banner

5 – نظرية الأنظمة، و دورها في فهم الوعي الفردي و التطوّر الاجتماعي

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد شكـّلت نظريّة الأنظمة، الرياضية الأصل، و التي طـُبقت على علم الأحياء كما في العلوم الانسانية أهم نظرية لفحص أسباب بقاء وزوال الأنظمة بيولوجية كانت أم اجتماعية. و ملخص هذه النظرية أن أي نظام من الذرّة الى الـجزيئة الى الخلية الى الـجهاز العضوي الى الكائن البشري الى المجتمع الانساني كلها أنظمة منخرطة بعضها في بعض. و كل مستوى تنظيمي يتبادل و يتجادل مع المستوى التنظيمي المُنخرط فيه مجموعة من المواد من الطاقة ومن المعلومات و هذا التبادل هو أساس استمراره. فكلّ مستوى تنظيمي يستوحي دوره و غاية وجوده من المستوى التنظيمي المُنخَرط فيه. فحسب ميكانزمات معيّنة تلعب الذرّة دورها في الـجزيئة و الـجزيئة في الخلية والخلية في العضو وهلمّ جرّا حتى نصل الى الانسان في مجتمع ما والمجتمع في الكون.و الجانب الآخر من النظرية  يبرهن على أن كل الأنظمة مرتبطة ببعضها البعض و أن أي تغيير في نظام ما له انعكاس على الأنظمة المُكونة له أو المستقلة عنه ظاهرا. فنظام الطقس له انعكاس على النظام النباتي و للفلاحة انعكاس على الاقتصاد و الاقتصاد على هيكلة العلاقات بين الطبقات المنتجة للمجتمع و أفراده.

وان لوعي الفرد بكونه نظاما من ضمن الأنظمة دورا كبيرا في التأقلم الاجتماعي و الاقتصادي. لكن تعقيد تركيبة الكائن البشري تجعل منه في نفس الوقت عدة أنظمة متمايزة الشكل و التمظهر. (1) فككائن بيولوجي يخضع الانسان لنفس القواعد الحاكمة في الأنظمة البيولوجية لأنه مركب منها (2) وككائن اجتماعي يلعب الوعي الفردي دورا مهما في علاقة الانسان بمحيطه (3) أما ككائن اقتصادي فلا مفر من أن يدخل الفرد في معادلة الأخذ و العطاء لأن وجوده البيولوجي مهدد بالانقراض اذا رفض ذلك. واللاوعي البيولوجي حيث تكمن غريزة البقاء يدفع الفرد عن لاوعي بالدخول في دورة تبادل مع محيطه لأنه شرط لا مناص منه. (4) وككائن ثقافي تشكل الارادة والوعي آداة  للتأقلم اللاجتماعي و الثقافي للفرد وهذا هو المجال الوحيد الذي يمكن الفرد من الاختيار أن يكون نظاما مغلقا أو منفتحا.

ومن الملاحظ أنه بقدر ما يكون الفرد واعيا بقدر ما يكون منتفتحا على التساؤل و اعادة صياغة وعية و بالتالي هويته في ديناميكية مستمرة. أما الانسان ذو الوعي المحدود فهو منغلق عما تلقاه من ثقافته من حقائق ثابتة « حسب اعتقاده » التي ترتقي الى مرتبة الدوغما أو الديكتات. ويمكن تعريف الوعي هنا بالمسافة التي يتخذها الفرد بينه و بين نفسه كما بينه و بين الآخر. فبقدر مايكون الانسان ملتصقا عاطفيا و اجتماعيا ببيئته بقدر ما تكون هذه المسافة محدودة جدا لأن من طبيعة المجموعات البشرية (غريزة المحافظة الجماعية) اكتساب ميكانزمات تراقب من خلالها تصرّفات الأفراد و معتقداتهم. فبقدر ما تكون ثقافة مجتمع ما – قبيلة بدائية في الأمازون أو المجتمع السويسري- مغلقة على ذاتها من أجل الحفاظ و الاستمرار بقدر ما يصعب على الفرد ايجاد وعي خاص متمايز عن وعي المجموعة. ومن هنا تأتي الملاحظة العملية بأنه مادام الفرد ملتصقا ببيئته الأولى فمن الصعب عليه – وليس من المستحيل- بناء علاقة مع ذاته و مع الآخرين تكون خارجة عن النمط العام (stéreotype).

فعقل الانسان الواعي في تساؤل دائم و في بحث عن حقيقة الأشياء مع الادراك و التسليم بأن الحقائق المطلقة لا وجود لها. لكن من خلال التساؤل هناك مساءلة (mise en cause) الذات عما تعتقده أو ما لُقّنت اياه عبر الثقافة من مسلّمات. وبهذا يكون الانسان الواعي منخرطا انخراطا كاملا في نظرية الأنظمة المفتوحة اذ أن أي معلومة تأتي من الخارج تُدرس و تُرتب و تُحتوى أو ترفض من هيكلته العقلية بحسب تناسقها مع المنطق الداخلي و بقدر اندماجها في التركيبة الذهنية الثقافية الداخلية.

أما الانسان ذو الوعي المحدود فانه لا يطيق آلام التساؤل و المساءلة لأن اي نقد لمعتقداته و و ثقافته المُلقنه هي عبارة عن هدم بنيته المنطقية الدّاخلية. اذ كل معلومة خارجية لا توافق هيكلته الذهنية تُدخله في  حيرة و ضياع وجودي لا سبيل له لتحمّل آلامه الا برفض كل الأحكام و الأفكار المخالفة لمجموع أحكامه المُسبقة. فلذا تراه لصيقا بالجماعة التي تقوّي معتقداته بنهج نفس السلوكات و اقتسام نفس القيم عبر التدعيم الايجابي(renforcement positif).

فأن نعي، ثم أن نعي بأننا نعي و نفهم ميكانزمات ذلك الوعي هو السبيل لاستخلاص أهم الدروس على المستوى الفردي من نظرية الأنظمة. فالعقل، فرديا، هو وسيلة التأقلم الاجتماعي من خلال تبادله للمعلومات التي تستعمل الطاقة البيولوجية والنفسية لتحولها الى قيم و سلوكات. أما على صعيد اجتماعي فهل يمكن الحديث عن عقل جماعي؟

لايوجد بيولوجيا عقل جماعي كما هو موجود و محدد الوظائف على الصعيد الفردي. لكن المجتمع لا يوجد و لا يتكون الا عن طريق هيكلة عقول الأفراد بمجموع من المبادىء و القيم التي تمثـّل « الاسمنت » الذي يجعل من شتات أفراد عناصر مجتمع متماسك يعيش في وحدة و أمن. فصورة المجتمع و قيمه موجودة في عقل كل فرد و من هنا جاءت المقولة الفرنسية المعروفة و الصعبة الترجمة :« La structure est dans la tête » . أي أن العلاقات المختلفة التي تشكل المجتمع، هرمية كانت أم عضوية، هي بالأساس مُستبطنة في كل فرد. فيمكن أن نستنتج اذن أن تطور مجتمع ما و تأقلمه في الكون أي مجموع المجتمعات البشرية الأخرى يمرّ أساسا عبر الأفراد. فالأفراد أقدر على تغيير وعيهم و تغيير وعي الآخرين بما استبطنوه من قيم جديدة و من هنا يأتي دور المثقفين و ما يسمّى بالنخبة في المساهمة في تطوير المجتمع.فكما بالنسبة للعلوم و الفنون و العادات تتأقلم المجتمعات مع بعضها عن طريق تبادل المعلومات و القيم. و من هنا يتأتى أيضا الصراع بين السلطة (اقتصادية، دينية، سياسية الخ ) و المجتمع. وينتج هذا الصراع من قوتين متضادتين. فمصلحة السلطة مراقبة القيم و الهيكلة التي تعكس بالأساس ثقافة سلطوية وعلاقات سياسية (القوة الأولى) في حين يتوق الأفراد وخاصة من النخبة لرفع كل مراقبة للمعلومات و القيم (القوة الثانية)لأن المناعة المُكتسبة للمجتمع من خلال استبطانه لقيمه الخاصة هي التي تمكنه من الأخذ و العطاء / التقبّل والرّفض للقيم الغازية له أو المحيطة به. أما الرقابة و الوصاية على الوعي الجماعي دينيا ، ثقافيا و سياسيا فهي دليل على ضعف الثقافة المُوحّدة للمجتمع و من ذلك الالتجاء الى العنف (منع، اجبار، صنصرة ) لفرض أو المحافظة على منظومة ثقافية و اجتماعية ما.

فأقوى الحضارات عبر التاريخ هي التي تفتحت للثقافات و الحضارات الأخرى و لم يعرف التاريخ الماضي و المعاصر حضارة سيطرت على العالم بانغلاقها و تقوقعها. و اذا أخذنا أمريكا الشمالية مثالا لذلك فلا شك أن ما حمله المهاجرون اليها من ثقافاتهم الأصلية هو وراء ثراء الحضارة و الثقافة الأمريكية و سبب من أسباب قوتها و ازدهارها. و ان بداية النهاية لهذه الحضارة كما لكل حضارة ستبدأ مع انغلاقها و تقوقعها. ثم ان الدخول  في معترك الحضارة أي المنافسة حول امتلاك الطاقة و التكنولوجيا و الامتياز في العلوم و الفنون لا مناص منه لبقاء اي ثقافة و حضارة. و الحضارات التي بُنيت على قيم روحية فحسب مهددة بالزوال لأن الطبيعة البشرية هي بالأساس طبيعة سيطرة (domination).فلا عجب اذا رأينا ما حصل للهنود الحمر في أمريكا الشمالية و بُوذيّي التيبات في الصين من أن نستنتج انّ القيم الرّوحية والثقافية مهما كانت قوية و متماسكة في بنيتها الدّاخلية لا تكفل البقاء. واي حضارة تبقى مهددة في وجودها ان لم تأخذ من الأسباب المادية للحضارة ما يؤهلها للدفاع عن النفس و الاستمرار.

مونتريال  نوفمبر 2003

FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire