banner

6 – عن الصهيونية، معاداة الساميّة والخطاب السياسي المقبول عموما

Du sionnisme, de l’antisémistisme et du discours politiquement correcte

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد كان لجملة رئيس الوزراء الأندونيسي مهاتير محمد بأن : « اليهود يحكمون العالم بالوكالة » خلال المؤتمر الاسلامي 2003 وقع و صدى في كامل أرجاء المعمورة. و ان كان مفعول هذه الجملة الحدث سيخبو كما تخبو كل الأخبار لأننا في عالم استهلاكي كل خبر فيه بضاعة لها فترة حياة (cycle de vie de produit) الا أن الموضوع الجوهري سيبقى قائما. لهذا سنتناول هذا الموضوع بالحديث من زاويتين. الاولى هي من ناحية المسكوت عنه في الخطاب المقبول عموما سياسيا. و الثانية من ناحية التفريق بين الصبغة اليهودية و الصهيونية و خطر تعميم الأحكام القيميّة.(1) فلماذا يُتهم مهاتير محمد بمعاداة السامية لقوله بأن اليهود يحكمون العالم بالوكالة؟و الجواب هو لأن هذة الفكرة و هذه الجملة قد قيلت من قبل في ظروف تاريخية مختلفة أدت الى كارثة عالمية. فقد تبنى الفكر النازي الألماني خلال الرايش الثالث نظرته للأقليات اليهودية بأروبا على هذا أساس هذه الفكرة و من قال جملا شبيهة بهذه هو هتلر وأتباعه. فينبغي أن نفهم اذن أن ما تـُـثيره هذه الجملة في الأوساط الغربية و العالمية ليس مُتأتيـّا من صحتها الموضوعية الصعبة على البرهنة القطعيّة لكن لاقترانها بالايديولوجيا النازيّة التي أدّت الى المحرقة. و يمكن هنا التلميح أيضا الى العقلية المحكومة بنظرية التآمرthéorie du complot  والرائجة كثيرا في العالمين العربي و الاسلامي.  فالمحرقة كحقيقة تاريخية ثابتة لا غبار عليها (وان اختلف عد الضحايا و هذا ثانوي) مثلت رأس المال التعاطفي الذي مازالت تحظى به دولة اسرائيل. و مازال رأس المال هذا في طور الاستثمار و جني الأرباح في العالم الغربي لا على صعيد اعطاء الشرعية لدولة اسرائيل سياسيا و انما أيضا على صعيد تبني ثوابت لغويّة و ايديولوجية سرعان ما تجعل من اي خطاب يتطرّق لليهود كشعب باي حكم من الأحكام القيمية خارج اللعبة (hors jeu).

فكل تعميم و أي تعميم لأحكام قيمية (jugement de valeur) سلبيّة على شعب أو على ثـقافة أودين يُعتبر من باب الميز العنصري ضدّهُ. ولقد نجحت الصهيونية في هذا المجال في فرض خطاب مستقيم لايمكن تجاوزه و هو أكبر دليل على نفوذها، اذ صارت الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها في هذا المجال مُستبطنة من طرف الجميع خصوصا العاملين في الحقل الصحفي. و هل يمكن أن ننسى أن مؤسس فكرة دولة اسرائيل هرتزل صحفي المهنة؟. و الثقافة الغربية تعمل بمقولة  » كلّ تعميم خاطىء بطبيعته » (toutes les généralisations sont fausses) . و هذه المقولة ترتقي الى مرتبة الديكتات التي لا نقاش فيه. و في الحقيقة لا ضير من تبني هذه المقولة فكل حكم قيمي مرتبط بحدث ما أو شخص ما لا ينبغي أن يُعمّمْ. فاذا كنا لا نقبل كعرب و مسلمين أن نوصم بالارهاب لأن شخص مثل بن لادن و أتباعه قام باعمال ارهابية لا يُمثلوننا البتة فينبغي الآ نعمّم نحن الأحكام القيمية على الغير.

(2) لماذا ها الخلط بين الصهيونية كأيديولوجيا مؤسسة لدولة اسرائيل و اليهودية كديانة و قومية؟ فهل كل يهودي صهيوني بطبعه؟ كيف يمكننا الميز؟ و هل كانت جملة مهاتير محمد تُحدث هذه الرجّة لو قيلت على النحو التالي: « الصهيانة يحكمون العالم بالوكالة »؟

وللتذكير فحسب فأن الصهيونية أعتبرت ايديولوجيا عنصرية الطبع في مقررات الأمم المتحدة و ذلك الى عهد قريب جداّ. و لم تُمح هذه القرارت الآ مؤخرا بايعاز من اسرائيل و مساندة من الولايات المتحدة. فأين ذهب الصهاينة؟ انهم اختبؤوا بذكاء وراء ديكور اليهوديّة. فالعالم أجمع ووسائل الاعلام العالمية لم تعد تنبس ببنت شفة عن هذا اللفظ بالرغم من أنه يبقى الايديولوجيا الثابتة للدولة العبرية. و اختفاء الصهيونية و ذوبانها في اليهودية على صعيد لغوي ينخرط في استثمار رأس المال التعاطفي الذي أسست عليه دولة اسرئيل وفي فرض خطاب سياسي مستقيم على جميع اجهزة الاعلام.

لقد رفض ألبار أنشتاين أن يكون أول رئيس لدولة اسرائيل لأنه كان يرفض الصهيونية اي فكرة الدولة القومية لليهود و هذا واضح في كتابه: « كيف أرى العالم ». لقد رفض اذا أن يكون مواطنا اسرائيليا بالمعنى الحديث للكلمة. فهل يمكن أن نقول بأن الصهاينة هم كل من قبلوا بالمواطنة الاسرائيلية؟ وان اليهود من غير المواطنين الاسرائليين ليسوا صهاينة؟ بالطبع لا. ففي اسرئيل مواطنون يهود ليسوا بصهاينة ومنهم من يساند حق الفلسطينين في أراضيهم التاريخية واقامة دولتهم ان شاؤوا. كما فيها من الصهاينة المتشددين تشددا ايديولوجيا سواءا كانو دينيين او علمانيين. و في خارج اسرائيل يهود غير صهاينة و يهود يفوقون صهاينة الداخل في صهيونيتهم. و هم أكثر الداعمين لدولة اسرائيل  ولو أنهم لا يُقيمون فيها و ليس لهم اي نية في الاقامة فيها. و من هنا تتأتى اشكالية التعريف التعميمي للصهاينة ماعدا هؤولاء الذين يصرخون بخطاب الصهيونية ليل نهار.

وللتذكيرفان هناك من يعتـقد أن حل القضية الفلسطينية لن يكون الا من خلال المواطنة في نفس الدولة بين اليهود و المسيحيين و المسلمين و أن النضال ينبغي أن يكون في الدّاخل عبر اتحاد أصحاب هذه الفكرة من بين جميع الطوائف الدينية و من بين هؤولاء المفكر الفلسطيني المعتبر ادوارد سعيد. و هو دعوة للنضال ضد العنصرية من داخل مؤسسات المجتمع الحالية كما وقع في جنوب افريقيا بقيادة نيلسون مانديلا.

ثم ان مايزيد مسألة التمييز بين اليهودية والصهيونية تعقيدا هو أن اسرائيل الدولة الصهيونية بمؤسساتها هي اكبر الدول عنصرية من حيث الممارسة لكن الخطاب الصهيوني المتستر باليهودية يجعل من اليهود الشعب الذي عانى الأكثر من العنصرية في الماضي (المحرقة) و الذي لا زال يعاني من تبعاتها (معاداة الساميّة). و 9/11 كما سقوط بغداد و الحرب المُعلنة على الارهاب قد خدم بشدّة هذا الخطاب حتى أن السياسة الأمريكية التي كانت دوما داعمة لاسرائيل منذ تأسيسها نزعت عنها كلّ اغطية النفاق الماضي وحوّلت هذا الدعم الى دعم صريح مباشر لا غبار عليه بعدما كانت تدعي في ما مضى الوساطة أي الحياد بين الطرفين المتنازعين. فعدد لقاءات شارون و بوش هو الأكبر و ألاكثر تواردا بعد الحليف الأول بلير.

(3) هل القضية الفلسطينية دينية أم قومية أم عرقية أم حقوقية؟

هي كلّ ذلك.لأنها من التعقيد بمكان لا يمكن حصرها في بعد واحد. و هذا الحصر انما هو الوقوع في قراءة ايديولوجية تريد ان تطوّع الواقع بدل أن تتعمق فيه و تستجيب له. فالدينيون يرونها دينية و القوميون يرونها قومية و العلمانيون حقوقية بمقتضى رؤاهم المعرفية (filtres cognitifs) .

وعلى صعيد لغوي، الغرب لا يدرك أن اليهود و العرب يشتركون في السامية بقدر ما يخلط العالم العربي بين اليهودية و الصهيونية. لكن هيمنة الخطاب الصهيوني جعلت من السامية مفردا خاصا و خالصا لليهود من دون العرب في الخطاب السائد. و قد يكون الخلط بين  اليهودية و الصهيونية من منظور العالم العربي متأتيا من ثقل المعاناة من الهزائم العسكرية الممتالية أمام اسرائيل و حاميتها الولايات المتحدة. فهذا الثـقل على النفسية العامة يترك أثره على الوعي و اللغة فما الفائدة من الميز مادام الجلاّد واحدا، و في آخر الامر ان يُسمى زيدا او عمرا. ثم كيف تـُتـّهم بالعنصرية الحضارة الأكثر معاناة منها (الأ قليات العربية في أوربا و أمريكا- فلسطينيو الأراضي المحتلة الخ)

فالبعد العاطفي مع الجهل أو عدم الاكتراث ببروتوكولات الخطاب الغربي كان و سيظل وراء الجمل التي قيلت و التي سوف تُقالْ. وهي تعبر عن الهوّة بين العالمين العربي و الغربي من حيث التعابير اللغوية في مضامينها و دلالاتها.

فمن المُحق و من المُخطىء؟

سيبقى للأسف صاحب الغـَـلـَبة هو المحق في أعين العامة ( أو الرأي العالمي كما يُقال اليوم) لأن له من وسائل القوّة ما يمكنه من الاقناع أو غسل الدماغ لأنه في مجال الأحكام القيميّة ليس هناك منطق واحد أو منطقان بل قل ان الطاغي فيها هو اللامنطق.

قراءات Les Juifs, le sionisme et Israël مونتريال 21 أكتوبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire