banner

8 – قناة الجزيرة و تأثيرها في المشهد العربي

بقلم: كريم السّــمعلي

لقد أثارت قناة الجزيرة و برمجتها كل ردود الأفعال العنيفة المحتملة و الممكنة بين متعصّب لها و مُتجن ّ عليها وذلك منذ انبعاثها. و اليوم بعد سقوط الغبار عن كل ذلك الصراخ و تلك الضوضاء التي أثارتها برمجتها المُثيرة و بعد أن أصبحت ركنا قارّا في المشهد الاعلامي العربي و مصدرا وثيقا للمعلومة لـ 35 مليون مشاهد عربي عبر العالم و بعد أن أكـّدت وجودها بل جرّت لحضيرتها قنوات أخرى باحثة عن المصداقية والتأثير ومن أهمها العربية سنحاول أن نتناول بالتحليل ما تمثله هذة القناة الفضائية للمشاهد العربي اليوم كما سنتناول بالتحليل بعض حجج خصومها و التهم التي كالوها لها للتشكيك في نزاهتها و مصداقيتها.فما الذي حقـقـته الجزيرة من جديد في المشهد الاعلامي العربي:

1. الحرفيـّة بدل التبعية في العمل الاعلامي:

ان الحرفية في العمل الصحفي و كل عمل هي نابعة من ثقافة مهنية و قيميّة مفقودة عموما في العالم العربي باستثناء بعض الميادين كالطب والبحث العلمي و بعض الأشخاص ذوي الكفاءات العالية. و بالنسبة لصحفيّي الجزيرة لا غنى عن التذكير أن اغلبهم قد تلقوا تجربتهم في هيئة الاذاعة البريطانية التي تمثل مدرسة عالمية  في الحرفية والصحافة النزيهة. وهي الاذاعة الأكثر شيوعا و احتراما في العالم العربي و خصوصا للنخب التي تلتقطها بلهف على الموجات القصيرة لاستقاء المعلومات الأكثر دقة و موضوعية حول الوضعية الداخلية لمختلف الأقطار العربية. فان كانت BBC المدرسة الأولى لمختلف القائمين على الشؤون الاعلامية في الجزيرة فان الجدير بالذكر هو أنها – أي الجزيرة- تمكنت من خلق نفس مناخ الشفافية والنزاهة و المصداقية في ثقافة الاعلام العربي الخالية من تلك القيم. في حين لم تغادر وسائل الاعلام التقليدية مستنقع الولاء و التبعية (clientélisme) و التي كلست المشهد الاعلامي العربي بطريقة لا تحترم ذكاء المشاهد و التي تتعاطى المنهج الرسمي في تقديم المعلومة و تبدع في اللغة الخشبية. فلا يجد المشاهد العربي من خيار غير الفرار الى القنواة الأجنبية لأنها على الأقل و برغم نقائصها تحترم ذكاء مواطنيها و لا تستبلههم. فسِرّ الجزيرة هو اذن القرن بين المهنية و الحرفية المقتبسة من تقليد و ممارسة غربية بحتة و الانخراط الملتزم في قضايا العالم العربي الحية و تناولها بتحليل نقدي عقلاني غالبا.

2. كسر التابوهات المتعارفة و المتفق عليها:

قبل انبعاث الجزيرة كان المشهد الاعلامي العربي متميزا بالركود و باحترام عدد كبير من التابوهات و الممنوعات المشهورة بعبارة الخطوط الحمراء. فكانت ثقافة الاجماع الصامت و قانون الصمت هو المسيطر على المشهد. و لقد كسّرت قناة الجزيرة معظم تلك التابوهات الاعلامية و و الثقافية لتضع اصبعها على بعض مواضع الدّاء في المنظومة العربية القائمة على الأصعدة الاجتماعية و الثقافية و السياسية. لكن نقدها خصوصا للنظام السياسي العربي هو الذي جعل كل الــقوى المتحكمة (Establishement) تقف ضدها و تكيلها كل تهم التآمر على وحدة الصف العربي و النيل من هذا و ذلك وهي في الغالب تهم مخابراتية قد أستعملت طولا و عرضا في التاريخ العربي الحديث. لكن استمرار شعبيتها يدل على تماهي المواطن العربي، المثقف كالبسيط، معها لأنها تشخص بوفاء الواقع العربي المُزمن و تقول عاليا ما تفكر فيه الأغلبية الصامتة سرّا نظرا لغياب مساحات الحوار الحر حيث يتصادم الرأي مع الرأي الآخر و يُترك الحكم الفصل للمشاهد . هذا المشاهد الذي استعاد ثقته في ذكائه و خصوصا في امكانية العالم العربي في انتاج ظواهر في مستوى عالمي من الجودة و الحرفية.

فالواقع العربي المريض لا يمكن أن يجد طريقا للتصحيح و التحسن من دون التشخيص السليم والثاقب. وهذا التشخيص لا يمكن أن يكون ذي جدوى أو مصداقية ان لم نـُسمِّي المسمّيات بأسماءها و تسليط نظرة ثاقبة الى ما تردّت اليه حالة الأمة العربية من وهن و انهزامية و فقدان كامل للثقة في النفس و الثقة في جدوى المقاومة و الرّفض.

3. اعادة ثقة المواطن العربي في وسائل الاعلام و تماهيه مع من يعكسون واقعه بصدق:

ان قناة الجزيرة أعادت الثقة للمواطن العربي في كونه جديرا بالمعلومة و التحليل الصادق و جديرا بأن يُحترم ذكاؤه و ذوقه. لكن الجدير بالذكر هو أن هذا الشعور بالثقة و ببعض الفخر يمكن تعميمه في مجالات أخرى كالاقتصاد و العلوم و التكنولوجيا و ادارة الأعمال الخ. نعم ان ذلك ممكن. فالعالم العربي يعج بالكفاءات في شتى الميادين و يعج بالطاقات القادرة على صياغة منظومة عربية جديدة. لكن هذة الكفاءات مهملة و مهمّشة في الأنظمة القائمة لأنها مبنية على الولاء و المحسوبية و العصبية القبلية وليس على المصلحة العامة التي تقتضي تقديم الكفاءة على الولاء و الخبرة على المحسوبية من باب شيّلني وشيّلك.

والطاقات العربية معطـّلة لأن الثقافة السائدة هي ثقافة ممنوعات و ثقافة محافظة على التقاليد القديمة و ترسيخها بدلا من الابداع و التحديث و النظر الى المستقبل بثقة المؤمن بقدراته و امكانياته في التجاوز لذاته باستمرار. و الجزيرة دليل أيضا على أن الهجرة العكسية للكفاءات العربية ممكنة اذا توفـّرت ظروف الحرية و احترام الأشخاص و الظروف المادية كذلك بدون شك. فكلّ او أغلب نجوم الجزيرة قد عاشوا في المهاجر لكن هذه التجربة – التي نرجو لها الاستمرار و الثبات و التعميم لأنها شعاع أمل في ظلام دامس محيط – نجحت في تجميعهم من الشتات و استغلال طاقاتهم و خبرتهم لتصبح بعملهم في مستوى أكبر القنوات الاعلامية العالمية رغم تواضع الامكانيات نسبيا. فاذا كانت المنافسة والمضاهات أو حتى التفوّق ممكنا على المستوى الاعلامي فلما لا يكون ممكنا في مستوى الاعلامية و الاتصال و الخدمات و التجارة الخ؟

4. عالمية التأثير:

لأن الجزيرة كسّرت أسطورة آحادية امتلاك الحقيقة الذي تميزت به وسائل الاعلام الأجنبية و خصوصا الأمريكية المتصهينة – حيث فرضت وجهة نظرها في الحروب الكبرى كحرب فيتنام و حرب الخليج الثانية-  فان اشعاع الجزيرة في  فضاء معولم صار من ثوابت المشهد الاعلامي العالمي. فصار يُقرأ لها الف حساب و اصبح كبار القادة و الساسة الأمريكان يتجهون اليها لتبليغ وجهة نظرهم و الدفاع عنها أمام الرأي العام العربي. و هذا يمثل اعترافا ضمنيا بمصداقيتها.

ان هذه المغامرة تُعيد لنا الثقة بأن العمل باخلاص و حسب مقاييس جودة معترف بها عالميا -في اي من الميادين- يُمكن أن تضع كثيرا من التجارب  المماثلة في فلك المحاكاة النـذّيّــة لمنجزات الغرب. و بذلك تـُذلــّل ُ عقد النقص و الاصغار من النفس و الاستسلام التي تنخر جسد و روح العالم العربي.

ويمثل تعايش صحافيين من جميع أقطار العالم العربي في روح من الانسجام و التثاقف كنزا من كنوز هذه القناة التي يمكن ان تستغلـّه في فرض عالميتها. فالمغاربة باتقانهم للفرنسية و الاسبانية يمثلون نافذة مهمة على أكثر المجتمعات الأروبية تأثيرا. و المشارقة باتقانهم للأنجليزية يمثلون نافذة على العالم الأنجلوسكسوني. و هذا من شانه تبليغ وجهة نظر الرأي العام العربي  و اثبات الوجود بالرغم من الوضعية المزرية التي آل اليها العالم العربي الذي يختفي وراء الصمت و الخوف المزدوج من الدكتاتوريات المحلية التي تستهدف كل حرياته باسم النظام و الدخول في الصف و الدكتاتورية الأمريكية الصهيونية و شبح الاستعمار المباشر الجديد الذي ضحّى الأجداد لخروجه من الباب الكبير. لكنه عاد للأسف من نوافذ ضعفنا و فشلنا بعمل شيىء ما باستقلالنا الأول.

فاذا كانت الجزيرة بهذا النجاح و بهذا المستوى العالمي من الحرفية و الجودة في تقديم المعلومة و التحليل الصحفي و الحضاري النزيه للأوضاع فلماذا؟ و من؟ و ماذا يعاب عليها؟

لقد أربكت الجزيرة منذ احداثها أصحاب القرار في الوضع العربي القائم (establishment) اذ خرجت عن المألوف و المسكوت عنه و الاجماع الضمني و الخفي (consenssus implicite) الذي بمقتضاه كل الأمور على أحسن ما يرام اذ تدور أمور البلاد كما يقول أولاد أحمد. فلم تلبث أن تعالت الأصوات المنددة ببؤرة الفتنة التي تمثلها هذه القناة و برامجها وكيفية تناولها للأحداث و تحليلها و ردّها الى أسبابها. فألصقت بها كل التهم الممكنة و المتناقضة و الخطيرة و التي في حقيقة الأمر تـُميّز ردود الفعل الانفعالية و الفصامية التي تتميز بها ثقافة السلطة في العالم العربي كلّما وُضعت محل انتقاد و عُرّيت من خطابها الخشبي ذو المعاني المزدوجة و الخيالية نظرا لبونه عن حقيقة الواقع المعيش. فلنستعرض تلك التهم بدون محاولة الردّ عليها لأن ذلك من شأن أصحاب الشأن في هذه القناة انما سنحاول النظر في الطريقة و الشكل تقدّم به تلك التهم و مدى جدّيتها.

1. الصهيونية و العمالة للموساد:

 ان أخطر تهمة يمكن أن تـُوجـّه في العالم العربي الى شخص أو جهة هي الصهيونية و العمالة لأنها كفيلة نتطيير رؤوس من على رقابها. فالتصهين هو الخيانة الكبرى في العالم العربي. لكن الملاحظ يرى أن هذه التهمة ألصقت بالجزيرة لأنها فتحت نافذة اعلامية على دولة اسرائيل بمحاورة شخصيات سياسية من جميع الحساسيات و قادة فكر و رأي عام اسرائيلي و أمريكي هم بدون شك اعداء القضية الفلسطينية خاصة و العربية عامة. فهل يُعتبر هذا تصهينا؟

ان الثقافة العربية الرائجة هي للأسف مهتزة في بنيانها و في ثقتها في نفسها. و القذف في الشخاص بمشين التهم عملة جارية و هذه الثقافة مهووسة بنظرية التآمر و الرفض الكلي للواقع (Dénie de la réalité) كآلية دفاع حسب لغة علم النفس التحليلي. فالصاق هذه التهم المخابراتية المجانية ينخرط في تلك الثقافة التي تجعل من الاشاعة خبرا يقينا و من القذف بشىء تهمة ثابتة و من الحكم المُسبق حقيقة راسخة على راي المقولة الفرنسية اقذفوا .. اقذفوا فسيبقى في نهاية الأمر شيىء (calmoniez.. calomnier.. il restera quelque chose) حتى أن النعوت أخذت حجما أكبر من المنعوتات نفسها مهما كانت مصداقية تلك النعوت و التهم.

فان لم يُتفق مع أحد و ضايقتك طريقته في التفكير يُلجأ دائما الى التخوين والتكفير و ما أكثرها شيوعا في العالم العربي الذي يبني أحكامه على العواطف و الانفعالات لا على التحري و اعمال البصيرة و تطبيق مبدأ براءة المتهم حتى تثبت ادانته بل العكس ادانة المتهم حتى يُثبت براءته اذا أمكن له ذلك. فان كانت هذه التهمة بالعمالة و الصهيونية تافهة و لا سند لها فان الغريب فيها أن مُطلقيها من الجهات الرسمية هم من المسارعين في تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع دولة اسرائيل. وهو ما يعمـّق حالة الفصام بين المقول و المسكوت عنه في غياب اخلاق الحوار. ثم ألا يّمكن أن نـَرُدّ هزائمنا المتتالية أمام الكيان الصهيوني الى جهلنا التام بهم و معرفتهم الكاملة بنا؟

2. صوت الاسلاماوية العالمية:

أما العلمانيو ن المتشددون في التعلمن فتهمتهم أن الجزيرة هي صوت الاسلاماوية العالمية و ذلك لاعتمادها خطابا أصوليا دينيا يصب في خانة الخطاب الاسلاموي الاخواني اذ هي استمرار لتأثير البترودولار الخليجي الداعم لهذا المذهب. (أنظر هذا مقال من موقع ايلاف الذي كُتب بعد كتابتي لهذا المقال)

3.اثارة الصراعات و شق الصف العربي:

أما التهمة الأكثر رواجا بين خصومها فهي اثارة الصراعات المخفية و تأجيج نار الفتنة بين العرب. و أهم ما يمكن أن يقال في هذه التهمة هي تكريسها لغياب ثـقافة النقد و الحوار المناقض. فكل متكلم بحقيقة يعتبرها واحدة و مُطلقة و غير قابلة للنقاش. بل أن المرضي في هذه المسألة هو تسلّط رفض الواقع كآلية دفاع. فالمحق و الصحيح هو دائما صاحب السلطة القامعة و أن أي تحدّ أو تشكيك في « الحقائق » المفروضة لتلك السلطة هي عبارة عن مَسّ ٌ من الذات الالاهية / الأرضية التي تُملي الحقائق مهما كان تناقضها مع الواقع و تكذيب هذا الأخير لها. وبما أنّ النظرية السياسية و الاجتماعية تعرّف الدولة على أساس أنها الطرف المحتكر لاستعمال العنف فان هذا العنف هو بالأساس عنف فكري و ايديولوجي. اذ يسلـّط على المجموعة نمط فكري و حقيقة ثـابتة لا نقاش فيها. فكل من يخرج على هذا الخط يوضع في خانة أصحاب الفتنة و التفرقة. و من هنا نستنتج طابع التطرّف السائد، من باب: ان لم تكن معي فأنت ضدّي.

و الواضح أن غياب الحوار و صراع الأفكار لمدة عقود بل قرون -هذا ان وجد يوما- جعل من طريقة الجزيرة في ادارة هذا الحوار امرا صادما و كما قال أحد المسرحيين التونسيين في مرحلة من مراحل تاريخ تونس الحديثة: « انّ طول الصمت يُفقد اللسان قدرته على الكلام ». فمازالت ابيات الشابي في قصيدته تونس الجميلةذات معنى معاصر:

لست أبكي لعسف ليل طويل ،

أو لـربـعٍ غــدا الـعـفـآء مـراحــه

إنـمـا عبـرتـي لخـطـبٍ ثقـيـلٍ،

قد عرانا، ولـم نجـد مـن أزاحـه

كلّمـا قـام فـي الـبـلاد خطـيـب

 مـوقـظ شعـبـه يـريـد صـلاحــه

ألبسوا روحـه قميـص اضطهـادٍ

فـاتــكٍ شـائــك يـــرد جـمـاحـه

أخمدوا صوته الإلهـي بالعسـف

 أمــاتـــوا صــداحـــه ونــواحـــه

توخّوا طرائق العسف والإرهاق

 تـــواً ومـــا تــوخّــوا سـمـاحــه

هكذا المخلصون في كل صـوبٍ

رشقـات الـردّى إليـهـم متـاحـه

غــيــر أنــــاّ تنـاوبـتـنـا الــرزّايــا

واستباحت حمانـا ايّ استباحـه

أنـا يـا تونـس الجميلـة فـي لـج 

 الـهـوى قــد سبـحـت سـبـاحـه

شرعتـي حبّـكِ العميـق وإنّـي

 قـــد تـذوقــت مـــره وقـراحــه

لسـت أنصـاع للّواحـي لـو مـت

وقامـت علـى شبابـي المناحـه

لا ابـالـي ..وإن أريـقـت دمـائـي

فدمـاء العـشـاق دومــاً مبـاحـه

وبطـول المـدى تـريـك الليـالـي

صادق الحـب والـولاء وسجاحـه

ان ذا عصـر ظلـمـةٍ غـيـر أنــي

إمن وراء الظلام شمـت صباحـه

ضيع الدهر مجد شعبـي ولكـن

سـتـرد الحـيـاة يـومـا وشـاحـه

4. زعزعة الوحدة العربية:

أما التهمة الرابعة فهي زعزعة الوحدة العربية و الخروج عن آداب حسن الجوار بين الأشقاء.طيب. فمتى كانت هذه الوحدة المزعومة موجودة حتى تتزعزع؟ و مافائدة الأشقــّاء ان كانوا جميعا في شقاءْ؟

قراءاتالرد الامريكي علي قناة الجزيرة .. فضائية الحرة من واشنطنمونتريال  نوفمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire