banner

9 – الثقافة العربية و التفكير العلمي

بقلم: كريم السّــمعلي

ان أبرز ما يميّز الحضارة الغربية و ما يفسّر تفوّقها و ريادتها هو استشراء التفكير العلمي و السلوك العقلاني على صعيد فردي و جماعي. لكن الثقافة العربية التي شهدت خلال الثورة الصناعية الأوروبية أبأس مراحلها التاريخية (استعمار، تخلـّف اقتصادي و سياسي الخ) بقيت على هامش هذا النمط الفكري و السلوكي. ففي هذا المقال نحاول تحليل بعض هذا الرّكود الفكري لنردّه لأسبابه الظاهرة و الباطنة. كما سنحاول عن طريق أمثلة من الخطاب و الفكر الرّائج أن نفهم ماهي تداعيات الاستمرار في خط الخطاب المُهيمن على الثقافة العربية.لقد تمكنت الثقافة الغربية من رسم الخطّ الفاصل بين الانسان المُتحضّر و الانسان البدائي (حسب تعريف فرويد و السيكولوجيين) بطريقة واضحة. ان الانسان البدائي أو انسان ماقبل الحداثة هو الذي يعتمد في تفكيره و سلوكه على تفسيرات غيبية للظواهرالطبيعية و الاجتماعية التي تُحيط به. في حين أن انسان الأنوار ثم الحداثة قد قطع مع نمط التفكير الغيبي و الخرافي، و منها مولد العقلانية الأروبية كمنهج تفكير يردّ الظواهر المُشاهدة  و المُعاشة لأسبابها المنطقية دون ارجاعها الى قوى ماورائية.فمازالت هناك حواجز بين الثقافة العربية عموما و الحداثة بهذا التعريف و سنتعرض في هذا المقال لما نعتبر مُهمّا منها و هي: تغليب أهمية العلوم الدينية عن العلوم الدنيوية، الخوف من اعمال العقل، الخلط بين ماهو انساني و ما هو خصوصي في العلوم الحديثة، نظرية التآمر و رفض المحاكاة.

1. تغليب أهمية العلوم الدينية عن العلوم الدنيوية:

الواضح، من دون الدخول في التفاصيل التاريخية،  أن ما يُسمّى بالعلوم الدّينية نجحت في الاستمرار بل انتعشت أكثر في زمن التـّدهور و الانتكاس كردّة فعل و بحث عن منظومة فكرية/ معرفيّة تـُفضي الى « حقيقة » و يقين ما. لكن العلوم الدنيويّة التي صنعت أوج الحضارة العربية مشرقا (الكوفة، أصفهان، بُخارة، دمشق الخ) و مغربا ( الأندلس و دول المغرب) انتكست انتكاسا هائلا وانتكس معها نمط التفكير العقلاني الذي يحكم سلوك الفرد و الجماعة. و من الواضح أن الخطاب الديني الفقهوي هو الخطاب المُسيطر على الثقافة العربية لما يمثله الدين من ملجأ تجد فيه النفوس بعض الثبات و الاطمئنان في واقع عربي تتراوح فيه الرعيّة بين مطرقة مهانة السيطرة الخارجية و سندان الأنظمة المتخلّفة. فنظرا للطابع القدسي للدين اكتست علومه بعضا من هذه القدسية فصار شيوعها في الثقافة العربية الشعبية (عكسا للثقافة النخبوية) من باب التعلق بـ « الحقائق » المُطلقة و من باب أن الالتزام بما تُمليه هذه العلوم من تفاصيل فقهية هي الدعامة لتطبيق تعاليم الدين و بالتالي استحقاق الجنـّة و السعادة الأبدية. أما العلوم الدنيوية فهي ليست الا ّ أداة لتطوير العالم المادي الذي يُحيطنا. وبما أنها تأتي من الغرب الكافر المُهيمن و المُستعمر فهي ليست الاّ أداته المقيتة لنشر كفره و جبروته. ان هذه النظرة الساذجة للعلم و التكنولوجيا على أساس أنها خاصة برقعة جغرافية و بحضارة و ثقافة معيّنة هي وراء كل هذا التخلّف العلمي الذي نعاني منه. و رفض العلوم الحديثة ليس فقط رفضا للأنوار و للحداثة و انّما رفض للتاريخ، للدخول في حركته و للاسهام فيه. ان ما يسمى بالعلوم الدّينية التي عفا عليها الدّهر لِمَا تـُمثـله من عقم في حلّ مشاكل العصر و هي سجن معرفي و سيكولوجي لأنها مبنية أساسا على النقل و تغييب العقل.

2.الخوف من اعمال العقل

لقد أُغلق باب الاجتهاد من زمن بعيد كما يُقال و سادت جرّاء ذلك عقليّة أنّه « لا يمكن أن يكون أحسن مما كان » فيما خلى من عصورنا الذهبية  » المزعومة ». فتردّت الحضارة العربية بعدما كانت صانعة الثقافة و العلم و الفن الى موقع المشاهد المستهلك . استهلاك القديم و اجتراره بدون اعمال عقل و تفكير. و استهلاك الوارد،  و في أحسن الأحوال تقليده، بدون استيعاب و تمحيص. و ككلّ ثقافة تعتمد على الانغلاق للحفاظ على مكتسباتها  – نظرا لفقدان الثقة في النفس و رفض الدخول في جدلية الأخذ و العطاء و قبول مبدء التطوّر- عمّت على الثقافة العربية المُربكة ذهنية الخوف من اعمال العقل لأن العقل من شأنه نقض السابق و هذا ما لا سعة له في الأنظمة المُغلقة. فدَيْدَنُ هذه الأنظمة المُغلقة الاستمرار عبر تكليس الهيكلة الموجودة و الحفاظ على التوازنات المنطقية الداخلية. ان الماضوية هي التي تقف وراء جمود الحركة الفكرية و شللها. و هذه الماضوية ليست حكرا على التفكير الدّيني فآثارها موجودة في التفكير القومي و الماركسي العربي. و كما تُأثر المراقبة الاجتماعية  (contrôle social) على سلوكات الأفراد لتجعلها موافقة للقيم العامّة التي تسود المجتمع و تحافظ على هيكلته المُـتكلـّسة فان الرقابة الفكرية تعمل على ألآّ يخرج المفكّرون عن السّرب و على أن يلتفوا حول الفكر الآحادي (pensée unique) ومن هنا تـَأتـّت المحاكمات و فتاوي التكفير مما يجعل من الصعوبة بمكان تجديد الخطاب و اعادة صياغته ممّا يُعيد للجُرأة الفكرية مكانتها. فان الابداع في الفكر كما في الفن و العلم هو مؤشر الثقافات الحيّة التي تُسهم في صنع الحضارة بدون انزواء أو تقوقع مهما كان مصدره و الخطاب التبريري الذي يرافقه.

3. الخلط بين ماهو انساني و ما هو خصوصي في العلوم الحديثة

لقد تعمّم في الثقافة العربية الشعبية الحُكم المُسْبَقْ التالي: يُمكن الأخذ بعلوم  الغرب فيما يخص الجماد و البيولوجيا لأنها تجريبيّة وترتبط بظواهر طبيعية موضوعية. أما العلوم الانسانية فهي مرتبطة بثقافة الغرب و بمجتمعه و بالتالي لا يجوز اسقاطها على الواقع العربي الاسلامي نظرا لخصوصياتها الذاتية. و قد أدّى هذا الميز الى رفض بعض العلوم الانسانية و زاد في الخلط بين ما هو انساني و بينما هو ذاتي في ميدان العلوم و المعارف المتعلقة بالانسان كفرد أو كمجتمع . و ان هذا الاعتقاد اللاموضوعي يـُسبب  الحرمان من خدمات المعارف الانسانية بتعلـّة الخصوصيّة. و لقد أشرنا في مقال لنا باللغة الفرنسية من ركن Pensées libres  أن مرض الاكتئاب مثلا المستشري في العالم العربي له نفس الأعراض بغضّ النـّظر عن الثقافة. فليس هناك اكتئاب عربي اسلامي و اكتئاب أوروبي. فطغيان الأفكار السوداويّة السلبيّة و التفكير في الانتحار لانهاء الآلام النفسية هي من أعراض هذا المرض مهما كانت الهوية الثقافية للمريض. فكيف نقول بأننا سنأخذ الأدوية و أساليب العلاج الكيميائي من الغرب المتطوّر في الطبّ لكن لا نأخذ بالعلاج النفسي لأن هذا العلم هو أساسا مستند الى خصوصيات الثقافة الغربية و لا يُمكن الاستفادة منه. في حين أن كل الأبحاث تـُجمع على أن امكانية  العلاج من مرض العصر هذا هي اقتران العلاج الكيميائي بالنفسي. ان الروح الانسانية واحدة و ألامها و أحاسيسها المتنوّعة واحدة في مجملها. ففي الثقافة الشعبية السائدة تُجابه أعراض هذا المرض باللجوء للمشعوذين وأصحاب الكرامات المزعومة و العلاقات الخاصة بعالم الجان من شيوخ الزوايا المقتاتين باستشراء الجهل فتصبح الحضرة الصّوفية أو الزّار مكان العلاج النفسي و طرد الأرواح الخبيثة التي تسكن الآدميين. و أدعو المهتمين بهذا الموضوع قراءة الكتاب التالي: Laplantine, Ethnopsychiatrie, Psychothèque, 1973, p. 5-131.

4. نظريّة التآمر و رفض المحاكاة.

ان الثقافة العربية الشعبية الرائجة تعيش للأسف في الدّرك السفلي من مدرج المعرفة العلمية والأخذ بناصية المناعة و التقدّم. ولأن العالم العربي قاسى من الهزائم المتتالية و أربك ثوابته الاستعمار القديم منه و الجديد  فقد استفحلت في ثقافته آليات دفاع (mécanismes de défense) خطيرة على تطوّره. و من أخطرها الانخراط في بارانويا مستمرّة معتمدة دائما على نظريّة التآمر و قد شمل هذا المجال المعرفة و العلم. وقد كدت أقفز من مكاني و أنا أتابع برنامجا رمضانيا للداعية النجم عمرو خالد و هو يقول بالحرف الواحد انّ: « الشيطان وسوس في اذن شارلز داروين فأنتج نظريتـه التي تقول بأن أصل الانسان كان قردا » ؟؟؟ كيف يمكن أن يُقال هذا الكلام في القرن الواحد و العشرين حيث لا يمرّ يوم دون أن تصلنا صور الكون الممتد الى مالا نهاية صارت تقريبا محدّدة عن طريق الأقمار الصناعية (التي لم يفلح العرب الآ في استعمالها للبث التلفزي ذو المستوى الهابط) و الصوندات الفضائية كهابل وماجلاّن غيرهما. في عصر تطوّرت فيه المعارف العلمية عن اصل الكون و تاريخه من الحامض القلوي الى تكوين العقل و الادراك في رحلة تطوّر رهيبة مازال هناك من يقول أنه لا قيمة لنيوتن و فرويد و داروين و انشتاين و لعلومهم لأنهم يهود يكرهون العرب ويسمّمون العلوم بوساوس الشيطان. نعم يحدث هذا الآن في العالم العربي أمام شباب متلقّي في أوج تطوره و هيكلته الذهنية. شباب يُراد منه أن يكون المستقبل و مُنقذ العالم العربي من الانحطاط الذي آل اليه و يرفع عنا وطأة الهزائم والانتكاسات.

ان نظرية التآمر، الرائجة في الثقافة العربية، هي أكثر الأنماط الفكرية كبحا للفهم السليم والتحليل الموضوعي كمنطلق لأي حل سليم و مناسب للأوضاع البائسة التي تردّى فيها العالم العربي ثقافيا و سياسيا. انّ الثقافة الرديئة هي العاجزة على التجدّد و التجاوز. و لا تجدّد أو تجاوز بدون اعمال النظرة الثاقبة للنفس و للغير نقدا و اصلاحا. لكن المتجدّد على الدّوام في العالم العربي للأسف هو الخطاب السّـلفي السقيم الذي يجترّ مفاهيما وقيما حضارية عفا عليها الزمان. و قد استشرى هذا الخطاب السلفي التغييبي كردّ فعل على عجز أي خطاب عقلاني على الاقناع و اضاءة الطريق. واختلط الحابل بالنابل بين ماهو قوام العقيدة و الدين و بين ماهو محض خرافات. فتجد مئات الخطب و الكتب المتوعدة بعذاب القبر و أهواله و بالجنة و نعيمها باثة بذلك ثقافة الموت و كره الحياة و لا تجد خطبة واحدة أو كتابا يفسّر معنى الآية الكريمة:  » قل سيروا في الأرض و انظروا كيف بدأ الخلق » أو الآية المشابهة التي تدعو الى السيرا في الأرض و النظر في » كيف كانت عاقبة الذين كانوا من قبلكم » ربما لأن الأمور الكيفية تستعصي على الخطاب الماضوي السلفي الشائع. فالكيفية هي من صُلب الخطاب العلمي العقلاني اذ أن العلم يهتمّ أساسا بكيفيّة نشأة الأشياء و تطوّرها. أمّا العقيدة فمجالها من؟ و لماذا؟ و هذا أمر ليس من مشمولات العلم و لا يمكن أن تكون اجابته علمية بأي حال من الأحوال.

فالنظر الى النظريّات العلمية من خارج المنظومة العلميـّة ذاتها فاقد لكل شرعية و مصداقية. فلا نقد علمي و لا تأريخ للعلوم الحديثة و لا دراسة ابستمولوجية الا من داخل المنظومة و الممارسة العلمية ذاتها. فمُنتـقدوا العلم من وجهة نظر دينية و منتقدوا الدين من وجهة نظر علمية مُجتنبوا الصّواب في كلتا الحالتين فالعلم و الدين لهما مجالات تعريف مختلفة و ان اشتبهت أو التصقت. ان النظرة التآمرية للعلوم و نظرياتها مع عدم القدرة على الفهم و الاستيعاب هما وراء التقوقع و رفض محاكاة المجتمعات الغربية و الأخذ عنها أحسن ما تـُنتجه و اعطائها احسن ما نُنتجه في دورة حضارية سلميّة تعمُّ على الانسانية بالخير و الثراء المادّي  والرّوحي.

 مونتريال  نوفمبر 2003
FacebookTwitterGoogle+

Laisser un commentaire