السلطة الحاكمة، انما نتيجة ديناميكية هي بالأساس ثقافية لاعادة تصوّر الكون و مكانتنا فيه و هو جهاد أكبر على جميع الأصعدة. و مازال الطريق أمامنا طويلا لكن الميل يبدأ من خطوة و بداية الغيث قطرة ثم ينهمرُ.

مونتريال  أكتوبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire