banner

7 – الحداثة أو الموت

بقلم: كريم السّــمعلي

طالما نتساءل مع كل انتكاسة لماذا و كيف أفلت العرب قطار التاريخ و بقوا على قارعته منتظرين معجزة تُعيد لهم المجد الوهمي أو حتى ماء الوجه. و لطالما انتظر وتمنّى البعض أنه لا بدّ أن يكون لوقع الهزمات المتتالية والمتعاظمة أشد أثر في زعزعة الضمير العربي ليُفيق من سباته العميق ويكتسب وعيا مُوحّدا و خلاّقا يضع قطار هذه الحضارة المتساقطة على سكـّة التاريخ من جديد. لكن الهزائم والارهاصات تواترت و تشابهت دون أن تحرّك ساكنا. بل أنها زادت من روح اليأس و الانهزام و القناعة بأنه لا مخرج من طاحونة السقوط. هاته الطاحونة التي تـُعتبر القوى الخارجية المسيطرة محرّكها و نُظم الحكم الداخلية أسنانها. هذه النظم التي تعيش على مناهج قروسطية وغير قابلة لأي تطوّر لأنّها مفتقدة لأيّ تصوّر ايجابي للمصلحة العامة و لمسؤوليتها في التخطيط للمستقبل.فبعد قرن من محاولات الاصلاح و التجديد و دخول العصر من أبوابه و بعد نصف قرن من الاستقلال و التجارب التحديثية المختلفة التي باءت بالفشل، اذا ما رجعنا لنتائجها الملموسة، يتقوقع العالم العربي حول نفسه و حول قيمه القديمة. وهذا التقوقع الردّ فعلي الانكماشي هو لنيل بعض الطمأنينة النفسية و الروحية في مواجهة واقع عنيف ليس للأغلبية فيه من موقع واضح على رأي أغنية مارسال خليفة: اجتاح اجتاح.. انحبس فيّ ما تفكّر ف شي.. برّة عتم و رصاص.. و صفاية حسابات بين الأنبياء و أشباحْ.

فلا تجارب الحداثة كانت حداثيّة بالفعل و أفضت الي هيكلة مؤسسات قادرة على الاستمرار و النموّ و لا التجارب الرجعويّة أدّت الى بناء مستقيم منخرط في نسق الحضارة و روح العصر في العالم العربي على الأقل. و مازال العالم العربي يترنح بين أسئلة وجودية من قبيل هل الحداثة مناقضة للأصالة  ؟ دون أن يجد طريقا في استعاب  الجدليّة الديناميكيّة التي تربط الجديد بالقديم. فمدّعو الحداثة يدعون الى القطيعة مع تراكمات الماضي التي ينوء الواقع تحت كلكلها. ودعاة العودة الى الأصل يرفضون الحاضر و تحدياته الحضارية على أساس أنه زيف من غير أهمية. ثم انهم يرفضون كل نظريّات التطوّر الطبيعي و الاجتماعي و الأخلاقي و تداعياتها فتراهم و كأنهم يريدون ايقاف التاريخ و خصائص المجتمع و تثبيتها في زمن مضى يُنظر له على أساس أنه المثل الأعلى. ثم انهم يعتبرون الارث الحضاري و القوة الروحية للثقافة فحسب مصدر للبقاء و الاستمرار. كما أن هناك اعتقاد سائد أن مصير الحضارة العربية هو الرجوع الى مقوّمات أوجها و كأن التاريخ شريط سنمائي يمكن ارجاعه للوراء أو تقديمه بحسب ارادة الفاعلين فيه.

وليس مقصدنا في هذا المقال حلّ هذا الاشكال نهائيا أو الاتيان بما لم يُأت به من قبل لكن نريد فقط التركيز على أربع نقاط هي التالية:

1. الحداثة خلاصة مسار انساني و لا يمكن رفضها باسم الخصوصيّة:

 ان الرافضين لقيم الحداثة الفرحين المستبشرين بانتكاساتها عبر التجارب الفاشلة في العالم العربي يُقاومون قيم الحداثة على أساس أنها مخالفة أو معادية للسلّم القيمي الذي هو عماد هويتنا العربية الاسلامية. فالمسألة هي اذن بالأساس مسألة قيم. لكن ما يتغافل عنه هؤولاء هو أن كل شيىء في حياة الانسان أفرادا و جماعات يخضع لقانون التطوّرالذي لا مناص منه. فالشيىء الوحيد الذي لا يتغيّر هو التغيير كما تقول المقولة الفرنسية. ان القيم و الهوية و طبيعة العلاقات البشرية تتغير وتتطوّر عبر الزمان و المكان. ثم ان الانسانية لم تتطوّر أو تتواصل الاّ بالاحتكاك بافراد أخر و مجتماعات أخرى بطبيعتها مختلفة عنه في ثقافتها و قيمها و هويّتها. وكل هذه الاختلافات لم تمنع الانسانية في المشاركة في حضارة مشتركة و الأخذ بكل منتوجاتها و استبطانها و اسمتلاكها (endoctrinement et appropriation).

و الحداثة كمنهج و سلوك و رُؤيا للكون لا تـُستثنى من ذلك فهي نتاج انساني بحت و ليست ملكية خاصة. لكن لا يُمكن استعاب ذلك الاّ بالخروج من سجن الثقافة الضيقة و المتمركزة حول نفسها و الامتناع عن رؤية الهوية على أساس أنها صورة ثابتة بل على أساس أنها جدلية ديناميكية في اعادة تشكـّل مستمرّ مع ثوابت و متغيّرات. فثوابت اليوم هي متغيّرات الأمس و متغيرات اليوم هي ثوابت الغد.

ان قوّة الشخصية فرديّا و جماعيّا و الثقة في النفس هما الوحيدان القادران على جعل الفرد كما المجوعة البشرية تنخرط في الحركة دون الخوف من الضّياع. أمّا التكلّس و الانكماش فهو خاصيّة من لا يُفكّر بنفسه و لنفسه و انما الذي جعل من عقله وعاءا قابلا لاستعاب الأحكام المسبقة على أساس أنها يقين و الذي لا يكمن أن يحتوي الا على وجه واحد أوحد « للحقيقية ». و تبقى أسطورة أهل الكهف السقراطية ذات معنى و دلالة في هذا المضمار. فان كانت « الحكمة ظالّة المؤمن أنّا وجدها فهو أحقّ بها » كما يقول الحديث فان الحكمة كلّ الحكمة اليوم هي ولوج الحداثة بثقة القادر على الأخذ و العطاء بدون عُـقـَدْ. و لا يقدر على ذلك الاّ من اتخذوا مسافة بينهم و بين ذواتهم (الوعي) و بين ذواتهم و الآخر في حركة دائمة من اعمال العقل في البناء   و التفكيك و ممارسة الفكر مع ممارسة النقد لذلك الفكر.

2. الأخذ بأسباب القوة المادية و التنافس على احتواء آليات انتاجها شرط للبقاء اذ لا تستمر حضارة بروحانياتها فقط:

لقد كانت حضارة الهنود الحمر بأمريكا الشمالية حضارة ثرية بقيمها و ثقافتها و فنونها و لا زال ماتبقى من الآثار شاهدا على وَهَجِـها و قيمتها. لكن وجود تلك الحضارة قد امّحى بفعل غزو المحتل المستوطن. و الدّرس من ذلك هو أنّ أيّ حضارة لا يُمكن أن تستمربقيمها و ثقافتها و روحانياتها فقط مهما كان ثراءها ان لم تأخذ باسباب القوّة الماديّة و المناعة التنظيميّة. اذ أنّ الغطرسة و الهيمنة و التغلّب و الاذلال للمهزوم من قوانين الطبيعة البشرية التي لم تتمكن الثقافة الانسانية من تهذيبها الاّ قليلا و عصرنا شاهد على ذلك. فالآداب و الفنون وكلّ ما يشكّل روح حضارة ما غير كاف بالمرّة لاستمرارها و غير ضامن لبقاءها و مناعتها.

فلنفهم اذن أنّ تاريخنا و أمجادنا والصّور النوستالجية التي نحملها عن ماضينا لا تزن مثقال ذرّة في كفة الصراع الحضاري الدّائر. و أنه لن يكون لنا مكان تحت الشمس ، كما يُقال، بدون العلم و التكنولوجيا و ادارة الأعمال و تطبيق العلوم التنظيمية. فلا يمكن مواجهة أعتى أسلحة الدّمار بأعتى قصائد المتنبّي هجاءًا و فخرًا. انّ بداية ظهور الضوء في ظلمات الدّاموس الحضاري الذي النا اليه لن يكون الاّ عبر تقييم موضوعي – لا انفعالي – للذات و امكانياتها الفردية و الجماعية. و لا يُمكن الفوز في أيّ حرب ان لم تكن الأسلحة في نفس المستوى و أوّل سلاح في معركة الحداثة هو الفرد كقيمة عُليا في حدّ ذاتها. ان الحداثة لم تعد خيارا فامّا الحداثة أو الموت. فانّ الحضارات و الشعوب و الأمم لها آجال. وقد يكون أجل حضارتنا قريبا ان استمرّت هذه الغيبوبة التي تزعّم فيها مفكّرو الظلمات المبادرة على كل الأصعدة.

3. الحداثة منهج و طريقة تفكير و ليست عـُلبا للتـّوريد:

 أن الحداثة تمش ّ شمولي يمسّ جميع أبعاد الحضارة. فليست بضاعة مُعلـّبة تُستورد من الخارج و ليست مشاريعا مُسلّمة المفاتيح. انها انخراط في روح العصر و استبطان لقيمه وأخذ بناصية الحضارة المتمكّنة في الأرض و اضافة للعام من منبع الخصوصي. لكننا للأسف لم نشهد في العالم العربي الاّ تقليدا و مسخا. و حتى أجرأ التجارب الحداثية في العالم العربي – أي تونس البورقيبية – عرفت انتكاسا لأنها بـُنيت على تناقضات صارخة بين الحداثة في الخطاب و الممارسة المُكرّسة للقيم التقليدية. فبورقيبة الذي أعلن حربا على القبليّة و العروشية أسـّس و دافع و نافح عن الجهويـّة في ممارسة حكمه حتي اصبح مكان الميلاد أهمّ ركن في السيرة الذاتية CV لاعتلاء المناصب بدلا عن الكفاءة. و بورقيبة رائد الحداثة و الذي ادّعى أنه أسـّس أمّة من غبار شعب – مع كلّ الانجازات التي تُحسب لهُ- عمل على أن تكون هذه الأمة غير قادرة على الحركة ان لم يكن شخصهُ محورها. و بورقيبة الذي تبنى فكر الأنوار بنى علاقته مع الذات الثقافية على أساس القطيعة و الاحتـقار . فلنقل اذن أن الخطوات التي قطعت للأمام أكثر من الخطوات التي قطعت للوراء لكن الطريق مازال طويلا.

4. القيم الثقافية و السلوكية المُهيأة لِـوُلـُوج زمن الحداثة هي التفكير العلمي، السلوك العقلاني و التنظيم الفرداني:

لا يُمكن الولوج في عصر الحداثة بدون مفاتيح ثلاثة هي أركان القيم الثقافية و السلوكية فرديا و جماعيا:

1) التفكير العلمي أي الاقلاع عن المنطق الخرافي السحري في فهم و تأويل الأحداث و الظواهر.

2) السلوك العقلاني الذي يربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامّة و الخير الجماعي

3) التنظيم الفرداني أي المبني على أساس أنّ الفرد الحر هو صاحب القرار و ليست المجموعة ( العائلة، القبيلة، مجموعات الانتماء الخ) عن طريق تنميط التفكير و السلوك.

وكل مفتاح من هذه المفاتيح هو بحد ذاته مشروع به من التعقيد ما يستوجب مقالة خاصة.

قراءاتلماذا يبدو الانفتاح السياسي مستحيلا في العالم العربي؟  برهان غليون مونتريال  نوفمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire